إن يكُن قلبك الشجيّ المعنّى
الشاعر: علي محمود طه · البحر: الخفيف · الغرض: قصيدة حزينة
هذه القصيدة من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 48 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الهمزة، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
إن يكُن قلبك الشجيّ المعنّى ... أرهقتهُ حياتُنا أعباء
مثل نسرٍ دامي الجناحين مضنى ... مستميتاً يصارعُ الإعياءَ
حاملا فوق مسترَقّ جناح ... مثل قلبي من بؤسِ هذي الحياة
عالما قاتلاً سحيقَ النواحي ... بارد الجوّ حالك الظلمات
رازحاً في عذابه يتلوّى ... مثقَلاً في فوادحِ الأعباء
كلّما ضجّ تحتهنّ تنزّى ... جرحُه الخالدُ السخين الدماء
أو يكُن بات لا يرى الحب هذا ال ... كوكب الهادي الصدوقَ الوفيّا
من له وحده يضيء ويجلو ال ... كون في ناظريه أفقا وضيّا
أو تكُن روحك السجينة عافت ... ذلك الخبزَ في الحياة طلابا
هو زاد الأسير في القيدِ باتت ... نفسه من موارد الحتف قابا
يتَلَقّاه مكرَهاً بيدَيه ... ملقيا من يمينه المجدافا
وهو يحني للبحر شاحب وجهِ ... بينما يندبُ الحياة اعتسافا
وهو بينا يقتافُ في الهدّارِ ... منفذا بين موجه للفرارِ
إذ يرى فوقَ منكبٍ منه عاري ... وصــــمةَ الذلّ صوّرَت بالنار
أو يكُن جسمُك الحيّ عرَتهُ ... هزّةٌ من عواطفٍ كامنات
بعد ما ملّ عالما أرهقته ... في حماه جوارح النظرات
باحثاً في قصيّ تلك الحزون ... ليُداري جماله الفتّانا
عن مكانٍ من العيون مصونِ ... فيه يحمي جلاله أن يهانا
أو تكُن منك عافتِ الشفتانِ ... كاذبَ القول تستقيه سماما
أو يــــكن قد تورّدَ الخدّان ... خَجَلاً من رؤىً ملئنَ أثاما
فاهجري المدن وارحلي لا يسمك ... ذلّ عيش فيهنَ غيرُ طليقِ
إرحلي الآن لا ينل قدميكِ ... دنَسٌ من غبارِ هذا الطريق
أشرقي من سماء فكركِ حينا ... وانظريها في ذلّة وإسار
نصِبَت للخلائقِ المرهقينا ... كصخورٍ قدّت من الأقدار
وانظري للحقول والغاباتِ ... حرّةً طلقةً كهذا البحرِ
حولَ تلكَ الجزائرِ المعتماتِ ... ولتَكُن في يديكِ طاقة زهرِ
تجدين الطبيعةَ الان منكِ ... في انتظارٍ رهيبة الإصغاء
والثرى مرسلا على قدميك ... من تعاشيبه سحاب الماء
وإذا الأرضُ من غروبِ الشمسِ ... رتّحتها تنَهّدات الوداعِ
وإذا هذهِ الزنابقُ تمسي ... وهي تهتزّ بالأريجِ المضاعِ
واختفى في فضائه الجبل النا ... ئي ومدّت معابد الصفصاف
ناصلات الألوانِ في صفحةِ الما ... ء غصونا نفيّة الأفوافِ
وتهادى هنالك الشفَقُ العا ... ني ليلقى وساده في الوادي
فوقَ عشبٍ من الزمرّد فتّا ... ن وعــــشــــبٍ مــــذهّــــبِ الأبــــرادِ
تحت هذه الجزوع مستحيياتِ ... حيث هذا النبعُ الفريد النائي
بين هذي الخمائل الحالماتِ ... وهي تهتزّ رغدةً في الفضاء
حيث يسري متخفياً في حجبهِ ... لائذا بالكروم مثل الظل
ملقيا في الغدير شاهبَ ثوبِه ... فاتحا في المساء سجنَ الليلِ
فوقَ طودي نَبتٌ كيف تحامى ... خطواتِ الصياد عند الدبيب
عالياً عن جباهنا يتسامى ... وهو مثوى الراعي ومأوى الغريبِ
فتعاليَ هنا نجدد ذماما ... ونخبّىء خطيئة وغراما
قدّسَت من خطيئة لا أثاما ... قد دفعنا لفعلها إلهاما
وإذا كان ذلك العشبُ خفضا ... وهو يهتزّ هزّة المرتاع
فتعالي إني أدحرج أرضا ... لك تحت الظلام بيت الراعي
هو بيتٌ يسري على عجلاتِ ... سمتَ عينيك سقفهُ المزدان
عاطرُ البابِ معتمُ الرحباتِ ... مثل خدّيكِ لونه المرجان
فيه ظلّ وفي زهرٌ نضيرُ ... بينها خلوة لنا وتداني
مخدعٌ صامت الفراش وثيرُ ... يلتقي فيه شعرنا في حنانِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الهمزة، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الجناحين: جنح: جَنَحَ إِليه[[. قوله [جنح إِليه إلخ] بابه منع وضرب ونصر كما في القاموس.]] يَجْنَحُ ويَجْنُحُ جُنُوحاً، واجْتَنحَ: مالَ، وأَجْنَحَه هُوَ؛ وَقَوْلُ أَبي ذُؤَيْبٍ: فَمَرَّ بالطيرِ مِنْهُ فاحِمٌ كَدِرٌ، ... فِيهِ الظِّب … (لسان العرب)
- الخالد: خلد: الخُلْد: دَوَامُ الْبَقَاءِ فِي دَارٍ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا. خَلَدَ يَخْلُدُ خُلْداً وخُلوداً: بَقِيَ وأَقام. وَدَارُ الخُلْد: الْآخِرَةُ لبقاءِ أَهلها فِيهَا. وخَلَّده اللَّهُ وأَخْلَده تَخْلِيدًا؛ وَقَدْ أَخْلَد ال … (لسان العرب)
- السخين: سخن: السُّخْنُ، بِالضَّمِّ: الحارُّ ضِدَّ الْبَارِدِ، سَخُنَ الشيءُ والماءُ، بِالضَّمِّ، وسَخَنَ، بِالْفَتْحِ، وسَخِنَ؛ الأَخيرة لُغَةُ بَنِي عَامِرٍ، سُخونة وسَخانةً وسُخْنة وسُخْناً وسَخَناً وأَسْخَنَه إِسْخاناً وَسخَّ … (لسان العرب)
- الصدوق: صدق: الصِّدْق: نَقِيضُ الْكَذِبِ، صَدَقَ يَصْدُقُ صَدْقاً وصِدْقاً وتَصْداقاً. صَدَّقه: قَبِل قولَه. وصدَقَه الْحَدِيثَ: أَنبأَه بالصِّدْق؛ قَالَ الأَعشى: فصدَقْتُها وكَذَبْتُها، ... والمَرْءُ يَنْفَعُه كِذابُهْ وَيُقَال … (لسان العرب)
- الظلمات: ظلم: الظُّلْمُ: وَضْع الشَّيْءِ فِي غَيْرِ موضِعه. وَمِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ فِي الشَّبه: مَنْ أَشْبَهَ أَباه فَمَا ظَلَم؛ قَالَ الأَصمعي: مَا ظَلَم أَيْ مَا وَضَعَ الشَّبَه فِي غَيْرِ مَوْضعه وَفِي الْمَثَلِ: مَنِ اسْت … (لسان العرب)
- النواحي: وحي: الوَحْيُ: الإِشارة وَالْكِتَابَةُ والرِّسالة والإِلْهام وَالْكَلَامُ الخَفِيُّ وكلُّ مَا أَلقيته إِلى غَيْرِكَ. يُقَالُ: وحَيْتُ إِليه الكلامَ وأَوْحَيْتُ. ووَحَى وَحْياً وأَوْحَى أَيضاً أَي كَتَبَ؛ قَالَ الْعَجَاجُ … (لسان العرب)
- الوفيا: فيأ: الفَيْءُ: مَا كَانَ شَمْسًا فَنَسَخَه الظِّلُّ، وَالْجَمْعُ: أَفْيَاءٌ وفُيُوءٌ. قَالَ الشَّاعِرُ: لَعَمْرِي، لأَنْتَ البَيتُ أَكْرَمُ أَهْلِهِ، ... وأَقْعَدُ فِي أَفْيائِه بالأَصائِل وفاءَ الفَيْءُ فَيْئاً: تَحوَّل … (لسان العرب)
- تحتهن: تحت: تَحْتَ: إِحْدى الجهاتِ السِّتِّ المُحيطة بالجِرْمِ، تَكُونُ مَرَّةً ظَرْفًا، ومرَّة اسْمًا، وَتُبْنَى فِي حَالِ الِاسْمِيَّةِ عَلَى الضَّمِّ، فَيُقَالُ: مِنْ تَحْتُ. وتَحْتُ: نَقِيضُ فَوْقُ. وقومٌ تُحوتٌ: أَرذالٌ سَ … (لسان العرب)