يـا قـاهـرَ المـوتِ كم للنفسِ أسرارُ
الشاعر: علي محمود طه · البحر: البسيط
هذه القصيدة من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 40 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يـا قـاهـرَ المـوتِ كم للنفسِ أسرارُ — ذلَّ الحـديـدُ لهـا واسـتـخْـذت النَّارُ
وأشـفَـقَ البـحـرُ مـنـهـا وهـو طاغيةٌ — عــاتٍ عــلى ضــربــاتِ الصَّخــرِ جَـبَّاـرُ
حــواكَ أُحــدوثــةً مُــثْــلى وتـضـحـيـةً — لم تــحــوِهـا سِـيـرٌ أو تـروِ أخـبـارُ
رمــاكَ فــي جَــنَـبـاتِ اليـمِّ مـحـتـرِبٌ — خـافـي المـقـاتـل عـند الرَّوعِ فرَّارُ
تـــرصَّدتـــكَ مــرامــيــهِ ولو وقَــعَــتْ — عــليـهِ عـيـنـاكَ لم تُـنـقـذهُ أقـدارُ
يَـدِبُّ فـي مـسـبـحِ الحـيـتـانِ منسرباً — والغــورُ داجٍ وصــدرُ البــحـرِ مـوَّارُ
كـدودةِ الأرضِ نـورُ الشـمـس يقتلها — وكـم بـهـا قُـتِـلتْ فـي الروضِ أزهارُ
هــوى بـكَ الفُـلْكُ إلَّا هـامـةً رُفِـعـتْ — لهــا مــن المـجـدِ إعـظـامٌ وإكـبـارُ
واسـتـقـبـلَ البحرُ صدراً حين لامسَهُ — كـادتْ عـليـهِ جـبـالُ المـوجِ تـنـهارُ
وغــابَ كــلُّ مــشــيــدٍ غــيــرَ قُــبَّعــةٍ — ذكــرى مـن الشَّرفِ العـالي وتـذكـارُ
ألقـيـتَهـا فـتـلقَّى المـوجُ مَـعْـقَدها — كـمـا تـلَقَّى جـبـيـنَ الفـاتـحِ الغَارُ
ولو يُــرَدّ زمــانُ المــعـجـزاتِ بـهـا — لانــشــقَّ بــحــرٌ لهـا وارتـدَّ تـيَّاـرُ
كــأنَّهــا خــطــبـةٌ راعَـتْ مـقـاطـعُهـا — لهـــا العـــوالمُ سُـــمَّاـــعٌ ونُــظَّاــرُ
تــقــولُ لا كـانَ لي ربٌّ ولا هـتـفـتْ — بـذكـرِه الحـربُ إنْ لم يُـؤخذِ الثارُ
يا ابنَ البحار وليداً في مسابحها — ويــافــعــاً يـؤثـرُ الجُـلَّى ويـخـتـارُ
مـا عـالمُ الماءِ يا رُبَّان صفهُ لنا — فـمـا تـحـيـطُ بـه فـي الوهـم أفكارُ
ومـا حـيـاةُ الفـتـى فـيـه أتـسـليـةٌ — وراحــــةٌ أم فُـــجـــاءاتٌ وأخـــطـــارُ
إذا السـفـيـنـةُ فـي أمـواجـهِ رَقـصَتْ — عــلى أهــازيــجَ غــنَّاــهــنَّ إعــصــارُ
وأشـجـتِ السُّحـْبَ مـوسـيـقاهُ فاعتنقتْ — وأُســدِلتْ مــن خـدور الشُّهـبِ أسـتـارُ
وأنـتَ تـرنـو وراءَ الأُفـق مـبـتسماً — كــمــا رَنــا نـازحٌ لاحـتْ لهُ الدارُ
غــرقــانَ فــي حُــلمٍ عَــذْبٍ تُــسـلسـلهُ — مــن ذروةِ الليــل أنــواءٌ وأمـطـارُ
يـا عـاشِـقَ البـحـر حَـدِّثْ عن مفاتنِه — كــم فــي ليـاليـهِ للعـشَّاـقِ أسـمـارُ
مـا ليـلةُ الصـيـف فيه ما روايتُها — فــالصــيــفُ خــمـرٌ وألحـانٌ وأشـعـارُ
إذا النـسـائمُ مـن آفـاقـه انـحدرتْ — وضــوَّأتْ مــن كُـوَى الظـلمـاءِ أنـوارُ
وأقــبــلتْ عــاريــاتٍ مــن غـلائلهـا — عــرائسٌ مــن بــنــاتِ الجــنِّ أبـكـارُ
شُـغـلُ الربـابـنـةِ السـارينَ من قدَمٍ — تُــجــلى بــهــنَّ عــشِــيَّاــتٌ وأســحــارُ
يُــتــرِعْــنَ كـأسَـك مـن خـمـرٍ مُـعَـتَّقـَةٍ — البــحــرُ كـهـفٌ لهـا والدهـرُ خـمَّاـرُ
وأنــت عــنــهــنَّ مــشــغـولٌ بـجـاريـةٍ — كــأنَّ أجـراسَهـا فـي الأُذن قِـيـثـارُ
صـوتُ الحـبـيـبـةِ قـد فاضتْ خوالجُها — ورنَّحــتْهــا مــن الأشــواق أســفــارُ
وألهـفَ قـلبـكَ لمـا انـدكَّ شـامـخُهـا — والنــوءُ مــصــطــرعٌ والمــوجُ هــدّارُ
بـوغِـتَّ بـالقـدَرِ المـكـتوب فانسرَحَت — عــيــنـاكَ تـقـرأ والأمـواجُ أسـطـارُ
نـزلتـمـا البـحـرَ قـبراً حين ضمَّكما — رفّــتْ عــليـه مـن المـرجـان أشـجـارُ
نـام الحـبـيـبانِ في مثواهُ واتّسَدا — جــنــبــاً لجــنــبٍ فـلا ذلٌّ ولا عـارُ
مــصــارعٌ للفــدائيــيــن يــعـشـقـهـا — مــســتـقـتـلونَ وراءَ البـحـر أحـرارُ
مَـــنـــيَّةــٌ كــحــيــاةٍ كــلمــا ذُكِــرَتْ — تــجــدّدَتْ لك فــي الأجـيـالِ أعـمـارُ
هــيَ الفــخــارُ لشــعـبٍ مـن خـلائقـهِ — خَــلْقُ الرجـالِ إذا هـاجَـتـهُ أخـطـارُ
له البـحـارُ بـمـا اجتازتْ شواطئها — ومـــا أجـــنّــتــه خــلجــانٌ وأغــوارُ
رواقُ مــجــدٍ عــلى جــدرانــهِ رُفِـعَـتْ — للخـــالديـــن أمـــاثـــيـــلٌ وآثـــارُ
دخــلتَ مــن بـابـهِ واجـتـزتَ سـاحـتَه — وسِــرتَ فـيـهِ عـلى آثـارِ مـن سـاروا
يــتـيـهُ بـاسـمـكَ فـي أقـداسـهِ نُـصُـبٌ — رخــامــهُ الدهــرُ والتـاريـخُ حَـفّـارُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- المقاتل: المُقَاتِلُ : فا.-: مَنْ يَصلح للقِتال أَوْ يُباشِرُهُ؛ استراحَ المُقاتِلون بعد الحَرْب ج مُقَاتِلَةٌ ومُقاتلون.
- تنقذه: تَنَقَّذَ يَتَنَقّذُ تنَقُّذًا - ـه. أنقذه؛ تنقذه من الورطة التي وقع بها.- منه الحديث: أخذه واستخرجه منه.
- حواك: حوا: الحُوَّةُ: سَوَادٌ إِلى الخُضْرة، وَقِيلَ: حُمْرةٌ تَضْرب إِلى السَّواد، وَقَدْ حَوِيَ حَوىً واحْوَاوَى واحْوَوَّى، مُشَدَّدٌ، واحْوَوى فَهُوَ أَحْوَى، وَالنَّسَبُ إِليه أَحْوِيٌّ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: قَالَ سِيبَوَ …