هــو اللّه فــاعــرفــه ودع فـيـه مـن ومـا

الشاعر: ابن عديِّم الرواحي · البحر: الطويل

هذه القصيدة من شعر ابن عديِّم الرواحي، من العصر الحديث، وتقع في 217 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الميم.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

هــو اللّه فــاعــرفــه ودع فـيـه مـن ومـا — دعـــاك ولم يـــتــرك طــريــقــك مــظــلمــا

عــن الحــق نـحـو الخـلق يـدفـعـك العـمـى — تـــقـــدم إلى بـــاب الكـــريــم مــقــدمــاً

له مــنــك نــفــســاً قــبــل أن تــتــقـدمـا — تــجــنــب قــيــود الحــظ فــالحـظ مـرتـهـن

وارهــق جــنــود النـفـس حـربـاً ولا تـهـن — وفــي ظــلمــات الطـبـع بـالحـق فـاسـتـبـن

وعــرج عــلى بــاب العــليــم فــســله مــن — مــواهــب نــور العــلم بــحــراً قــليـذمـا

أتـرضـى مـقـام الجـهـل تـخـبـط فـي السرى — بـــطـــامـــســـة أعـــلامـــهــا مــتــحــيــرا

تــطــلع لنــور العــلم واطــلب مــشــمــرا — فـمـن لم يـكـن بـالعـلم في الناس مبصرا

فــلا عــاش إلا فــي الضــلالة والعــمــى — ذوو العـــلم بـــيــن العــالمــيــن أعــزة

عــــلى درجــــات المــــصـــطـــفـــيـــن أدلة — وفــــي مــــلكـــوت اللّه للقـــوم شـــهـــرة

ومـــن لا له مـــن عــزة العــلم نــســبــة — فــــليـــس له إلا إلى الذلة انـــتـــمـــا

تــــــرق بـــــه فـــــالعـــــلم عـــــز وذروة — وحــــبــــل مـــتـــيـــن للتـــقـــاة وعـــروة

ووفــر الغــنــى فـي الجـهـل عـدم وشـقـوة — ومـــن لا له مـــن ثـــروة العـــلم ثــروة

فــمــن ثــروة الداريـن قـد صـار مـعـدمـا — قـــضـــى اللّه أن العــلم نــور وحــكــمــة

كـــمـــا أن أصــل الجــهــل شــؤم وظــلمــة — وإن رجــــال العــــلم للنـــاس عـــصـــمـــة

نــعــم عــلمـاء الديـن فـي الأرض نـعـمـة — عــلى الثــقــليــن عــمــت الكــل مـنـهـمـا

بـــه أصـــفــيــاء اللّه هــامــوا بــحــبــه — بـــه أدركـــوا حــســب الحــظــوظ لقــربــه

وهــم أوصــلوا الســلاك أســرار غــيــبــه — بـــهـــم شـــرف الداريـــن تــم فــهــم بــه

مـــلائكـــة بـــاهـــت مـــلائكـــة الســمــا — مــــلائكــــة ألبـــابـــهـــم وســـنـــاؤهـــم

أقـــامـــهـــم هـــذا المــقــام صــفــاؤهــم — عـــلى المـــلأ العـــلى يـــحـــق ولاؤهـــم

ألم تـــر فـــي القـــرآن أنْ أوليـــاؤهــم — مـــلائكـــة الرحـــمـــن فـــاللّه أعـــلمــا

لقــد نــطــق الوحــي العــزيــز بـنـبـلهـم — ولا حــبــل للمــســتــمــســكـيـن كـحـبـلهـم

بـــقـــولهـــم نـــور الهــدى وبــفــعــلهــم — أقــرت جــمــيــع الكــائنــات بــفــضــلهــم

عـليـهـا فـحـوت البـحـر فـي البحر هينما — إلى ربــهــا اســتــغــفــارهــا وخـشـوعـهـا

لهـــم إذ هـــم أمــطــارهــا وربــيــعــهــا — وخــالقــهــا فــي المــهـتـديـن سـمـيـعـهـا

ولم لا ولولاهــم تــلاشــت جــمــيــعــهــا — ولم يـبـق مـنـهـا فـي الوجـود لهـا سـمـا

مــصــابــيــح أرض اللّه مــهــبــط فــيــضــه — هــــداة لمــــســــنــــون الاله وفــــرضــــه

هــم شــفــعــاء العــبــد فــي يــوم عـرضـه — هــــم خــــلفـــاء اللّه فـــي أهـــل أرضـــه

بـــهـــديــهــم أمــت البــســيــطــة قــومــا — لأمــــرهــــم كــــل الكــــوائن أذعــــنــــت

لســلطــانــهــم بــالعــلم بــاللّه ســلمــت — لعــــزهــــم ذلت بــــنــــورهــــم اهـــتـــدت

لحــكــمــهــم الدنــيــا تــديـن وقـد عـنـت — ســلاطــيــن أهــل الأرض أعــظــم أعــظـمـا

عــلى الأرض والألبـاب فـي عـالم القـدس — يــرون بــنــور اللّه مــا غــاب كــالقـبـس

لأفـهـامـهـم كـالانـجـم الزهـر ما التبس — وآراؤهـــم تـــقـــضـــى بــهــن مــلائك الس

مــــوات فــــيـــمـــا قـــد أحـــل وحـــرمـــا — تــجــلت لهــم كــالشــمــس خــلف حـجـابـهـا

فــجــاؤا بــهــا بــراقــة فــي صــوابــهــا — حــقــائق شــرع فــي غــواشــي غــيــابــهــا

ولو لم يــكــن نــص الكــتــاب أتــى بـهـا — صــريــحـاً ولا الهـادي بـهـا قـد تـكـلمـا

هــدوا إذ هــم نــور إلى اللّه واهـتـدوا — إذ اتــزروا بــالعــلم بــاللّه وارتــدوا

حــداهــم مــن العــرفــان ذوق بــه حــدوا — غــدوا قـدوة الأمـلاك لمـا هـم اقـتـدوا

بــــمــــا لهــــم رب المــــلائك الهـــمـــا — ســمــا بــهــم العــرفـان أعـلى المـراتـب

ونــالوا مــقــامــاً فـيـه فـتـح المـواهـب — وفـــهـــم خــطــاب الحــق مــن كــل جــانــب

وذلك مــــن أدنــــى رفــــيـــع مـــنـــاقـــب — لهــم لم يــعــدوهــا فــخــاراً ومــكــرمــا

تــجــلى لهــم بــاســم المــبــيــن بــمـنـه — فــفــازوا بـظـهـر الوحـي كـشـفـا وبـطـنـه

وحــازوا بــفــتــح اللّه مــكــنـون ضـمـنـه — فـمـا اسـتـحـسـنـوا فـاللّه يـقـضـى بـحسنه

ومــا اسـتـقـبـحـوا إلا قـبـيـحـاً مـذمـمـا — لهـــم مـــن مــقــام الاجــتــبــاء عــليــه

ومــــن قــــدم الصــــدق الزكــــي رضـــيـــه — ومـــن مـــورد الاحــســان مــا طــاب ريــه

وربــــــك مـــــن والوه فـــــهـــــو وليـــــه — ومـــن خـــاصـــمـــوه كـــان للّه أخـــصــمــا

مـــلوك عـــلى مـــن يـــمــلك الأرض حــوله — لدى طــــولهـــم أدنـــى مـــن الذر طـــوله

فـــقـــيـــر عـــديـــم مـــن تــولاه جــهــله — هــم أغــنــيــاء العــصــر والعــصـر أهـله

قــد افــتــقــروا والمــال بـيـنـهـم نـمـا — ومــا لكــنــوز التــبــر شــأن لمــن فـهـم

إذا وزنــت فــي جــانــب العــلم والحـكـم — كـــنـــوز رجـــال اللّه أبـــقــى ووفــرهــم

يـــروم كـــنـــوز الأرض غـــيـــرهـــم وهــم — أصــابــوا كـنـوز العـرش وفـرا ومـغـنـمـا

رقـوا بـكـمـالات الهـدى مـنـتـهـى العـلى — وأنـــزلهـــم مــن قــربــه الحــق مــنــزلاً

وأوردهـــم مـــن مـــورد الود مـــنـــهـــلا — وهــم فـي الثـرى قـامـوا وأرواحـهـم إلى

ســمــا العـرش والكـرسـي أدونـهـمـا سـمـا — تـــولاهـــم قـــهـــر الشـــهـــود بـــحـــوله

وأفـــنـــاهـــم عـــن كـــل شـــيــء بــوصــله — فــغــابــوا عــن الأكــوان فـي غـيـب ظـله

ومــا قــنــعــوا بــالعــرش والفــرش كــله — فــجــازوا إلى أعــلى مــقــام وأعــظــمــا

رمــى بــهــم المـحـبـوب فـي المـحـورمـيـة — فــمــا أبــصــروا مــقـدار ذا الكـون ذرة

ولا وقـــفـــوا عـــنـــد الحــوادث لمــحــة — ولو وقــفــوا بــالعــرش والفــرش لحــظــة

لعــدوه تــقــصــيــراً وجــرمــاً ومــأثــمــا — إلى الحـــق اخـــلاصــاً وأخــذا بــحــبــله

قــد انــصــرفــوا عــن فــصــل كـون ووصـله — مـــقـــاصـــدهـــم مــقــصــورة تــحــت حــوله

تــــقـــدم فـــي ذاك الخـــليـــل بـــقـــوله — لجــبــريــل دعــنــي مــنــك اللّه مــسـلمـا

نــــفـــوســـهـــم فـــي اللّه للّه جـــاهـــدت — فــلم يــنـثـنـوا عـن وجـهـه كـيـف كـابـدت

عـــلى نـــقـــطـــة الاخــلاص للّه عــاهــدت — لمــلة إبــراهـيـم شـادوا فـشـاهـدوا الت

لفــــت للشــــرك الخــــفــــي مـــتـــمـــمـــا — تــــولاهـــم القـــيـــوم فـــي أي وجـــهـــة

وزكــــاهــــم بــــالمــــد والتـــبـــعـــيـــة — ولفــــاهـــم التـــوحـــيـــد فـــي كـــل ذرة

فــقــامــوا بــتــجــريــد ودامــوا بـوحـدة — عــن الانــس روم الأنـس فـيـهـا تـنـعـمـا

مــحــبــون لاقــى الكـل فـي الحـب حـيـنـه — نـــفـــوســـهـــم ذابــت بــه واصــطــليــنــه

فـلم يـبـق مـنـهـا الحـب بـل صـرن عـيـنـه — بـــخـــلوة لي عـــبـــد وســـتـــري بــيــنــه

وبــيــنــي عــن الأمــلاك والرسـل كـتـمـا — وأورثـــــهـــــم للحـــــب ارث النـــــبــــوة

فــكــانــوا دعــاة اللّه فــي خــيـر دعـوة — تــــرقــــوا بـــفـــيـــض اللّه ارفـــع ذروة

ومـــا بـــلغـــوا ذاك المـــقـــام بـــقــوة — ولكــن بـنـور العـلم قـد بـلغـوا الحـمـى

حــبــاهــم بــمـنـهـاج السـلوك اسـتـطـاعـة — فــلم يــتــركــوا فــيـه الحـقـوق مـضـاعـة

ونـــالوا أمـــام اللّه مـــنـــه شــفــاعــة — عـــشـــيـــة أعـــطـــوه عـــهــوداً مــطــاعــة

عــلى طــاعــة مــنــهــم غــداة تــحــكــمــا — قــد اتــخــذوا العــرفــان بــاللّه جــنــة

تــــاروا إليــــه مـــطـــلقـــيـــن أعـــنـــة — ومــذ أدركــوا مــنــه المــقــامــات مـنـة

وقـــد بـــايــعــوه أنــفــســاً مــطــمــئنــة — بــبــيــعــتــه والعـقـد بـالعـهـد أحـكـمـا

هـداهـم سـنـا العـرفـان والليـل قـد سجى — فــمــا جـهـلوا وهـو الدليـل المـنـاهـجـا

بــه عــرجــوا مــســتــبـصـريـن المـعـارجـا — فــجــذبــهــم فــي الســيـر للخـيـر والجـا

بــهــم أخــطــر الأهــوال حــيــن تـقـحـمـا — فــــنــــزهــــهــــم عــــن قـــيـــد أي ادارة

وأفــرغ مــجــهــوداتــهــم فــي العــبــادة — ومـــيـــزهــم عــن غــيــرهــم بــالســيــادة

فــــأبــــعــــدهـــم عـــن كـــل ألف وعـــادة — وعــــودهـــم شـــرب الشـــدائد عـــلقـــمـــا

فــجــدوا وشــدوا وانــتـووا شـقـة النـوى — وخـيـر لهـم فـي الجـهـد والعـري والطـوى

وفـي النـوح والتـذكـار والكـرب والجـوى — فـمـن بـعـد عـادى النـوم والشبع والروى

غـدوا حـلف الف السـهـد والجـوع والظـما — جــروا فــي مــيــاديــن الشــهـود تـقـدمـا

وصــدق الرجــا والخــوف فــيـهـم تـحـكـمـا — فــلم يــبــق كــون مــنــهــم مــا تــهـدمـا

فــنــدمــانــهــم عــاد البــكــاء تــنـدمـا — وأزمــانــهــم بــالنـوح قـد عـدن مـأتـمـا

فــســاروا عــلى تــغــريــد حــاد مــزعــزع — بـــــشـــــوق مـــــلح والتـــــيــــاع مــــروع

وغـابـوا عـن الأكـوان فـي مـنـتـهـى مـعي — وأوردهـــــم بـــــالحـــــزن لجـــــة أدمــــع

وأورى بـــهـــم للخـــوف نـــار جــهــنــمــا — تـــبـــدت لهـــم أكـــوانـــهـــم فــتــبــددت

نــفــوســهـم فـي السـحـق والمـحـق انـفـذت — إذا فــارقــت غــوراً مــن الدمــع انـجـدت

شــــدائد عـــودهـــا فـــوائد فـــاغـــتـــدت — عـــوائد أعـــيـــاد الســـرور تـــنـــعــمــا

مــصــائب عــامــوا فــي بــحــور صـعـابـهـا — وقــــروا عــــلى آســــادهــــا وذئابـــهـــا

وطــاب لديــهــم حــســو كــاســات صــابـهـا — ولو جــانــبــوهــا روم غــيــر جــنــابـهـا

لعـدوا بـحـكـم العـدل ذا العـدل مـأثـما — وتــلك بــفــضــل العــلم أهــنـى المـوارد

وأكـــرم مـــوهـــوب وأســـنــى المــشــاهــد — أتــعــلم مــثــل العــلم مــجــداً لمــاجــد

هـــــم صـــــدقــــوه وهــــو أصــــدق واعــــد — وأوفــى فــي ذمــام حــبــله ليـس أفـصـمـا

بـــه قـــطــعــوا أصــل العــلائق والهــوى — بــه أخــلصــوا فــي طـاعـة الحـق لا سـوى

بــه روض هــذا الكــون فــي عـيـنـهـم ذوى — بــه نــهــجــوا فــي كــل مــنـطـمـس الصـوى

فــكــان لم فــي كــل بــهــمــاء مــعــلمــا — تــــبــــيــــن لهـــم أســـراره كـــل كـــائن

ويـــخـــلصـــهـــم للحـــق مـــن كـــل شـــائن — فــطــوبــى لهـم يـجـري بـهـم فـي المـآمـن

ويــمــلى لهـم فـي السـيـر عـن كـل مـامـن — وجــــال إلى أســــوى طـــريـــق وأقـــومـــا

مـــقـــامــات أهــل اللّه مــنــه مــصــابــح — وكــــل مــــقــــام حــــله القــــوم رابــــح

وكـــل مـــقـــام العـــارفـــيـــن مـــذابـــح — وقــــاســــمـــهـــم بـــاللّه أنـــى نـــاصـــح

فــأنــهــى إلى أبــهــى مــقــام وأكــرمــا — لقــد قــام عــلم القــوم للحــق مــعـلمـا

وجــلى لهــم بــالكــشــف ســراً مــخــتــمــا — وفـــتـــح أقـــفـــالاً وأطـــلع أنـــجـــمـــا

وحـــل لهـــم رمـــزاً وكـــنــزاً مــكــتــمــا — مــن الســر قـد كـان الرحـيـق المـخـتـمـا

بــه ســلكــوا فــي حــبــه مــســلكــا جـهـل — وكـــلهـــم بـــيـــن المــشــاهــد قــد ذهــل

وكـــلهـــم مـــن مـــورد الحــب مــنــتــهــل — وقـــال لهـــم هـــذا المـــقــام وهــذا ال

خــيــام وذا بــاب المــليــك وذا الحـمـى — هــنــا مــوقــفــي وهــو المـقـام المـحـدد

فــغــنــوا عــلى هــذا المــقــام وغــردوا — ومـــا بـــعـــد هـــذا للمـــدارك مـــشــهــد

فـــمـــالي فـــيـــمــا بــعــد ذلك مــصــعــد — ولا مــــوعــــد مـــن بـــعـــد ذلك الزمـــا

هــنــالك فــهــم العــقــل والدرك مـنـدرس — هـنـاك لسـان العـلم فـي الشـأن قـد خـرس

هــنــالك حــد الســيـر مـن يـعـده افـتـرس — هـنـالك قـد تـطـوى الصـحـاف وتـنـشـر الس

جـــاف فـــلا يــطــوى بــحــدك فــافــهــمــا — فـــمـــا بـــعـــد هـــذا للمـــدراك غــايــة

فــنــقــطــة هــذا الحــد فــيــهـا نـهـايـة — ولا بــــاب إلا أن تــــكــــون رعــــايــــة

ولا تـــفـــتـــح الأبـــواب إلا عــنــايــة — لمـــن شـــاءه ذاك المـــليـــك تـــكـــرمــا

تــجــرد مــن الدعــوى فــقـد كـمـل السـرى — وراءك لا تــــقـــدم فـــحـــظـــك مـــدبـــرا

فــــلســــت بــــلاق فــــوق ذلك مــــصــــدرا — فـــســـلم إليـــه الأمـــر واطــرق المــرا

ولا تــك فــي شــيــء مــن الأمـر مـبـرمـا — وقـــف وقـــفـــة المـــنــدك مــالك حــيــلة

فـــحـــالك فـــي هـــذا المــقــام جــليــلة — ونــــفـــســـك فـــي عـــز الجـــلال وذيـــلة

وقـــل بـــلســـان الحـــال مــالي وســيــلة — ولا حـــيـــلة والهــج بــقــولك مــا ومــا

وعــرج عــلى التــقــديــس تــســتــخــلصـنـه — ونـــفـــســـك نـــســـك لازم فـــاذبـــحـــنــه

وشـــأنـــك إن أخـــلصـــت لا تـــحـــقــرنــه — فـــإن تـــك لا شـــيـــئاً هـــنـــاك فــإنــه

رنــــاك لمـــا أدنـــاك إذ لك قـــد رمـــى — أرادك حـــتـــى قـــمـــت فـــيـــه مــجــالداً

يــمــيــتــك مــشــهــوداً ويـحـيـيـك شـاهـداً — وإن ســـاعـــة أحـــيـــاك أبــقــاك بــائداً

وإن ســـاعـــة أفـــنـــاك أبــقــاك خــالداً — بـــوصـــف له بـــاق صـــفـــاتـــك أعـــدمـــا

تــفــرد ولا تــســتــثــن فــي ســبــحــاتــه — ووحـــد صـــفـــات الحـــق تــوحــيــد ذاتــه

وســافــر بــعــيــن الحــق فــي حــضــراتــه — فـــإن هـــو جــلى فــيــك بــعــض صــفــاتــه

فــمــا كــنــت أنــت الآن أنـت المـقـدمـا — تــفــاوت حــســب الفــيــض ذوق مــلوكــهــا

فــهــم بــيــن مـشـريـهـا وبـيـن ضـريـكـهـا — مــراتــبــهــم شــتــى بــمــرقــى سـمـوكـهـا

وفـــيـــهــا مــقــامــات لأهــل ســلوكــهــا — شــمــوســاً وأقــمــاراً تــنــيــر وأنــجـمـا

تـــفـــاوت أذواق المـــحـــبـــيـــن رغــبــة — مــراتــبــهــم حــســب المــقــامــات رفـعـة

هـــيـــامــى إلى إنــا فــتــحــنــا مــلظــة — فــمــن ذاق مــنــهــا نــغــبـة مـات رغـبـة

ومــن لم يــذقــهـا مـات بـالغـم مـسـقـمـا — ومـا فـاض حـسـب الفـتـح مـن شـبـه وحـيها

وعـــيـــنـــه ســـر الحـــكـــيــم بــطــيــهــا — بــاثــبـاتـهـا مـا أثـبـتـت أو بـنـفـيـهـا

مــعــالم تــســتــهــدى الحــلوم بـهـديـهـا — العــلوم بــهــا كـان العـليـم المـعـلمـا

أقــام لهــم فــيــهــا حــظــوظــاً مــقـامـة — وأنـــزلهـــم حـــســـب الحــظــوظ مــقــامــة

وقـــلدهـــم فـــي العـــالمـــيـــن امــامــة — فــــعـــرفـــهـــم ايـــاه مـــنـــه كـــرامـــة

وأشـــهـــدهـــم ايـــاه مـــنـــه تـــكـــرمــا — تـــولاهـــم بـــاســـم البـــديـــع تــنــزلا

وفـــي حـــضــرة الفــتــاح للقــوم انــزلا — ونـــورهـــم نـــور الســـمـــوات وانـــجــلى

وخـــلقـــهــم بــاســم العــليــم تــفــضــلا — وكــان لهــم بــاســم المــبــيــن مــسـومـا

فــــجـــردهـــم عـــنـــهـــم لخـــالص حـــبـــه — فـــمـــا هـــمـــهـــم إلا وســـائل قـــربـــه

عــروجــاً بــه عــنــهــم إليــه بــغــيــبــه — وكـــان لهـــم عـــنـــه فــكــانــوا له بــه

وقــام بــهــم عــنــهــم إليــهــم مــكـلمـا — تـــحـــكـــم فـــيـــهـــم حـــبـــه وتــصــرفــا

وأوقــفـهـم فـي القـبـض والبـسـط مـوقـفـا — وأرســل فــي أســرارهــا نــفــحــة الصـفـا

فـــمـــذ عــرفــوه لم يــرومــوا تــعــرفــا — إلى غـــيـــره والغـــيـــر ثـــم تـــعــدمــا

تـشـعـشـع فـيـهـم صـبـحـه فـانـجـلى المـسا — فــهــم فـي ضـيـاء مـنـه والليـل عـسـعـسـا

بــأيــة طــور صــبــحــهــم قــد تــنــفــســا — وليـــس لهـــم جــهــل هــنــاك ومــا عــســى

لهــم أن يــروا مــن بــعــد ذلك مـبـهـمـا — تــعــهــدهــم إذ زايـلوا الخـلق بـالمـدد

فـهـم فـي بـسـاط الأنـس بـالواحـد الأحد — وكـــل بـــفـــتـــح اللّه فــاز بــمــا وجــد

ومــا عــلمــوا شــيــئاً بــعــلمــهــم وقــد — أحــاطــوا يــعــلم الكــل واللّه أعــلمــا

فــصــارت شــهــادات لديــهــم غــيــوبــهــم — قــد امــتــلأت بــالكـشـف مـنـه جـيـوبـهـم

هـم العـالم الأعـلى احـتـوتـه جـنـوبـهـم — هــم لوحــه المــحــفــوظ كــانـت قـلوبـهـم

بـــهـــم قـــلم الأنـــوار للســـر رقـــمــا — لهـــم درجـــات مـــن لديـــه تـــحـــقـــقـــت

عــليــهــم بـهـا شـمـس الحـقـيـقـة أشـرقـت — والطــــاف وهـــب مـــن لدنـــه تـــدفـــقـــت

مــواهــب قــد دقــت عــن الفـهـم وارتـقـت — عــن الوهــم رقــت عــن نــســيــم تـنـسـمـا

حــوى نــســخــة الامـكـان ادراك فـهـمـهـم — فــلا كــنــه إلا تــحــت حــيــطـة عـقـلهـم

لهــم حــضــرة القــيــوم تــمــلى لســرهــم — بــهــا انـطـوت الأكـوان فـي طـي عـلمـهـم

مــن العــرش والكــرســي والأرض والسـمـا — فما السر والاعلان ما الجهر ما الخفا

وحــســبــهــم نــور المــبــيــن مــكــشــفــا — هــداهــم وصــفــاهــم وجــلى الكــشــائفــا

فــكــانــت جــمــيــع الكـائنـات مـصـاحـفـا — لهــم تــهــب الســر المــصــون المـكـتـمـا

بــــدائع فــــيـــض أبـــدعـــت بـــعـــجـــائب — يـــنـــوعـــهـــا فـــتـــاح بــاب المــواهــب

تــبــاديــهــم بــالفــتــح مــن كــل جـانـب — لطــــائف لم تــــودع صــــحــــائف كـــاتـــب

تــطــالعــهــا الافــهــام واللّه الهــمــا — أريـدوا لهـا فـاسـتـنـسـخـوها على النهى

لقـــد فـــكــكــوا والحــمــد للّه رمــزهــا — وكــم أدركــوا بــالعــقــل أمـراً مـنـزهـا

عــن النــقــل فــي الألواح لن يـتـرسـمـا — لقــد كــان تــحـت الخـتـم مـن قـبـل فـضـه

فــصــار ظــهــور البــرق فــي وشــك ومـضـه — ومــا انــفــســح المــخـتـوم إلا بـفـيـضـه

يــضــيــق فـضـا الأكـوان عـن شـرح بـعـضـه — وكـــل لســـان كـــل بـــل ظـــل مـــفــحــمــا

عـــلوم تـــجـــلى مـــن لدنـــا ظـــهــورهــا — ولم يـــتـــعــلق بــاكــتــســاب ســفــورهــا

تـــجـــلت بـــأســـرار الرجـــال بـــدورهــا — بــــه صــــحـــف الأرواح أشـــرق نـــورهـــا

وصـــيـــن عـــن الألواح إذ كـــن أظــلمــا — تــجــرد لهــا إن كـنـت فـي القـرب تـرغـب

ولا تـــغـــلون فــالشــأن مــن ذاك أقــرب — فــلســت بــقــرع البــاب بــالصـدق تـحـجـب

لذلك فــــاطــــلب أن يـــكـــن لك مـــطـــلب — تـــرى كـــل مــطــلوب ســوى ذاك مــغــرمــا

خــذ الحــزم واجـعـله إلى الحـق مـقـصـدا — واخــلص مــتــيــن العــزم صــدقــاً مـجـردا

ومـــن قـــصـــد الحـــق اســتــقــام وســددا — فــفــي قــصــده قــصـد السـبـيـل ومـن عـدا

ســبـيـل الهـدى نـحـو الردى قـد تـيـمـمـا — مـــلابـــســـة الاغـــيــار عــيــن اضــاعــة

وقـــصـــد عـــلى حـــرف نـــقـــيــض لطــاعــة — فــاخــلص تــرى الاخــلاص أزكــى بــضـاعـة

فــكــن واقــفــاً بــالبــاب فـي كـل سـاعـة — تــــرى الذل فــــيــــه عـــزة وتـــكـــرمـــا

أتـــعـــلم أن الأمــر ليــس كــمــا هــنــا — فــدع دعــوة الشــيـطـان والنـفـس أوهـنـا

وخــل حــظــوظ النــفـس يـسـحـقـهـا الفـنـا — وجــانــب ريــاش الجــاه والعــز والغـنـى

وكــن بــاضــطــرار وافــتــقــار مــؤمــمــا — وإن شـــئت قـــرب اللّه فــالعــلم قــربــة

وإن شـــئت جـــاهــاً فــهــو جــاه ورفــعــة — وإن شــــئت وفــــراً فــــهـــو وفـــر ودولة

وإن شـــئت عـــز العـــلم فـــالعــلم عــزة — لبـــــاس لبـــــوس الذل للّه مــــســــلمــــا

طــريــقــان فـاخـتـر مـا تـرى لك أحـسـنـا — إذا كـنـت تـبـغـي الحـق فـاهـجـر له أنـا

فـــان أنـــا حـــظ عـــواقـــبـــه العـــنـــا — وإن كـنـت تـبـغي العز والجاه في الدنا

فــدع عـنـك داعـي العـلم وارحـل مـسـلمـا — وعــش لحــظــوظ النــفــس نـدبـا مـكـافـحـا

وعــن كــل مــرغــوب ســوى الحــق جــامـحـا — إليـــه انـــطــرح للكــائنــات مــبــارحــا

ودع عــنــك أدنــاس المــطــامــع طــامـحـا — لمــولاك فــيــه طــائعــاً جــل مــنــعــمــا

تــوجــه إليــه واجــعــل الفــقــر ديـدنـا — يــعــدك بــالفــقــر الحــقــيـقـي مـحـسـنـا

فــخــذ بــطــريـق الفـقـر بـالحـق مـوقـنـا — فـفـيـه الغـنـى والفـقـر إذ رؤيـة الغنى

هـنـاك الغـنـى بـل مـنـهـما اقصده معدما — تـــعـــن ولا تـــســـتــبــق للنــفــس عــادة

أتـــلقـــى إذا لم تــشــق فــيــه ســعــادة — أذبــهــا واصــبــرهــا وســقــهــا مــقــادة

فـــلا راحـــة تـــرجـــى لمـــن رام راحـــة — ومــهــمــا بــذلت الروح صـادفـت مـغـنـمـا

تـــلفـــت لهــا مــن حــيــث ولت وأقــبــلت — فـــإن لهـــا كـــيـــداً وإن هـــي أجـــمــلت

عــليــك بــهــا انــحــرهـا وإن هـي ولولت — فــفــي بــذلهــا صــون لهــا إن تــقــبــلت

وإلا فـــقـــد ســيــقــت إلى ذلك الحــمــى — فــإن هــي عــمــا يــوجــب البـعـد أعـرضـت

وســــلمــــت الأطــــوار فـــيـــه وفـــوضـــت — وشـــدت بـــعـــزم فـــي الســـلوك وقـــوضــت

هــنــيــئاً لهــا فـخـراً بـمـا قـد تـعـرضـت — لذاك الحـمـى لو كـان مـطـلبـهـا احـتـمـى

ذر الكــــون فــــي أثــــوابــــه يــــغــــول — يــروق لوهــنــت الرأي حــســنــاً ويــجـمـل

فــــمـــا لك دون الحـــق فـــيـــه مـــعـــول — وإن أم أبــــــواب المــــــلوك مـــــؤمـــــل

فـــيـــمـــم إلى أبـــوابـــه مـــتـــقـــدمــا — كـــريـــم لضـــراء الفـــقـــيـــر مـــراقـــب

لطـــيـــف إذا ضـــاقـــت بـــعـــبــد كــوارب — له فـــي القـــضـــايـــا نــظــرة ومــواهــب

وأبــــوابــــه فـــتـــح ومـــاثـــم حـــاجـــب — وأفـــضـــاله شـــرح ومـــاثـــم مـــحــتــمــى

تـــخـــلى لربـــى ظـــاهـــري والذي بـــطــن — وخـــلتـــهـــم والكـــون والأهــل والوطــن

كــفــانــي عــن زيــد وعــمــرو وعــن وعــن — لأبــوابــه مــا عــشــت أغــشــى ولم أكــن

لأخـــشـــى رقــيــبــاً أو عــذولاً مــلومــا — رفـــضـــت له الأكـــوان مـــن ذي ســرائرى

وصــنــت عــن التــعــليــل مـرمـى بـصـائرى — وســيــان فــيــه نــافــعــى مــثــل ضــائرى

فـــعـــنــدي فــيــه عــاذلي مــثــل عــاذري — ومــن فــيــه عــادانــي كـمـن بـي تـرحـمـا

فـــلســـت بــذي طــرف بــفــرقــتــهــم قــذى — بـــمـــذهـــب أنـــى ذاهــب أنــا مــحــتــذى

طـــريـــقـــة ذي صـــدق مــع الحــق احــوذى — ســأرحــل عــنــهــم أجــمــعــيــن إلى الذي

بــــه لذَّ لي ذلي وعــــزي تــــهــــجــــمــــا — أرانــــي خــــليـــل اللّه وشـــك ذهـــابـــه

وعـــللنـــي مـــن نـــغـــبـــة مــن شــرابــه — وســـرت مـــع المــخــتــار تــحــت ركــابــه

عـــســـى أنــنــي أدعــى دعــيــاً بــبــابــه — إذا لم أكــن بــاســم الخــديــم مــوسـمـا

فـــصـــرت بــعــيــن الحــق أرفــع مــنــزلا — بـــــأي مـــــقـــــام شـــــاءه لي وأنــــزلا

دعـــيـــت دعـــيـــا أو وليـــاً مـــكـــمـــلا — وإلا فــــإن ادعــــى بــــه مـــتـــطـــفـــلاً

فــقــدري بــهــذا الاسـم يـخـتـرق السـمـا — كــفــانــي اخـتـيـار الحـق فـي كـل مـوطـن

بـــــأيـــــة حــــال أو بــــأي تــــعــــيــــن — فــلســت لمــا يــخــتــاره عــبــد ديــدنــي

وإن أدع لا شـــيـــئاً هـــنـــاك فــاتــنــي — بــذاك لقــد أصـبـحـت فـي النـاس مـغـرمـا

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • العليم: العَلِيمُ : المتصف بالعِلْم قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ ج عُلماءُ.-: من أسماء اللَّه الحُسْنى إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيم.
  • تجنب: تَجَنَّبَ يَتَجَنَّبُ تَجَنُّباً : - ـه أوالشيءَ: ابتعد عنه سَيَذَّكَّر مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى.
  • تخبط: تَخَبَّطَ يتَخَبَّطُ تَخَبُّطاً :- ـه الشيطانُ: أصابه بشيءٍ من الجنون والخبل الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلَّا كمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ. - ت البلادُ: وقعت فيها الفتن …
  • تهن: تهن: الأَزهري: أَهمله اللَّيْثُ. وَرَوَى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأَعرابي: تَهِنَ يَتْهَنُ تَهَناً، فَهُوَ تَهِنٌ إِذَا نَامَ. وَفِي حَدِيثِ بِلَالٍ حِينَ أَذَّنَ قَبْلَ الْوَقْتِ: أَلا إِنَّ العبدَ تَهِنَ، أَي نامَ، وَقِيل …
  • دعاك: دعا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؛ قَالَ أَبو إِسْحَاقَ: يَقُولُ ادْعُوا مَنِ اسْتَدعَيتُم طاعتَه ورجَوْتم مَعونتَه فِي الإِتيان بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَقَالَ ال …
  • طريقك: الطَّرِيقُ [يذكّر ويؤنّث] المطروق.-: السَّبيلُ أو المَمَرُّ الواسعُ الممتدُّ أوسعَ من الشّارع؛ الطريقُ العامّ/ الطريقُ الرئيس؛إِيَّاكُمْ والجلوسَ في الطُّرقات / سافر بطريق البحرِ، أي بالباخرة، أو بطريق الجوِّ، أي بالطائر …

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة