بصائرنا في القضا خامده
الشاعر: ابن عديِّم الرواحي · البحر: المتقارب
هذه القصيدة من شعر ابن عديِّم الرواحي، من العصر الحديث، وتقع في 92 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بصائرنا في القضا خامده ... وكـــــل قـــــضــــيــــتــــه واحــــده
ففيم التصور تحت العمى ... وفيم الدعاوي ولا شاهده
رأيت التقصي بآرائنا ... بحتم القضا فضلة زائده
ولو فــــاز رأي بــــمــــوهوبة ... فــــــأم القــــــضــــــاء له والده
وكل الوجود ببحر الشئون ... حقيقته نقطة راكده
وخبطك بالرأي تحت القضا ... ذهـــــول وعـــــجــــرفــــة بــــادره
وما وهب اللّه من مكنة ... فــــتــــلك مــــحركة جامده
وإن كشف الرأي محجوبة ... فتلك برفق القضا وارده
فــــســــلم إلى اللّه أفــــعــــاله ... لتجري الأمور على القاعده
فما لك حول يرد القضا ... وذائدة العــــجــــز كالقائده
وما لك في الأمر من شركة ... تـــــــــأدب ولا ذرة واحـــــــــده
تلاقي القضاء بغير الرضا ... وأنــــت عــــلى قــــدرة نافده
إذا دبـــــر اللّه أمـــــراً جــــرى ... برغم تدابيرنا الفاسده
أتنهض رأيك ضد القضا ... فأوهن بها نهضة قاعده
وفـــــكـــــرك فــــي قــــدر فــــائت ... وفي مقبل رتبة واحده
وأفكارنا وسياساتنا ... وتدبيرنا شرر خامده
وجــــد النفوس وكل القوى ... إلى نسبة فوقها عائده
وإن كان لا بد من فكرة ... ففي هذه البرهة البائده
وفي النشأتين وعقباهما ... وصـــــــادرة المـــــــوت والوارده
أما ترعوي في مراعي الغرور ... وصائدة المنتهى راصده
تعيش بها بين مفقودة ... وراقبة حتفها فاقده
نــــهــــش غــــل زخرف منقض ... وتعرض عن دارنا الآبده
وتنسى المنايا وقد أنفذت ... مقاتلنا الأسهم الصادره
نروح ونغدو على مأمن ... وآســـــاد آجـــــالنـــــا حـــــارده
ننازع أيامنا صفوها ... وما للصفاء بها واجده
ونأمن فيها هجوم الردى ... وليــــس لهجمته جاحده
وتنعي الجنائز أرواحنا ... ودمعة أعيننا جامده
تثير السوافي علينا الثرى ... وذاك السفا الأعظم الهامده
نوى الأصل والفرع في بطنها ... وقد بقيت نوبة واحده
وهيهات قد بادرت زرعها ... ومدت مناجلها الحاصده
علام التهافت في حائل ... وقد علق القيد بالآبده
سيعلو البلاء إلى الفرقدي ... ن ينتهب الصحبة الخالده
ويصدع في قبة الشمس من ... غـــــوائله صـــــدعــــة صــــاعــــده
وتبلى الجديدين مقدورة ... من الخطب بارقة راعده
ويدهى الوديع بنعمائه ... زوال معيشته الراعده
كــــأن الردى حاسد للمعا ... ش وحتى على شظف الهابده
إلى أين يسمو علو البنا ... وقرح المعول بالقاعده
ترفق بطينة هذا البنا ... فهاتيك أجسامنا الهامده
نشاهد تفتيت أجسامنا ... وليــــس لأرواحــــنــــا شاهده
ولكنها حبست في العمى ... وســــوف تــــعــــود لها عائده
متى ينزع الموت عن فتكه ... فتبقى لمولودها الوالده
يحز الحياة شباً قارظ ... ولم تنتبه هذه الراقده
وإن حــــيــــاة إلى منتهى ... خيال يحول بلا فائده
حظيرة مفتقد ما بها ... هناء سوى صرخة الفاقده
وتفتأ تعقد آمالنا ... وينجل ما تعقد العاقده
يصال على صيحة المعتدي ... فتنشب بين اللها الزارده
يــــلم الســــوابــــغ ســــرادهــــا ... فتفرجها الطعنة السارده
ويفري المدجج حد الردى ... فما تدفع الشكة الهامده
وما يحفز الدهر إلا البلا ... وإن أســــجحت يده الآبده
ممض فما تنقضي ليلة ... ولم تكن الليلة العامده
لياليه كالسفن ميادة ... بـــــبـــــلواه غــــامــــدة آمــــده
دهت ذات روقين من خطبة ... بــــموئد مقصدة قاصده
فــــكــــرت ولا رأي فــــي ردهــــا ... ولا فاتها مهرب الشارده
أتــــت لا يــــؤبسها قارص ... ولا تنقي الأبرج المارده
تؤز الصياخيد أهوالها ... فما بال أكبادنا الكابده
فما استنزفت من دماء القلو ... ب كما استنزفت من أسى الواجده
ولا امترست لسماء العلو ... م حتى تكدكت الماهده
لها أجهشت بالبكاء السما ... تناوح أجفاننا الساهده
رزيئة دهر فجعنا بها ... لأفظع مفجعة حاشده
نحت مستقر الندى والهدى ... فــــدكتهما دكة واحده
فهل صادف الدهر ثاراً بها ... وداوى بــــهــــا عــــلة عامده
تحزمت المجد في غارة ... شناخيب رضوى بها مائده
أغارت شعوب على خيرنا ... وكانت لميقاتها راصده
رزئنا المرزء طود العلا ... أبــــا صــــالح عيلم الوارده
رزئناه غيثاً يعم الملا ... وقد أعدمت غيثها الرائده
تخطف أحمد ريب الردى ... فيا حرب الحمد والحامده
حمدنا الزمان به برهة ... فصالت عليها يد صائده
فما أسوأ العيش من بعده ... وما أصغر النوب الوافده
فيا لحياة قضت نحبها ... وكل حياة أمريء نافده
حياة القلوب بتلك الحيا ... ة واصلاح أنفسنا الفاسده
بضن بها الكون في حجره ... فــــصــــارت إلى جــــدث خامده
ويوم الضنين كيوم المه ... ين وفي المنتهى تقف القاصده
وما بيد أحمد بيد امريء ... ولكــــن نــــفوس الورى بائده
لقد كان يرجح ميزانه ... وذات الكــــمال به شاهده
يــــجــــلي بابلج ذي فرجة ... من العلم مشكلة عانده
شــــــــــداد العــــــــــوارض آراؤه ... إذا اعتزمت خطة ناهده
فيا للمعارف حسن العزا ... لقد أصبحت سوقها راكده
لقد كان نير أفلاكها ... فــــخــــر إلى حــــفــــرة رامــــده
فواحربا لصروف القضا ... لقد طعنت طعنة عامده
وما من صروف القضا وائل ... وما لصروف القضا كارده
ولا بد من نهش صل الردى ... ومــــا للرقى عنده فائده
وكــــيف نضن بأرواحنا ... وتلك غنيمته البارده
فيا لهف نفسي على أحمد ... إذا نفعت لهفة الفاقدة
ســــلوت الســــلو ورشد الأسى ... وأحمد أنفاسه خامدة
لد زهدت نفسه في الوجو ... د فهل للحياة معاً زاهدة
تعبد حتى أتاه اليق ... ين فذابت له الأنفس العابده
تحالفت الأرض في عمره ... وآرابــــه الزهــــر الســــاجــــده
فــــليــــت حــــليــــفــــة آرابــــه ... وقته بلى التربة الرامده
لقد دهش الكون لما ثوى ... فما وجدت رشدها الراشده
وزلزت الأرض زلزالهــــــــــــــــــا ... وضاقت بأجزائها هامده
وما ضاقت الأرض من رزئه ... كما ضاقت المنن الخالده
طوى العالمين إلى ذاته ... بطارفة المجد والتالده
البحر والقافية
القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.
تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، مفردات الراغب، لسان العرب:
- التصور: (صَوَرَ) الصَّادُ وَالْوَاوُ وَالرَّاءُ كَلِمَاتٌ كَثِيرَةٌ مُتَبَايِنَةُ الْأُصُولِ. وَلَيْسَ هَذَا الْبَابُ بِبَابِ قِيَاسٍ وَلَا اشْتِقَاقٍ. وَقَدْ مَضَى فِيمَا كَتَبْنَاهُ مِثْلُهُ. وَمِمَّا يَنْقَاسُ مِنْهُ قَوْلُهُ … (مقاييس اللغة)
- التقصي: القَصَى: البعد، والْقَصِيُّ: البعيد. يقال: قَصَوْتُ عنه، وأَقْصَيْتُ: أبعدت، والمكان الأَقْصَى، والناحية الْقَصْوَى، ومنه قوله: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القصص : 20] ، وقوله: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ ال … (مفردات الراغب)
- الدعاوي: (دَعَوَ) الدَّالُ وَالْعَيْنُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنْ تُمِيلَ الشَّيْءَ إِلَيْكَ بِصَوْتٍ وَكَلَامٍ يَكُونُ مِنْكَ. تَقُولُ: دَعَوْتُ أَدْعُو دُعَاءً. وَالدَّعْوَةُ إِلَى الطَّعَامِ بِالْفَتْ … (مقاييس اللغة)
- الشئون: (شَيَنَ) : الشِّينُ وَالْيَاءُ وَالنُّونُ كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ الزِّينَةِ. يُقَالُ شَانَهُ خِلَافُ زَانَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (مقاييس اللغة)
- بادره: أدر: الأُدْرَةُ، بِالضَّمِّ: نفخةٌ فِي الخُصْيةِ؛ يُقَالُ: رَجُلٌ آدَرُ بَيِّنُ الأَدَرِ. غيرُه: الأَدَرُ والمأْدُورُ الَّذِي يَنْفَتِقُ صِفاقُهُ فيَقعُ قُصْبُه وَلَا يَنْفَتِقُ إِلَّا مِنْ جَانِبِهِ الأَيسرِ، وَقِيلَ: ه … (لسان العرب)
- ببحر: بحر: البَحْرُ: الماءُ الكثيرُ، مِلْحاً كَانَ أَو عَذْباً، وَهُوَ خِلَافُ البَرِّ، سُمِّيَ بذلك لعُمقِهِ واتساعه، قد غَلَبَ عَلَى المِلْح حَتَّى قَلّ فِي العَذْبِ، وَجَمْعُهُ أَبْحُرٌ وبُحُورٌ وبِحارٌ. وماءٌ بَحْرٌ: مِلْح … (لسان العرب)
- بحتم: حتم: الحَتْمُ: الْقَضَاءُ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الحَتْمُ إِيجاب القَضاء. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا؛ وَجَمْعُهُ حُتُومٌ؛ قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبي الصَّلْتِ: حَنَانَيْ رَبِّنا، وَل … (لسان العرب)
- برفق: رفق: الرِّفْق: ضِدُّ العنْف. رَفَق بالأَمر وَلَهُ وَعَلَيْهِ يَرْفُق رِفْقاً ورَفُقَ يَرْفُقُ ورَفِقَ: لطَفَ. ورفَقَ بِالرَّجُلِ وأَرْفَقه بِمَعْنًى. وَكَذَلِكَ تَرفَّق بِهِ. وَيُقَالُ: أَرْفقْته أَي نَفَعْته، وأَوْلاه ر … (لسان العرب)