سـرى القـمـرُ الوضَّاـحُ بـيـن الكـواكـبِ
الشاعر: علي محمود طه · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 48 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سـرى القـمـرُ الوضَّاـحُ بـيـن الكـواكـبِ — يُــفــكِّرُ فــيــمــا تــحـتـهُ مـن غـيـاهـبِ
فــنــاداهُ مـن وادي الخـلِّيـيـنَ هـاتـفٌ — بــصــوتِ مــحــبٍّ فــي الحــيــاةِ مُـقـاربِ
يــقـول له يـا روعـةَ الحـسـنِ والصِّبـا — وأجــمــلَ أحــلامِ الليــالي الكـواعـبِ
أنا العاشقُ الوافي إذا جنَّني الدَّجى — وراعــيــكَ بــيــن النــيِّراتِ الثـواقـبِ
ألا ليــتــنــي حُــرٌّ كــضــوئِكَ أرتــقــي — عــوالمَــكَ المــلأى بــشـتـى العـجـائبِ
ويـا ليـتَ لي كـنـزَ ابـتـساماتِكَ التي — تُـبـعـثـرهـا فـي الكـونِ مـن غير حاسِبِ
فـأصـغـى إليـهِ الضـوءَ فـي صفوِ جذلانِ — وأضــفــى عــلى الوادي شــعــاعَ حـنـانِ
وجــاسَ خـلال السُّحـْبِ والمـاءِ والثـرى — فــلم يـرَ فـي أنـحـائهـا وجـهَ إنـسـانِ
فــصــاحَ بــهِ يــا صـاحـبـي ضـلَّ نـاظـري — فـأيـن تُـرى ألقـاك أمْ كـيـف تـلقـاني
فــأومــا له إنـي هـنـا تـحـت شُـرفـتـي — وراءَ زجـــاجـــيــهــا أخــذتُ مــكــانــي
أبـى البـردُ أن أستقبلَ الليلَ قائماً — وأن أنــزل الوادي بــحــيــث تــرانــي
وحــســبُ الهــوى مــن عــاشـقٍ لك وامـقٍ — تَـزَوُّدُ عـيـنـي مـن سـنـا ضـوئكَ الحاني
فــألقــى عــليــه الضـوءُ نـظـرةَ حـائر — وأعــرضَ عــنــهُ بــابــتــســامــةِ سـاخـرِ
وقــال له يــا صـاحـبـي قـد جـهـلتـنـي — ويــا رُبَّ شــعــرٍ ســاقــهُ غــيــرُ شـاعـرِ
أنـا المـوثَـقُ المـكـدودُ طـالتْ طريقهُ — طـــريـــقُ أســـيـــرٍ فــي رعــايــةِ آســرِ
تــجــاذبــنـي طـاحـونـةُ الشـمـس كـلمـا — وقــفــتُ وتـمـضـي بـي سِـيـاط المـقـادِرِ
ومــا بــسـمـتـي إلا دمـوعٌ مـن اللظـى — قـد التـمـعـتْ فـي وجـهِ سـهـمـانَ حـاسِرِ
فـدعْ عـنـكَ يـا أعـجـوبـةَ الحـبِّ عالمي — فــقـبـلكَ لم يَـلقَ الأعـاجـيـبَ نـاظـري
وأمـعـنَ فـي تـفـكـيـرهِ القـمرُ الزاهي — فـــمـــرَّ بـــأرضٍ ذاتِ عـــشْـــبٍ وأمـــواهِ
يــنــاجــيـهِ مـنـهـا عـاشـقٌ ذو ضـراعـةٍ — مــــنــــاجــــاةَ صُـــوفـــيٍّ لِطَـــيْـــفِ إلهِ
يــقــول له يــا مُــشــهــدي كــلَّ ليــلةٍ — جــمــالَ مُــحــيَّاــ رائعِ الحـسـنِ تـيَّاـهِ
شــبــيــهٌ بـهـذا الضـوءِ نـورُ جـبـيـنـهِ — عـلى أنَّهـُ فـي النـاسِ مـن غـير أشباهِ
وتــرســمُ لي الأشــبــاحُ طـيـفَ خـيـالهِ — فــــأدنــــو لضـــمٍّ أو للثـــمِ شـــفـــاهِ
تـــمـــنَّيـــْتُ لو وَسَّدْتَ خـــدّك راحـــتـــي — وصـــدرُكَ خـــفَّاـــقٌ وجـــفـــنُـــك ســاهــي
فـــرفَّ عـــلى الوادي الشــاعُ طــروبــا — ونــاداهُ مــن بــيـن الظـلالِ مُـجـيـبـا
أزحْ هــذه الأغــصــانَ عــنــكَ لعــلّنــي — أصــافــحُ وجــهــاً مــن هــواك حـبـيـبـا
فــجــاوَبــهُ يــا قــرّةَ العــيــن إنـنـي — قـد اخـتـرتُ مـن شـطِّ الغـديـر كـثـيـبا
إذا أتـعَـبَـتْ عـيـنـي السـمـاءُ تـطـلُّعا — وخــالســتُ لحــظــاً للنــجــومِ مُــريـبـا
فــفــي صــفَــحـات المـاءِ نـهـزة عـاشـقٍ — يــراكَ عــلى بُــعْــدِ المــزار قــريـبـا
خـــلوتُ بـــه أرعــاك أوْفــى قــســامــةً — وأوفــرَ مــن ســحــرِ الجـمـالِ نـصـيـبـا
فـغـاضَ ابـتـسـام الضـوءِ من فرط حيرةٍ — وصــاحَ نــجــيِّيــ أنــتَ حــقَّرتَ ســيـرتـي
هـو الكـونُ مـرآتـي ومـجـلى مـفـاتـنـي — ومـــا لغـــديــرٍ أن يُــمــثِّلــَ صــورتــي
ومـــا نـــظـــرَ العـــشَّاــقُ إلَّا لعــالمٍ — يُــعَــظِّمــُ فــي المــعـشـوقِ كـلَّ صـغـيـرةِ
أعــيــذُ الذي شــبَّهــتَــنــي بــجــمــاله — أديــمَ مُــحــيَّاــ مــثـل صـمَّاـء صـخـرَتـي
أنا الفحمةُ البيضاءُ إن جنَّني الدُّجى — أنـا الحـمـة السـوداءُ رأدَ الظـهـيرةِ
فــدَعْ عــالم الأفــلاك واقــنـعْ بـلجَّةٍ — وغــازلْ مــن الأســمــاك كــلَّ غــزيــرةِ
وبـيـنـا يـهـيـمُ الضـوءُ فـي سُـبُـحـاتـهِ — وقــد غــطّ هـذا الكـونُ فـي سُـخـريـاتِهِ
رأى شــبــحــاً فــي قــربِ نـارٍ كـأنـمـا — يـــودِّعُ طـــيــفــاً غــابَ عــن نــظــراتِهِ
يــــمـــدُّ ذراعـــيـــه ويُـــرســـلُ صـــوتَه — بـــلوعـــةِ قـــلبٍ ذابَ فـــي نـــبـــراتِهِ
إلى القــمــر السـاري مُـحـيَّاـهُ شـاخـصٌ — كـــصـــاحــبِ نُــسْــكٍ غــارقٍ فــي صــلاتِهِ
فـحـامَ عـليـه الضـوءُ واسـتمهلَ الخُطى — وأجــرى ســنــاهُ الطــلْقَ فـي قـسَـمـاتِهِ
وصــاحَ بــه يــا شــيـخُ مـا أنـت قـائلٌ — تــكــلَّمْ فــإنَّ الليــلَ فــي أخــريــاتِهِ
فــقــالَ له يـا بـاعـثَ الحـبِّ والمـنـى — ســلِمْــتَ وحــيّــتــك العــوالمُ والدُّنــى
شــفــيــتَ جــوى شــيــخٍ أحــبَّكـ يـافـعـاً — وعــاش بــهــذا الحــبِّ جـذلانَ مـؤمـنـا
وأفـنـيـتُ عـمـري أرتـقـي عـالي الذُّرى — إلى أنْ بـلغـتُ اليـومَ مـثـوايَ هـهـنـا
وأوقــدُ نــاري كــي تــرانـي وأنـثـنـي — لأطــلقَ ألحــانــي وأدعــوكَ مَــوهِــنــا
وقــيــلَ ضــنــيــنٌ لا يــجــودُ بــوصــله — فــهــأنــذا ألقــاك يـا ضـوءُ مـحـسـنـا
تــسـاوتْ كـلابٌ تـنـبـح البـدرَ سـاريـاً — ونُــوَّامُ ليــلٍ أنــكــروا آيــةَ السـنـا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الباء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الوافي: الوَافِي : فا.-: المُعادِل والمُوازي.-: الوَفِي؛ فَالكَلْبُ وَافٍ وَفِيكَ غَدْرٌ ** فَفِيكَ عَنْ قَدْرِهِ سُفُولُ. -: دِرهمٌ وأربعةُ دَوَانقَ.- من الشِّعْرِ: ما استوفى في الاستعمال عدّةَ أجزائه في دائرته.
- الوضاح: الوَضَّاحُ : الأبيضُ اللّون الحَسَنُهُ. -: الحسنُ الوجهِ البَسِّام؛ تمُرُّ بك الأبطالُ كَلْمَى هزيمةٌ ** ووجهُك وَضّاحٌ وثَغْرُكَ باسمُ / رَجُلٌ وَضُّاحُ الحَسَبِ، أي ظاهرُهُ نَقِيُّهُ مُبْيَضُّهُ/ عظْمُ وَضَّاحٍ، لعبة ل …
- تبعثرها: تَبَعْثَرَ يَتَبَعْثَرُ تَبَعْثُراً : تفرّق؛ فإذا عزم على الكتابة وبدأَها تبعثرت أوراقه مثلما تتبعثر الأفكار في رأسه.