إيهِ يا لَيلُ هَل شَهِدتَ المُصابا

الشاعر: حافظ ابراهيم · البحر: الخفيف

هذه القصيدة من شعر حافظ ابراهيم، من العصر الحديث، وتقع في 90 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الباء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

إيهِ يا لَيلُ هَل شَهِدتَ المُصابا ... كَيفَ يَنصَبُّ في النُفوسِ اِنصِبابا

بَلِّغِ المَشرِقَينِ قَبلَ اِنبِلاجِ ال ... صُــــبحِ أَنَّ الرَئيسَ وَلّى وَغابا

وَاِنعَ لِلنَيِّراتِ سَعداً فَسَعدٌ ... كانَ أَمضى في الأَرضِ مِنها شِهابا

قُدَّ يا لَيلُ مِن سَوادِكَ ثَوباً ... لِلدَراري وَلِلضُــــحــــى جِــــلبــــابــــا

اُنسُجِ الحالِكاتِ مِنكَ نِقاباً ... وَاِحبُ شَمسَ النَهارِ ذاكَ النِقابا

قُل لَها غابَ كَوكَبُ الأَرضِ في الأَر ... ضِ فَغيبي عَنِ السَماءِ اِحتِجابا

وَاِلبَسيني عَلَيهِ ثَوبَ حِدادٍ ... وَاِجلِسي لِلعَزاءِ فَالحُزنُ طابا

أَيــــنَ سَــــعــــدٌ فَــــذاكَ أَوَّلُ حَفلٍ ... غابَ عَن صَدرِهِ وَعافَ الخِطابا

لَم يُعَوِّد جُنودَهُ يَومَ خَطبٍ ... أَن يُنادى فَلا يَرُدُّ الجَوابا

عَلَّ أَمراً قَد عاقَهُ عَلَّ سُقماً ... قَد عَراهُ لَقَد أَطالَ الغِيابا

أَي جُنودَ الرَئيسِ نادوا جِهاراً ... فَإِذا لَم يُجِب فَشُقّوا الثِيابا

إِنَّها النَكبَةُ الَّتي كُنتُ أَخشى ... إِنَّها الساعَةُ الَّتي كُنتُ آبى

إِنَّها اللَفظَةُ الَّتي تَنسِفُ الأَن ... فُسَ نَسفاً وَتَفقُرُ الأَصلابا

ماتَ سَعدٌ لا كُنتِ يا ماتَ سَعدٌ ... أَسِهاماً مَسمومَةً أَم حِرابا

كَيفَ أَقصَدتِ كُلَّ حَيٍّ عَلى الأَر ... ضِ وَأَحدَثتِ في الوُجودِ اِنقِلابا

حَــــســــرَةٌ عِــــندَ أَنَّةٍ عِندَ آهٍ ... تَحتَها زَفرَةٌ تُذيبُ الصِلابا

قُل لِمَن باتَ في فِلِسطينَ يَبكي ... إِنَّ زِلزالَنـــــا أَجَـــــلُّ مُــــصــــابــــا

قَد دُهيتُم في دورِكُم وَدُهينا ... في نُفوسٍ أَبَينَ إِلّا اِحتِسابا

فَفَقَدتُم عَلى الحَوادِثِ جَفناً ... وَفَقَدنا المُهَنَّدَ القِرضابا

سَــــلَّهُ رَبُّهــــُ زَمــــانــــاً فَــــأَبــــلى ... ثُــــمَّ نــــاداهُ رَبُّهــــُ فَــــأَجــــابــــا

قَــــدَرٌ شــــاءَ أَن يُــــزَلزِلَ مِــــصــــراً ... فَــــتَــــغالى فَزَلزَلَ الأَلبابا

طاحَ بِالرَأسِ مِن رِجالاتِ مِصرٍ ... وَتَخَطّى التُحوتَ وَالأَوشابا

وَالمَقاديرُ إِن رَمَت لا تُبالي ... أَرُؤوســــاً تُــــصيبُ أَم أَذنابا

خَرَجَت أُمَّةٌ تُشَيِّعُ نَعشاً ... قَد حَوى أُمَّةً وَبَحراً عُبابا

حَــــمَــــلوهُ عَلى المَدافِعِ لَمّا ... أَعجَزَ الهامَ حَملُهُ وَالرِقابا

حالَ لَونُ الأَصيلِ وَالدَمعُ يَجري ... شَفَقاً سائِلاً وَصُبحاً مُذابا

وَسَها النيلُ عَن سُراهُ ذُهولاً ... حينَ أَلفى الجُموعَ تَبكي اِنتِحابا

ظَنَّ يا سَعدُ أَن يَرى مِهرَجاناً ... فَرَأى مَأتَماً وَحَشداً عُجابا

لَم تَسُق مِثلَهُ فَراعينُ مِصرٍ ... يَومَ كانوا لِأَهلِها أَربابا

خَضَبَ الشيبُ شَيبَهُم بِسَوادٍ ... وَمَحا البيضُ يَومَ مِتَّ الخِضابا

وَاِستَهَلَّت سُحبُ البُكاءِ عَلى الوا ... دي فَغَطَّتــ خَضراءَهُ وَاليَبابا

ساقَت التَيمِسُ العَزاءَ إِلَينا ... وَتَوَخَّتـــ في مَدحِكَ الإِسهابا

لَم يَنُح جازِعٌ عَلَيكَ كَما نا ... حَت وَلا أَطنَبَ المُحِبُّ وَحابى

وَاِعتِرافُ التاميزِ يا سَعدُ مِقيا ... سٌ لِما نالَ نيلَنا وَأَصابا

يا كَبيرَ الفُؤادِ وَالنَفسِ وَالآ ... مالِ أَينَ اِعتَزَمتَ عَنّا الذَهابا

كَيفَ نَنسى مَواقِفاً لَكَ فينا ... كُنتَ فيها المَهيبَ لا الهَيّابا

كُنتَ في مَيعَةِ الشَبابِ حُساماً ... زادَ صَقلاً فِرِندُهُ حينَ شابا

لَم يُــــنــــازِلكَ قارِحُ القَومِ إِلّا ... كُنتَ أَقوى يَداً وَأَعلى جَنابا

عِظَمٌ لَو حَواهُ كِسرى أَنوشَر ... وانَ يَوماً لَضاقَ عَنهُ إِهابا

وَمَضاءٌ يُريكَ حَدَّ قَضاءِ اللَ ... هِ يَفري مَتناً وَيَحطِمُ نابا

قَد تَحَدَّيتَ قُوَّةً تَملَأُ المَع ... مورَ مِن هَولِ بَطشِها إِرهابا

تَملِكُ البَرَّ وَالبِحارَ وَتَمشي ... فَوقَ هامِ الوَرى وَتَجبي السَحابا

لَم يُنَهنِه مِن عَزمِكَ السِجنُ وَالنَف ... سُ وَساجَلتَها بِمِصرَ الضِرابا

سائِلوا سيشِلاً أَأَوجَسَ خَوفاً ... وَسَلوا طارِقاً أَرامَ اِنسِحابا

عَزمَةٌ لا يَصُدُّها عَن مَداها ... ما يَصُدُّ السُيولَ تَغشى الهِضابا

لَيتَ سَعداً أَقامَ حَتّى يَرانا ... كَيفَ نُعلي عَلى الأَساسِ القِبابا

قَد كَشَفنا بِهَديِهِ كُلَّ خافٍ ... وَحَسِبنا لِكُلِّ شَيءٍ حِسابا

حُجَجُ المُبطِلينَ تَمضي سِراعاً ... مِثلَما تُطلِعُ الكُؤوسُ الحَبابا

حينَ قالَ اِنتَهَيتُ قُلنا بَدَأنا ... نَحمِلُ العِبءَ وَحدَنا وَالصِعابا

فَاِحجُبوا الشَمسَ وَاِحبِسوا الرَوحَ عَنّا ... وَاِمنَعونا طَعامَنا وَالشَرابا

وَاِستَشِفّوا يَقينَنا رَغمَ ما نَل ... قى فَهَل تَلمَحونَ فيهِ اِرتِيابا

قَد مَلَكتُم فَمَ السَبيلِ عَلَينا ... وَفَتَحتُم لِكُلِّ شَعواءَ بابا

وَأَتَيتُم بِالحائِماتِ تَرامى ... تَحمِلُ المَوتَ جاثِماً وَالخَرابا

وَمَلَأتُم جَوانِبَ النيلِ وَعداً ... وَوَعــــيــــداً وَرَحــــمَــــةً وَعَــــذابــــا

هَل ظَفِرتُم مِنّا بِقَلبٍ أَبِيٍّ ... أَو رَأَيتُم مِنّا إِلَيكُم مَثابا

لا تَقولوا خَلا العَرينُ فَفيهِ ... أَلفُ لَيثٍ إِذا العَرينُ أَهابا

فَاِجمَعوا كَيدَكُم وَروعوا حِماها ... إِنَّ عِندَ العَرينِ أُسداً غِضابا

جَــــزِعَ الشَــــرقُ كُــــلُّهُ لِعَــــظــــيــــمٍ ... مَــــلَأَ الشَــــرقَ كُــــلَّهُ إِعــــجابا

عَــــلَّمَ الشامَ وَالعِراقَ وَنَجداً ... كَيفَ يُحمى الحِمى إِذا الخَطبُ نابا

جَــــمَعَ الحَقَّ كُلَّهُ في كِتابٍ ... وَاِستَثارَ الأُسودَ غاباً فَغابا

وَمَشى يَحمِلُ اللِواءَ إِلى الحَق ... قِ وَيَتلو في الناسِ ذاكَ الكِتابا

كُلَّما أَسدَلوا عَلَيهِ حِجاباً ... مِن ظَلامٍ أَزالَ ذاكَ الحِجابا

واقِفٌ في سَبيلِهِم أَينَ ساروا ... عالِمٌ بِاِحتِيالِهِم أَينَ جابا

أَيُّ مَكرٍ يَدِقُّ عَن ذِهنِ سَعدٍ ... أَيُّ خَتلٍ يُريغُ مِنهُ اِضطِرابا

شاعَ في نَفسِهِ اليَقينُ فَوَقّا ... هُ بِهِ اللَهُ عَــــثرَةً أَو تَبابا

عَجَزَت حيلَةُ الشِباكِ وَكانَ ال ... شَرقُ لِلصَيدِ مَغنَماً مُستَطابا

كُلَّما أَحكَموا بِأَرضِكَ فَخّاً ... مِن فِخاخِ الدَهاءِ خابوا وَخابا

أَو أَطاروا الحَمامَ يَوماً لِزَجلٍ ... قابَلوا مِنكَ في السَماءِ عُقابا

تَقتُلُ الدَسَّ بِالصَراحَةِ قَتلاً ... وَتُسَقّي مُنافِقَ القَومِ صابا

وَتَرى الصِدقَ وَالصَراحَةَ ديناً ... لا يَراهُ المُخالِفونَ صَوابا

تَعشَقُ الجَوَّ صافي اللَونِ صَحواً ... وَالمُضِلّونَ يَعشَقونَ الضَبابا

أَنتَ أَورَدتَنا مِنَ الماءِ عَذباً ... وَأَراهُم قَد أَورَدونا السَرابا

قَد جَمَعتَ الأَحزابَ حَولَكَ صَفّاً ... وَنَظَمتَ الشُيوخَ وَالنُوّابا

وَمَلَكتَ الزِمامَ وَاِحتَطتَ لِلغَي ... بِ وَأَدرَكتَ بِالأَناةِ الطِلابا

ثُمَّ خَلَّفتَ بِالكِنانَةِ أَبطا ... لاً كُهـــــولاً أَعِـــــزَّةً وَشَــــبــــابــــا

قَد مَشى جَمعُهُم إِلى المَقصِدِ الأَس ... مى يُغِذّونَ لِلوُصولِ الرِكابا

يَبتَنونَ العُلا يَشيدونَ مَجداً ... يُسعِدونَ البَنينَ وَالأَعقابا

قَد بَلَوناكَ قاضِياً وَوَزيراً ... وَرَئيــــســــاً وَمِــــدرَهــــاً خَــــلّابــــا

فَوَجَدناكَ مِن جَميعِ نَواحي ... كَ عَظيماً مُوَفَّقاً غَلّابا

لَم يَنَل حاسِدوكَ مِنكَ مُناهُم ... لا وَلَم يُلصِقوا بِعَلياكَ عابا

نَم هَنيئاً فَقَد سَهِدتَ طَويلاً ... وَسَئِمتَ السَقامَ وَالأَوصابا

كَم شَكَوتَ السُهادَ لي يَومَ كُنّا ... بِالبَساتينِ نَستَعيدُ الشَبابا

نَنهَبُ اللَهوَ غافِلَينَ وَكُنّا ... نَحسَبُ الدَهرَ قَد أَنابَ وَتابا

فَإِذا الرُزءُ كانَ مِنّا بِمَرمىً ... وَإِذا حــــائِمُ الرَدى كــــانَ قابا

حَرَمَتنا المَنونُ ذَيّالِكَ الوَج ... هَ وَذاكَ الحِمى وَتِلكَ الرِحابا

وَسَجايا لَهُنَّ في النَفسِ رَوحٌ ... يَعدِلُ الفَوزَ وَالدُعاءَ المُجابا

كَم وَرَدنا مَوارِدَ الأُنسِ مِنها ... وَرَشَفنا سُلافَها وَالرُضابا

وَمَرَحنا في ساحِها فَنَسينا ال ... أَهلَ وَالأَصدِقاءَ وَالأَحبابا

ثُمَّ وَلَّت بَشاشَةُ العَيشِ عَنّا ... حينَ ساروا فَوَسَّدوكَ التُرابا

خِفتَ فينا مَقامَ رَبِّكَ حَيّاً ... فَتَنَظَّر بِجَنَّتَيهِ الثَوابا

البحر والقافية

القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.

تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • الحالكات: حلك: الحُلْكة والحَلَكُ: شِدَّةُ السَّوَادِ كَلَوْنِ الْغُرَابِ، وَقَدْ حَلِكَ. وَيُقَالُ للأَسود الشَّدِيدِ السَّوَادِ حالكٌ، وَقَدْ حَلَكَ الشَّيْءُ يَحْلُكُ حُلُوكةً وحلُوكاً واحْلَوْلكَ مِثْلَهُ: اشْتد سَوَادُهُ. وأَ … (لسان العرب)
  • الرئيس: ريس: راسَ يَريسُ رَيْساً ورَيَساناً: تَبَخْتر، يَكُونُ للإِنسان والأَسد. والرِيْسُ: التَّبَخْتُرُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ أَبي زُبَيْد الطَّائِيِّ وَاسْمُهُ حَرْمَلَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: فَبَاتُوا يُدْلِجون، وباتَ يَسري ... بَصي … (لسان العرب)
  • المشرقين: شرق: شَرَقَت الشمسُ تَشْرُق شُروقاً وشَرْقاً: طَلَعَتْ، وَاسْمُ الْمَوْضِعِ المَشْرِق، وَكَانَ الْقِيَاسُ المَشْرَق وَلَكِنَّهُ أَحَدُ مَا نَدَرَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ … (لسان العرب)
  • المصابا: صبأ: الصابِئون: قَوْمٌ يَزعُمون أَنهم عَلَى دِينِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِكَذِبِهِمْ. وَفِي الصِّحَاحِ: جنسٌ مِنْ أَهل الْكِتَابِ وقِبْلَتُهم مِنْ مَهَبِّ الشَّمال عِنْدَ مُنْتَصَف النَّهَارِ. التَّهْذِيبُ، اللَّيْ … (لسان العرب)
  • النقابا: قبأ: القَبْأَةُ: حَشِيشةٌ تَنْبُت فِي الغَلْظِ، وَلَا تَنْبُتُ فِي الجَبَل، تَرْتَفِعُ عَلَى الأَرض قِيسَ الإِصْبَعِ أَو أَقلَّ، يَرعاها المالُ، وَهِيَ أَيضاً القَباةُ، كَذَلِكَ حَكَاهَا أَهل اللُّغَةِ. قَالَ ابْنُ سِيدَ … (لسان العرب)
  • انسج: نسج: النَّسْجُ: ضَمُّ الشَّيْءِ إِلى الشَّيْءِ، هَذَا هُوَ الأَصلُ. نَسَجه يَنْسِجُه نَسْجاً فانْتَسَجَ ونَسَجت الريحُ الترابَ تَنْسِجُه نَسْجاً: سَحَبَتْ بعضَه إِلى بَعْضٍ. والريحُ تَنْسِج التُّرَابَ إِذا نَسَجت المَوْر … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • وموقف لك بعد المصطفى افترقت
  • القصيدة العمرية
  • أيها الوسمي زر نبت الربا
  • وقف الخلق ينظرون جميعاً
  • أشرق فدتك مشارق الإصباح
  • سل قاهر الفرس والرومان هل شفعت
  • ورد الكنانة عبقري زمانه
  • لي فيك حين بدا سناك وأشرقا