جرد النفس وانهها عن هواها
الشاعر: ابن عديِّم الرواحي · البحر: الخفيف
هذه القصيدة من شعر ابن عديِّم الرواحي، من العصر الحديث، وتقع في 118 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الألف.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
جرد النفس وانهها عن هواها ... لا تذرها في غيها تتلاهى
زكها بالتقوى فما تفلح النف ... س بحالٍ إلا على تقواها
واستملها عن المراعى الوبيا ... تِ إذا استرسَلت إلى مرعاها
واتخذ في مراصد الكيد منها ... حَرَساً يكسرون صَعبَ قواها
فلها للعصيان ميل عظيم ... لو نفته عن طبعها ما عداها
ولها في المتاب شدة عجزٍ ... بِعِدات التسويف نيطت عُراها
ولها في المتاب مكر خفيُّ ... جعلته تلبسا من حُلالها
إن كيدَ الشيطان كان ضعيفاً ... ودواهي النفوس لا تتضاهى
فتيقض لها وقد أمكن الأم ... ر فما الحزم تركها ومناها
فاعتقلها في مبرك الزهد بالخو ... ف إلى أن تبدو هزالاً كلاها
فإذا انحلت القُوى فأثرها ... لمراعي اليقين تشفي طواها
وإذا أرزمت وحنت لألف الطب ... ع فارفض حنينَها وبكاها
فمروج اليقين فيها زُهورٌ ... معصرات التوفيق تسقي رباها
ما رعاها حيٌّ فعاشَ ولا مي ... ت فلم يحيَ ريثما يرعاها
ومــــتى هب للقبول قبول ... بين روضاتها وفاحَ شذاها
فاسر بالدهس لا الحزون بليل ... آمناً من كلالها وَحَفاها
ما سَرَت للأوطان نفسك إلا ... حمدت غب صبحه مسراها
أنت في هذه الرسوم العتيقا ... ت غــــريب فخلها وَبَلاها
والبدار البدار للموطن الدا ... ئم حيث الحياة ألقَت عصاها
قد تراءت لك الخيام فما عج ... زك عن أن تحلَّ وسطَ فناها
شَمِرّ الذيل واركب الليل واصحب ... ذات صبر فما السلوك سِواها
وعلى الأين فاحتمل كل خَطبٍ ... سوف تحلو الخطوب في عقباها
وإذا شــــقــــت المــــسالك طالت ... قصّر الشوق للحبيب مداها
ما الكرى والبروق ساهرة إن ... كان في الشوق صادقاً دعواها
خلف العالم الطبيعيَّ وارحل ... للتي لم تُخلق لدار سِواها
هــــذه مــــعــــبر وتلك مقامٌ ... فاعبروها لا تعمروا مغناها
عجباً من محجوبةٍ في كثيف ... عنصر العالم اللطيف رماها
نسيَتْ أنسها بمقعد صدق ... وتجافت لويلها وشقاها
حبست في ضنك ووحشة طبع ... فتمنت أن لا يحول عناها
ليتها حلقت إلى الرفرف الأخ ... ضر حيث الأنوار تغذو قُواها
رجّعي يا ورقاءُ نوحَكِ للأل ... ف فإن الولهى تبث جواها
واندبي المعهد القديم عسى الرج ... عة قد آذنت إليه عَساها
وانقذي من اشراك سجنك شوقاً ... لرياضٍ نشاتِ بينَ رُباها
جاذبي كفة الحبالة فالحا ... بل موف بمديةٍ قد نضاها
واسرحي في الرياض من ملكوت الله ... ترعينَ فيضه في فضاها
لو شجاك التذكار من لوعة البي ... ن لمزقت القلب آهاً وواها
عالم الكون والفساد بليا ... تِ لك الاختيار فيما عداها
رشحتك الألطاف للحضرة العلي ... ا أما ترغبين في لقياها
لهف نفسي على النفوس النفيسا ... ت أضاعَت أقدارَها وعُلاَها
برزت من مضارب الحق في أفض ... ية الأمر فاستباها هواها
تانف الواديَ المقدس رَعياً ... ورعت حيث الأسد تفري فراها
لو تمنت خلاصَها أدركته ... وغدت لا تراع وسط حِماها
ما أرادت من جيفة الزخرف الحا ... ئل لو أبصرت سبيلَ هُداها
تتجلى لها الحقائق لا غي ... ن ولا غــــيــــم ساترٌ ملاها
باهرات الجمال يدعين للوص ... ل فتأبى النفوس أن تهواها
غرها الجهل فاطمأنت إليه ... أن جهل النفوس أصل شقاها
أيها النفس علم معناكِ بَحرٌ ... في عميقات غَمره العقلُ تاها
لو شهدت المسطور في نسخة الغي ... ب ومعناك ما حوت دفتاها
وكشفتِ المستور فيك لأيقن ... تِ بأن الوجود فيك تناهى
أنتِ في هيكل خبيئة أمرٍ ... من حكيم لحكمةٍ أمضاها
فأميطي قذاة عينك من بين ... زوايـــــاه تـــــدركـــــي إيـــــاهــــا
فالخفايا عَلَيكِ في لوحك المحف ... وظ لو ما كشفت عنها غطاها
آهِ يا نفس والبقية من عمر ... ك قد أشرفت على منتهاها
أهِ يا نفس أدركيها فلا مط ... مع بعد الفراق في لقياها
ودعيها بالصالحات عسى نف ... حةُ توب وَرَحْمةٍ تغشاها
لستِ في هذه الحياة على ش ... يء سوى ما تلفين في عقباها
فاصدري عن غمار باطلها عط ... شى فأصدى عطاشها أرواها
ومسير العطاش أقطع للبِ ... يدِ وخير الأظماء ما أحفاها
فاطمئني وأوّبي وأنيبي ... وأخلصي من أفاتها وبلاها
أهِ يا نفس والعلائق أعدا ... ء شــــداد وأنــــت مــــن أسراها
يندبون اللوى وأندب نجداً ... كل عين تبكي على ما شجاها
ليت إني بيسجن أجتلي النو ... ر من العالم الذي لا يباهى
استمد الفيوض في فيضه الوه ... بيّ أو تملأ السيول زباها
قطعت بي قواطع الدهر عنهُ ... حاجة في نفس الزمان قضاها
كشفت لي عنه الحقائق والحق ... شهيدي بأنه منتماها
وارث الأنبياء علماً وحُكماً ... وسفير عنها إلى من عداها
أدرك الملة الحنيفية البي ... ضاء إذ فوضت له شكواها
تتضنى مروعةً تندب الأبرا ... ر حزناً همالةٌ مقلتاها
فأثارته شربة النهر والغي ... رة لله في رضا مصطفاها
فحماها وسامها وكذاك ال ... أسدُ تحمى عرينَها وحِماها
ردها مثل رد يوشع للشم ... س وقد غاب نورها وضياها
عجباً أشرقت من الغرب شمسٌ ... فاتَتنا للشرق يسعى سناها
إنــــهــــا آيــــة وإن كان لابد ... عَ من العارفين من شرواها
درجات الكمال والفضل لا تح ... صى وقد حاز شأنه أعلاها
تــــــلك آثــــــاره له شـــــاهـــــدات ... إنــــه للعــــلوم قطبُ رحاها
طلعت من جبال مصعب والزا ... ب جبال من علمه أرساها
ثم دارت بالأرض كالفَلَك الدَوّ ... ارِ لا تحصر النُهى أقصاها
جاء تفسيره بمعجزة قد ... بهرت أهل الابتداع سطاها
يبرق الحق من مصادره العل ... يا وينهل العلم من مجلاها
وحدته العقول في الفن حكماً ... فنفينا الأنداد والأشباها
فانهضي نهضة الغضنفر لا تؤ ... لين جهداً في قتلها وَجَلاها
واستعدي الأجناد من طاعَة ... الله فقد عَزّكِ النصير سواها
واعلمي إن طاعة الله لا ينه ... ض إلا بالعلم قطعاً بِناها
دونك الجد أفرغي فيه أنفا ... سك فالهزل ضاق عنه مداها
واستمدي الأنوار من كلمات ... الله إن الهدى بحقٍّ هداها
هي مرج البحرين فالتقطي الجو ... هَرَ من ذا وذاك من فحواها
شرب العارفون منها فهاموا ... بمذاقين من رحيق طلاها
راع خلف الستور ما أظهرَتهُ ... من جَمال فكيف ما في خفاها
إن لله في الخفاء نفوساً ... في ميادين قدسه أخفاها
حجبَتها ستائر اللطف عنها ... وجلاها من أمره ما جَلاها
أخذتها عنايَة الله عن أطو ... ارها فانتهت بها في حماها
هذه الأخذة التي أحرقت قل ... بي وطاشت قُوايَ تحت قواها
ليت إني أذهبت ألفَ حياةٍ ... وتراءت لي لمحة من خباها
أنا من تيمته غزلان نجدٍ ... وخميلات الرند بين رباها
ليَ نفس لولا التشفي بأروا ... ح صباها ذابَت بحَرّ جواها
أن يك الغور تيَّمـ الغير فالأه ... واء تحدو ظعونها جربياها
لا يواريك ما غزلتِ ولا يُد ... فيءُ في سبرة الشتاء كساها
هــــذه الحلة التي نسج الح ... ق رصيناً الحامَها وسَداها
لم تحك فطرة العقول على من ... والها ليسَ صنعها من قواها
إنها فيضة لدنية سي ... قت لربانيّ وهذا سَناها
وبحور الفيوض من عالمَ الوه ... ب لأهل العرفان لا تتناهى
ما تلقيتَ يا محمد ذي الفي ... ضة إلا وأنت من خلصاها
شمل الكونَ منك مقباس نور ... فأنارت عشيّة كَضُحاها
أرضعتك الآيات ألبان ضرع ... يها فبرهنت هادياً مقتضاها
وأقامتك في مقامات ذي التح ... قيق حتى نزلتَ وادي طُواها
هكذا يا ابن يوسف الحق لا يتر ... ك نفساً أحبها وارتضاها
أو تُجلى لها الحقائق كشفاً ... فتُرى عنه عامضات عَماها
قصرت عنك بالثناء وبالحم ... د لســــانــــي وعزني أملاها
نسبتي للمديح فيك كما بني ... وبين النجوم وسط سماها
قد تبركتُ بالثناء على وجه ... ك أبغي بهِ مع الله جاها
فأجزني بدعوة تجمع الخي ... رات لي في الدنيا وفي عقباها
ظهرت منك في الوجود كراما ... ت رجوتُ الأمداد من جدواها
هل أتى النحلة الأباضية الغراء ... إن أفــــلحــــت بــــدرك مــــناها
إذ أتاح التوفيق والقدر السا ... بق إرغام كل من ناواها
بتمام التفسير طبعاً على هم ... ة أمــــلاكــــها وأسد شراها
فدعتني هواتف الحق للتا ... ريخ والبشر شامل إياها
قـــــلتُ أرخ دوام جَـــــدّ وبـــــشـــــر ... إن هميان الزاد طبعاً تناهى
قيل فامدح زاباً وزد قلت زابٌ ... علم الجهلَ ظلمةً فجلاها
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الألف، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح:
- استرسلت: رسل: الرَّسَل: القَطِيع مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْجَمْعُ أَرْسَال. والرَّسَل: الإِبل، هَكَذَا حَكَاهُ أَبو عُبَيْدٍ مِنْ غَيْرِ أَن يَصِفَهَا بِشَيْءٍ؛ قَالَ الأَعشى: يَسْقِي رِيَاضًا لَهَا قَدْ أَصبحت غَرَضاً، ... زَوْراً … (لسان العرب)
- التسويف: سيف: السَّيْفُ: الَّذِي يُضربُ بِهِ مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ أَسْيَافٌ وسُيُوفٌ وأَسْيُفٌ؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ؛ وأَنشد الأَزهري فِي جَمْعِ أَسْيُفٍ: كأَنهم أَسْيُفٌ بِيضٌ يَمانِيةٌ، ... عَضْبٌ مَضارِبُها باقٍ بِهَا الأُثُ … (لسان العرب)
- الكيد: كيد: كَادَ يَفْعَل كَذَا كَيْداً: قارَب. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يَسْتَعْمِلُوا الِاسْمَ وَالْمَصْدَرَ اللَّذَيْنِ فِي مَوْضِعِهِمَا يَفْعَلُ فِي كَادَ وعَسَى، يَعْنِي أَنهم لَا يَقُولُونَ كادَ فاعِل … (لسان العرب)
- المتاب: تأب: تَيْأَب: اسْمُ موضِعٍ. قَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْداسٍ السُّلَمِي: فإنَّكَ عَمْري، هَلْ أُرِيكَ ظَعائِناً، ... سَلَكْنَ عَلَى ركْنِ الشَطاةِ، فَتَيْأَبَا والتَوْأبانِيَّان: رَأْسا الضَّرْعِ مِنَ النَّاقَةِ. وَقِيلَ: ال … (لسان العرب)
- النف: (نَفَّ) النُّونُ وَالْفَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، هِيَ النَّفْنَفُ: الْهَوَاءُ. وَكُلُّ مَهْوًى بَيْنَ شَيْئَيْنِ نَفْنَفٌ. قَالَ الشَّاعِرُ: تُعَلَّقُ فِي مِثْلِ السَّوَارِي سُيُوفُنَا ... وَمَا بَيْنَهَا وَالْكَعِبُ غَوْ … (مقاييس اللغة)
- الوبيا: قولهم: حَيَّاكَ الله وبَيَّاك. معنى حَيَّاكَ مَلَّكَكَ، وبَيَّاكَ قال الاصمعي: اعتمدك بالتحية. وقال ابن الاعرابي: جاء بك. قال الراجز [[أبو محمد الفقعسى.]] : باتت تبيا حوضها عكوفا * مثل الصفوف لاقت الصفوفا [[بعده: وأنت لا … (الصحاح)
- بحال: حال: أَتى بمُحال. ورجل مِحْوال: كثيرُ مُحال الكلام. وكلام مُسْتَحيل: مُحال. ويقال: أَحَلْت الكلام أُحِيله إِحالة إِذا أَفسدته. وروى ابن شميل عن الخليل بن أَحمد أَنه قال: المُحال الكلام لغير شيء، والمستقيم كلامٌ لشيء، وال … (لسان العرب)
- بعدات: بعد: البُعْدُ: خِلَافُ القُرْب. بَعُد الرَّجُلُ، بِالضَّمِّ، وبَعِد، بِالْكَسْرِ، بُعْداً وبَعَداً، فَهُوَ بِعِيدٌ وبُعادٌ؛ عَنْ سِيبَوَيْهِ، أَي تَبَاعَدَ، وَجَمَعَهُمَا بُعَداءُ، وَافَقَ الَّذِينَ يَقُولُونَ فَعيل الذي … (لسان العرب)