نـكـسـى العـلام يـا خـير الملل

الشاعر: ابن عديِّم الرواحي · البحر: الرمل

هذه القصيدة من شعر ابن عديِّم الرواحي، من العصر الحديث، وتقع في 119 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف اللام.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

نـكـسـى العـلام يـا خـير الملل — رزىء الاسـلام بـالخـطـب الجلل

وانـتـثـر يـا دمع أجفان التقى — قـد أصـيب العلم واغتيل العمل

وانـفـطر يا قلب واستقص الأسى — إن حـبـل الديـن بـالأمس انبتل

أشــعــل البــرق عــليــنـا جـذوة — فـانـطـفـا واتـقـدت فينا الشعل

حــمــل البــرق مــصـابـاً فـادحـاً — ليــتـه أعـيـاه حـمـلاً مـا حـمـل

يــا رجــال الديــن هــل جـاءكـم — إن بـدر الديـن فـي الأرض أفـل

يـا رجـال الديـن لا تـهنأ لكم — فــرصــة إن مــصــاب الدهــر حــل

يـا رجـال الديـن لم يـنزل بنا — فــادح أعــظــم مــمــا قــد نــزل

يـا رجـال الديـن أهـلاً بالقضا — غـاض هـذا البـحـر واندك الجبل

يـا رجـال الدين ما هذا الأسى — والأسـى بـالعـقـل والعـقـل ذهل

يـا رجـال الدين ما حسن العزا — عـن فـقيد في السما والأرض جل

ربـــمـــا أعـــقـــب فــقــد بــدلا — وفــقــيـد العـلم مـا عـنـه بـدل

إن مـــوتـــاً وحـــيـــاة حــتــمــاً — قـبـل هذا الخلق في لوح الأزل

والتـمـاثـيـل التـي نـهـذي بـها — صـور يـخـلقـهـا فـي سـحـر الأمل

كــل مــا نــهــفــو إليــه عــبــر — لو فقهنا الشأن أو ضرب المثل

مـا يـريـد الحـتـف مـن أرواحنا — يـــتـــقـــاضـــاه بــكــوراً وأصــل

إنـــهـــا مــســتــودعــات أقــتــت — لا يـزاد العـمـر شـيئاً إن كمل

يـــا لعـــمــر نــاصــبــتــه آفــة — تـهـدم المـحـيـا وتـزري بالحيل

بــئس عــمــر حــتــم اسـتـرجـاعـه — ريــثــمــا حــل رأيــنــاه قــفــل

وحــــيــــاة وعـــدت ريـــب الردى — كــيـف يـغـتـر عـليـهـا مـن عـقـل

وهــي فــي بــرهــتــهــا مــرذولة — حـشـوهـا لو فـكـر المـرء العلل

خــلق العــقــل لدرك المـنـتـهـى — فـــتـــنــاســى وتــلاهــى وغــفــل

ليــس مــن يــجــهــل مــنـا حـاله — لمــحــة تــمــضـي وعـيـش يـخـتـزل

إنــمــا الشــأن اغـتـرار حـاكـم — سـلب الألبـاب واسـتـدعى الأمل

ونــفــوس راقــهــا مــن ســوئهــا — رنـق العـيـش وفـي العيش الغيل

هــذه الدنــيــا وهــذا أمــرهــا — تـنـدف الأعـمـار نـدفـاً لم تزل

كـثـفـت عـن قـبـحـهـا فـي حـسنها — وراتـنـا السـم فـي هـذا العـسل

لم تــغــادرنــا عــلى مــشــتـبـه — فـي التـفـاصـيـل ولا طـي الجمل

أيـهـا العـاقـل لا تـحـفـل بـها — ســوف تــرمــي بـك مـن رأس جـبـل

قــد بــلونــاهــا ولكـن سـحـرهـا — يـنـزل الأعـصـم من أعلى القلل

هــكــذا تــخــبــطــنـا فـتـنـتـهـا — بـيـنـمـا نـأنـس مـنـهـا بـالحيل

كــل مــا يــحــســن مــنـهـا عـطـب — وهـو مـن لا شيء في القدر أقل

أصــدق الأنــبــاء عــن خـسـتـهـا — ليـس مـا يـنـقـل عـنـهـا مـفـتعل

لم تــســالم جــاهــلاً فــي غـيـه — لا ولا عــالمـهـا الحـر الأجـل

كــــل حـــي الســـعـــتـــه حـــمـــة — أعـيـت الراقـي فـيـهـا والحـيـل

وقـــمـــت آيــاتــهــا فــي عــبــر — بـــقـــرون طـــحـــنـــتـــهــم ودول

لا تــبــالي بــك فـي بـطـشـتـهـا — كــنــت رب التـاج أو كـنـت خـول

يـا رجـال العـلم أودى قـطـبـكم — بـل جـمـيـع العلم أودى والعمل

فــتــكــت بـالسـالمـي المـرتـضـى — غــارة شــعـواء مـا عـنـهـا حـول

فــتــكــة أورثــت الأرض البـكـا — والسـمـوات ومـا فـيـهـا اسـتـقل

فــتـكـة لم يـحـم مـنـهـا جـيـشـه — لا ولا دافــعــهــا وقـع الأسـل

عــجــبــاً مــن نــعــشــه تــحـمـله — فـتـيـة وهـو عـلى الكـون اشتمل

جــمــع العــالم فــي حــيــزومــه — أتـرى العـالم فـي القـبـر نـزل

يـــا ولي اللّه إذ ودعـــتـــنـــا — فــمــن الآن عــليــه المــتــكــل

مـن يـحـل المـشـكـلات المـرتـجى — حــيــث لا يــنــفــع مـن دق وجـل

مــن يــجــلي ظــلم الجــهـل ومـن — يـنـصـر الديـن اضـطـلاعاً للجلل

مــن يــهــد الخــطـب مـن فـورتـه — من يقيم الوزن من يشفي العلل

مـن يـقـود الأرعـن الجـرار فـي — نــصــرة اللّه عــلى عـزم الرسـل

مــن يــديــر الحـرب عـن رأي له — ســعـة البـحـر إذا ضـاق المـحـل

مـن عـلى المـعـروف وقـف نـفـسـه — وبــه النــكــر تــولى واضــمـحـل

مـن لبـذل العـدل والاحـسان من — يـحـمـل الكـل ومـن يـعطي النفل

كـــلهـــا خـــلفـــتــهــا ثــاكــلة — يـا عـمـيـد الدين تبكي من كفل

قــــمــــت للّه بـــأمـــر عـــجـــزت — هـمـم الأبـطـال عـنـه فـاسـتـقـل

فــــأتـــت مـــعـــجـــزة خـــارقـــة — جــدهــا الرعـب وأنـواع الفـشـل

فــــدعـــاك اللّه مـــنـــه دعـــوة — ليــكــافــيــك عـلى هـذا العـمـل

قــمــت فــي خــدمــتـه مـحـتـسـبـاً — آخـــذاً بـــالحــق فــي أي مــحــل

درجــات الخــلد قــد بــلغــتـهـا — وسـمـات المـجـد فـي الدهـر مثل

غـــيـــر أنــا فــي زمــان حــالك — ضـــل فـــيــه أغــلب النــاس وزل

كـنـت فـيـه الشـمـس نـوراً وهـدى — وارتـفـاعـاً وانـتـفـاعاً بل أجل

كــنــت فــيــه خـلفـاً للمـصـطـفـى — خــيــر مــن قـاد إلى الحـق ودل

كــنــت للنــاس ربــيــعــاً وحـيـا — كــنــت للأكــوان غــوثــاً وبــدل

مـجـهـداً للنـفـس فـي نشر الهدى — خــيـر مـن وفـى وانـدى مـن بـذل

صــابــراً فــي مــنـشـط أو مـكـره — ثـابـت العـزم شـديـد المـكـتـهل

احـمـس الصـفـحـة مـرهـوب السـطى — بــاهــر العـزمـة مـأمـون الزلل

شــاســع النــظــرة لا يـقـصـرهـا — زخـــرف الدنـــيــا وجــاه وخــول

راجـح الايـمـان مـعـصـوم الخطى — قــوله الفــصــل وإن قــال فـعـل

ســائراً بــالجــد حــتــى نــلتــه — كــل مــن ســار عـلى الدرب وصـل

فـي سـبـيـل اللّه أنـفـقت العنا — فـي مـراد اللّه أنـفـقـت العـمل

فـي سـبـيـل اللّه لم تـحـفل بها — أسـقـيـت الصـاب أو كـأس العـسل

فـي سـبـيـل اللّه تـدعـو جـاهـداً — لتـقـيـم القـسط أو تلقى الأجل

فـي سـبـيـل اللّه أجـهـدت القوى — لم تــحــد إن جـد خـطـب أو هـزل

رافـــعـــاً ألويـــة العـــلم إلى — أن دنــا كــيــوان عـنـهـا وزحـل

ونــــصــــرت اللّه حــــتـــى أنـــه — لك مـن أهـل السـمـا الجند نزل

ولقــد يــجــدر مـن أهـل السـمـا — نـصـرة القـائم فـي خـيـر النحل

تــــلك بـــدر نـــزلوهـــا مـــدداً — وعــلى بــدر قــيــاس يــحــتــمــل

هــم وجــبــريــل عــلى حــيـزومـه — بـالتـسـابـيـح لهـم فـيـهـا زجـل

نـصـروا اللّه بـجـيـش المـصـطـفى — فـانـثـنـى بـالخـزي اشـيـاع هبل

وفــــتـــوحـــاتـــك ســـر مـــدهـــش — ظـهـرت فـيـهـا الكـرامات الأول

يـــــا ولي اللّه إنـــــي نــــادب — لك مــــا دار بـــكـــور وطـــفـــل

طــالمــا أمــلت أن يــجــمــعـنـي — بـك هـذا الدهـر فـانـسـد الأمل

لهـف نـفـسـي مـا الذي أقـعـدنـي — عـنـكـم غـيـر الذي أعـيا الحيل

كــلمــا أزمــعــت تـرحـالاً قـضـى — لي بــالتــثـبـيـط دهـر مـهـتـبـل

وإلى أيــن ارتــحــالي بــعـدمـا — أظــلم الجــو وأوحــشــت الطــلل

كــنــت أرجـو نـظـرة فـي حـالتـي — مــنــك فــالآن رجــائي مـعـتـقـل

كــنــت فــي قــيــد شــديــد حــله — ضـــوعـــف اليــوم بــغــل وكــبــل

يـا أبـا شـيـبـة مـن أرجـو لهـا — حـــســـبـــي اللّه إذا عـــز وجــل

يــا أبـا شـيـبـة عـز المـلتـقـى — وقـطـيـن الرمـس مـقـطـوع النـقل

يــا أبــا شــيــبــة عــزت حـيـلة — عـن دفـاع الموت أو وصل الأجل

لو فــرضـنـا أن مـيـتـاً يـفـتـدى — لغـــدت روحـــي أدنــى مــبــتــذل

غــيــر أن الخــلق فــيــه أســوة — أجـــل يـــأتــي عــلى اثــر أجــل

تــقــتــضــي المـوت حـيـاة حـددت — ولو اسـتـعـلت عـلى بـرج الحـمل

يــا فـقـيـد الفـضـل عـنـدي أسـف — ســل عـن النـار وعـنـه لا تـسـل

ذهـــب الصـــبـــر ولو حـــاولتــه — وجـمـيـل الصـبـر أحـرى بـالرجـل

مــا نـعـاك الكـون حـتـى نـعـيـت — غـضـبـة الاسـلام والكـفـر بـجـل

مـا حـمـيـد العـيـش من بعدك في — هـذه الدنـيـا ومـا معنى الجذل

والبـكـاء المر لا يشفي الجوى — لو طـفـقت الدهر استمري المقل

كــل فــقــد دخــلت فــيــه عــســى — وهــي فــي المــوت مـحـال كـلعـل

مــا فــقــدنـاك هـمـامـاً مـفـرداً — بـل فـقـدنـا الخـيـر في كل محل

مــا فــقــدنــاك وعــرفــانـك فـي — صــفــحــات الكـون ضـوء يـشـتـعـل

إن رب العــــــلم حـــــي خـــــالد — ولو أن الذات بـالمـوت انـتـقل

مــا تــركـت الكـون حـتـى تـركـت — خـطـة الحـمـد لك الحـمـد الجلل

ســيــد العــرفــان دهــري مـأتـم — فــيــك مــا أشـرق نـجـم أو أفـل

اخـرس الهـول لسـانـي في الرثا — ولســانــي حــده يــفــري الجـبـل

مـا هـنـئت العـيـش مـذ فـارقـته — وهــنــيــئاً لك عــيـشـاً لا يـثـل

مــا هـنـاء المـؤمـن الحـق عـلى — صـدعـة الديـن ومـا بـرد الغـلل

أنـــا لا أعـــلم رزءاً فــادحــاً — كـمـصـاب الديـن أو نـقـص الكمل

يــرفــع العــلم بـرفـع العـلمـا — وارتــفــاع العــلم هــلك وخـبـل

يــا رمـى اللّه يـد المـوت عـلى — أخـذ عـبـد اللّه رمـيـاً بـالشلل

ويــلتــاه اســتــأثــر اللّه بــه — وبــقــي العــلم عــلى ظـهـر أزل

أكــــرم اللّه بــــه أمــــتـــنـــا — بــــرهــــة ثـــم دعـــاه فـــرحـــل

يــا لهــا مــن رحـلة مـا تـركـت — خــلفــهـا مـن كـرم إلا انـتـقـل

يــا لهــا مـن رحـلة صـحـت بـهـا — غـربـة الاسـلام فـي أزكـى مـحل

أمــة الخـيـر لكـم حـسـن العـزا — إنـــهـــا داهـــيـــة أم الغــيــل

بــعــد عــبــد اللّه يـبـقـى أمـل — للهــدى هـيـهـات قـد شـط الأمـل

خــلهـا يـا ابـن حـمـيـد تـلتـوي — فـتـنـة عـمـيـاء كـالليـل المضل

ليــس يــغـنـي عـنـك فـيـهـا أحـد — طــمـسـت إذ ذهـب النـور السـبـل

وهــنــيــئاً لك بــالفــردوس فــي — جــيــرة اللّه عــلى خــيــر نــزل

إن عــامــاً نــابــك الحــتـف بـه — عـــــام ســـــوء وبــــلاء ووجــــل

فــــأتـــى تـــاريـــخـــه بـــحـــزن — نـكـسـي الأعـلام يا خير الملل

البحر والقافية

القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.

تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف اللام — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الجلل: جَلَلَ: اللهُ الجَليلُ سُبْحَانَهُ ذُو الجَلال والإِكرام، جَلَّ جَلال اللَّهِ، وجَلالُ اللَّهِ: عظمتُه، وَلَا يُقَالُ الجَلال إِلا لِلَّهِ. والجَلِيل: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَقَدَّسَ وَتَعَالَى، وَقَدْ يُوصَفُ بِهِ الأَمر …
  • الشعل: شعل: الشَّعَلُ والشُّعْلَة: البياضُ فِي ذَنَب الفَرَس أَو ناصيتِه فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا، وخَصَّ بعضهُم بِهِ عَرْضها. يُقَالُ: غُرَّةٌ شَعْلاءُ تأْخذ إِحدى الْعَيْنَيْنِ حَتَّى تَدْخُلَ فِيهَا، وَقَدْ يَكُونُ فِي القَذَال …
  • العلام: العَلاَّمُ والعَلاَّمَةُ : الكثير العِلْمِ، أو العالم الكبير؛ يحترمه الناسُ جميعاً لأنه علَّامة في الفيزياء. -: النسَّابة، أي العالم بالأنساب.
  • الملل: ملل: المَلَلُ: المَلالُ وَهُوَ أَن تَمَلَّ شَيْئًا وتُعْرِض عَنْهُ؛ قَالَ الشَّاعِرُ: وأُقْسِمُ مَا بِي مِنْ جَفاءٍ وَلَا مَلَل وَرَجُلٌ مَلَّةٌ إِذا كَانَ يَمَلُّ إِخوانَه سَرِيعًا. مَلِلْتُ الشَّيْءَ مَلَّة ومَلَلًا وم …
  • انبتل: انْبتَلَ يَنْبَتِلُ انْبِتالاً :- الشيءُ: انقطع.- ت الفسيلةُ عن أمها: انفصلت.
  • بالخطب: خطب: الخَطْبُ: الشَّأْنُ أَو الأَمْرُ، صَغُر أَو عَظُم؛ وَقِيلَ: هُوَ سَبَبُ الأَمْر. يُقَالُ: مَا خَطْبُك؟ أَي مَا أَمرُكَ؟ وَتَقُولُ: هَذَا خَطْبٌ جليلٌ، وخَطْبٌ يَسير. والخَطْبُ: الأَمر الَّذِي تَقَع فِيهِ المخاطَبة، …

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة