الم تعلم بمن تقع الخُطوب
الشاعر: الستالي · البحر: الوافر
هذه القصيدة من شعر الستالي، من العصر المملوكي، وتقع في 60 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
الم تعلم بمن تقع الخُطوب ... وهل تدري النَّوآئبُ من تنوب
بَلى وكأنَّما الأَحْداث تَغْشىَ ... أجلَتنا وافضَلَنا تصيبُ
خطوبٌ في الضّعِاف أشدُّ نكراً ... وفي الأشرف موقعُها غَريبُ
وفقْدان العزيز أعَزَّ خطبا ... وَفوتُ المُعْجبات هو العجيبُ
تَعاظمْنا المشيَبَ ومُذْ كبرنا ... وَددْنا أن يدومَ لنا المَشيبُ
وفارقنا الأحبَّةـ فاعْترفْنا ... يَروحُ المرءُ ليس لهُ حبيبُ
وَعاينَّاـ الخُطوبَ كما سمَعنا ... فـــــلا شـــــكٌ ولا ظـــــن كَـــــذوبُ
ونحنُ نُسرّ بالدَّنيا كأنّا ... أمنَّاــ ما تُسِرُّ لنا الغُيوبُ
عزيزُ النَّاسِ أكبرهُم نَعيماً ... واشقَى النَّاس في الدنيا اللَّبيبُ
مَراقبةُ العُقولِ نُهىً وحلمٌ ... ويَصفو الوصلُ ماغَفَل الرَّقيبُ
وعيشٌ مُنْتهاهُ إلى زوالٍ ... وغايتُه الأذَى فَمَتَى يطيبُ
تَسير بنا إلى الأجل اللَّيالي ... ونحن بنا السّآمة واللغوبُ
وها أَنا في المُنى أجْري وادري ... بــــأن الدَّهــــرَ جَــــيّآءٌ ذَهوبُ
وفي الأوقات ليَ مُلتاث لهوٍ ... كأنيَّ في تناولها مُريبُ
ومن يَتوقَّعِ الحدثانَ يأمَنْ ... رَوائعَ حينَ يفْجَوءُه الوثُوبُ
إِذا صادفتَ احسانَ الليَّالي ... فهلاَّ تنتَهي ولها ذنوبُ
وإن أبَدَتْ لكَ الدَّنيا كَمالاً ... فسَوفَ يكون عُقباهُ العُيوبُ
الم ترَ يوم داهيةٍ شَهْدِنا ... لعمرك أنه يومُ عصيبُ
وحادثةٌ مُفجّعِة عليها ... تساعدت المدامعُ والقلوبُ
فـــــؤآدٌ حَـــــشـــــوهُ لذعٌ أليـــــمٌ ... وجــــفــــنٌ مِلؤه دمعٌ سَكوبُ
فُجِعنا بالكريمةِ في معدٍّ ... لها ولقومها الشُرف الحسيبُ
بسيّدة النساءِ تُقىً وحِلماً ... وجوداً ما يُعدُّ لها ضريبُ
وَلَمْ يُعرفْ لها خُلقٌ ذميمٌ ... ولم يوجَد لها سعيٌ مَعيبُ
مُجاوِرُها عزيزٌ في ذراها ... وسآئلُها المَثوبَة لا يخيبُ
ألا هيَ مُزْنةُ الجُودِ اضْمحلَّت ... وشمسُ المجد واراها المغيبُ
تَولَّتْ بالبشاشةِ والأيادي ... وغابَتْ بالسُّرور فما تغيبُ
أيُسكنُ بعدَها البلدُ المزكَّي ... وهل يُسْتَحسَنُ الزَّمن الخصيبُ
أفادَ الكلّ نائلُها فأْضحى ... لكلٍ من مُصيبتها نصيبُ
وقالَ لها من الباكي عَليها ... حشى يَنْقدُّ أو كبدٌ تذوبُ
وعزَّ على الأحبَّةِ أن يرَوها ... يُهالُ على محاسِنها الكثيبُ
رَهينة وحشةٍ في بَطن لحدٍ ... تمرُّ بِها الشَّمَائلُ والجنوبِ
مفارقةٌ ومَلْقاها يسيرٌ ... ونازحةٌ ومثواها قريبُ
تُزارَ فما تُحِسُّ بزآئريها ... ويَدعوها المجيبُ فلا يُجيبُ
نُبكِّيها ونندُبها وحقٌ ... لنا منها التَّأسُّفُ والنَّحيبُ
ونعلم أنها إِحدى ملوك ... من الساداتِ غالنهم شَعوبُ
هُمُ عَمَروا البلادَ وأوطنوها ... فأْمستْ ما بها مِنهمْ غريبُ
فكم بيتٍ لهم من مال عزّ ... حمته الخيلُ والحَرسُ المهيبُ
تعاطتهُ المنيةُ من أشمٍ ... تحُفُّ بهِ المجادلُ والدروبُ
وما دفع الأقاربُ والموالي ... وما نفع العوائد والطبيبُ
كفى حَزناً أنِ اختُرِمتْ بموتٍ ... فلا ثأرٌ تُقامُ به الحروبُ
وقد يأبى ظُلامتها رجالٌ ... من الحَيَّين شُبَّانٌ وشيبُ
نجيبة سادةٍ وأبو سَعيد ... أبوها وابنُها النَّدبُ النجيبُ
وأصبح شاهداً بالبرّ عنها ... أبو عَبد الأله فما يغيبُ
وفضل محمد بنِ مُعمرٍ عن ... فضائِل خَير والده ينوبُ
كما شَهِدت محاسنُه بحسنى ... أبي عُمَرِ ونائلُه الرّحيبُ
فتىً للمال مِتلافٌ بَذولُ ... وللعــــليــــاءِ طــــلاَّبٌ كــــســــوبُ
رَبيطُ الجأشِ مقدامٌ جريءٌ ... طويلُ الباعِ بسَّامٌ وهوبُ
واوفى من يُسالمُ أو يعادي ... وأشقى من يُعاقِبُ أو يثيبُ
فما في سَعيهِ المشهور عارٌ ... ولا في فعله الموجودِ حُوبُ
يُشيدُ بفضلهِ في كل أرضٍ ... لسانٌ بالثناءِ له غريبُ
ويَشهد منه الفظاً وفهماً ... فيعلمُ أنه الفَطِنُ الَّلبيبُ
من الأزد الكرامِ علت عُلاهم ... وقد طَهُرت من الدَّنسِ الجيوبُ
نّماهُ من الأبِ العَتكيّ مجدٌ ... بمجد الأمّ من مضرِ مشوبُ
لعاً لمحمدٍ ولقد أسفْنا ... بأنّ محمداً أسفٌ كئيبُ
على أنَّ الفتى جلدٌ صبورٌ ... على البلوى له عودٌ صليبُ
تُساوِرُهُ الهمومُ فَلا عُبوسٌ ... لديه على الجليس ولا قُطوبُ
وقد يَهتزُّ جوداً وارتياحاً ... كما يهتزُّ بالوَرق القَضيبُ
فَعاشَ يشيد مَجدَيْ والدَيهِ ... ليُعلم انه نعمَ النسيبُ
ولا تَــــبَعدْ عزيزتُه ودُرَّتْ ... عليها كلُّ غادية تصوبُ
وكان محمد خلقاً زكياً ... يكون له على العلْيا رُبوبُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.
تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، الصحاح:
- الضعاف: ضعف: الضَّعْفُ والضُّعْفُ: خِلافُ القُوّةِ، وَقِيلَ: الضُّعْفُ، بِالضَّمِّ، فِي الْجَسَدِ؛ والضَّعْف، بِالْفَتْحِ، فِي الرَّأْي والعَقْلِ، وَقِيلَ: هُمَا مَعًا جَائِزَانِ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَخَصَّ الأَزهريُّ بِذَلِكَ أَه … (لسان العرب)
- العجيب: عجب: العُجْبُ والعَجَبُ: إِنكارُ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ لقِلَّةِ اعْتِيادِه؛ وجمعُ العَجَبِ: أَعْجابٌ؛ قَالَ: يَا عَجَباً للدَّهْرِ ذِي الأَعْجابِ، ... الأَحْدَبِ البُرْغُوثِ ذِي الأَنْيابِ وَقَدْ عَجِبَ مِنْهُ يَعْجَبُ عَج … (لسان العرب)
- المعجبات: عجب: العُجْبُ والعَجَبُ: إِنكارُ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ لقِلَّةِ اعْتِيادِه؛ وجمعُ العَجَبِ: أَعْجابٌ؛ قَالَ: يَا عَجَباً للدَّهْرِ ذِي الأَعْجابِ، ... الأَحْدَبِ البُرْغُوثِ ذِي الأَنْيابِ وَقَدْ عَجِبَ مِنْهُ يَعْجَبُ عَج … (لسان العرب)
- بالدنيا: دنا: دَنا الشيءُ مِنَ الشيءِ دُنُوّاً ودَناوَةً: قَرُبَ. وَفِي حَدِيثِ الإِيمان: ادْنُهْ؛ هُوَ أَمْرٌ بالدُّنُوِّ والقُرْبِ، وَالْهَاءُ فِيهِ لِلسَّكْتِ، وجيءَ بِهَا لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ. وَبَيْنَهُمَا دَنَاوَة أَي قَرا … (لسان العرب)
- تصيب: صيب: الصُّيَّابُ والصُّيَّابة[[. قوله الصياب والصيابة [إلخ] بشد التحتية وتخفيفها على المعنيين المذكورين كما في القاموس وغيره.]]: أَصلُ الْقَوْمِ. والصُّيَابةُ والصُّيَابُ: الخالِصُ مِنْ كلِّ شَيْءٍ؛ أَنشد ثعلب: إِني وَسَ … (لسان العرب)
- تقع: النقع: الغبار، والجمع نقاع [[وزاد في القاموس: " ونقوع ".]] . والنَقْعُ: محبس الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه. وفي الحديث: " أنَّه نهى أن يُمْنَعَ نَقْعُ البئر ". والنَقْعُ أيضاً: الأرضُ الحرَّةُ الطينِ يَسْتَنْقِعُ في … (الصحاح)
- تنوب: تنب: التَّنُّوبُ: شَجَرٌ، عَنْ أَبي حنيفة. (لسان العرب)