أبى الله إلا أن يكون لنا الأمرُ
الشاعر: أسامة بن منقذ · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر أسامة بن منقذ، وتقع في 85 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أبى الله إلا أن يكون لنا الأمرُ ... لِتحيَا بنا الدُّنيا، ويفتخرَ العصرُ
وتخدُمَنا الأيّامُ فيما نَرُومُهُ ... وينقادَ طوعاً في أزِمَّتنا الدّهرُ
وتخضع أعناق الملوك لعزنا ... ويُرهِبَها منّا على بُعدنا الذِّكرُ
بحيثُ حَلْلنا الأمنُ من كلِّ حادثٍ ... وفي سائر الآفاق من بأسنا ذعر
بطاعتِنا للّه أصبحَ طوعَنا ال ... أنامُـ، فما يُعصَى لنا فيهمُ أمرُ
فأيامنا في السلم سحب مواهب ... وفي الحَربِ سُحبٌ وبْلُهنَّ دمٌ هَمرُ
قَضتْ في بني الدُّنيا قضاءَ زمانِها ... فَسُرَّ بها شطرٌ وسِىء بها شَطرُ
وما في ملوكِ المسلمينَ مُجاهدٌ ... سوانا فما يثنيه حر ولا قر
جعلَنا الجهادَ همَّنا واشتغالَنا ... ولم يلهنا عنه السماع ولا الخمر
دماء العدا أشهى من الراح عندنا ... ووقع المواضي فيهم الناي والوتر
نُواصِلُهم وصلَ الحبيب وهم عِدىً ... زيارتُهم ينحطَ عنَّاـ بها الوزرُ
وثير حشايانا السروج وقمصنا ال ... دروع ومنصوب الخيام لنا قصر
ترى الأرض مثل الأفق وهي نجومه ... وإن حسدتها عزها الأنجم الزهر
وهمُّ الملوكِ البيضُ والسُّمُر كالدُّمَى ... وهمتنا البيض الصوارم والسمر
صوارمنا حمر المضارب من دم ... قوائِمُها من جُودنا نَضرةٌ خُضرُ
نسيرُ إلى الأعداءِ والطّيرُ فوقَنا ... لهَا القوتُ من أعدائِنَا، ولنا النَّصرُ
فبأس يذوب الصخر من حر ناره ... ولُطفٌ له بالماءِ ينبجسُ الصَّخرُ
وجيش إذا لاقى العدو ظننتهم ... أسود الشرى عنت لها الأدم والعفر
تَرى كلَّ شَهمٍ في الوغَى مثلَ سَهْمِه ... نفوذاً فما يثنيه خوف ولا كثر
هم الأسد من بيض الصوارم والقنا ... لهُم في الوغَى النّابُ الحديدةُ والظُّفرُ
يرَوْن لهم في القتلِ خُلداً، فكيف بال ... لقاءِ لقومٍ قتلهُم عندهم عُمْرُ
إذا نُسبوا كانُوا جميعاً بني أَبٍ ... فطعنهم شزر وضربهم هبر
يظنُّون أنّ الكفرَ عصيانُ أمرِنَا ... فما عندهم يوماً لإنعامنا كفر
لَنَا مِنهمُ إقدامُهُم وولاؤُهمْ ... ومنَّاــ لهم إكرامُم والنَّدى الغَمرُ
بِنا أُيِّد الإسلامُــ، وازدادَ عزّة ... وذل لنا من بعد عزته الكفر
قتلنَا البِرنْسَـ، حِينَ سارَ بجهله ... تَحفُّ به الفُرسانُ والعَسكر المجرُ
ولم يَبق إلاَّ مَن أَسْرنا، وكيفَ بالب ... بقَاءِ لمن أخْنَتْ عليه الظُّبا البُترُ
وفي سجننا ابن الفنش خير ملوكهم ... وإن لم يكن خير لديهم ولا بر
كأفعالِنَا في أرضِ من حانَ منهُمُ ... وقد قُتِلت فرسانُه فهمُ جُزر
وسلْ عنهُم الوادِي بإقلِيس إنَّه ... إلى اليومِ فيه من دمائِهمُ غُدرُ
هم انتَشروا فيه لردّ رَعِيلنا ... فمن تربه يوم المعاد لهم نشر
ونحنُ أسرنا الجوسَلِين ولم يكُن ... ليخْشَى من الأيَّامِ نائِبةً تَعْرُو
وكان يظن الغر أنا نبيعه ... بمَالٍ، وكم ظَنٍّ به يهِلُك الغِرُّ
فلما استبحنا ملكه وبلاده ... ولم يبَق مالٌ يُستباحُ ولا ثَغْرُ
كَحلناهُـ، نبغى الأجرَ في فِعلِنا بهِ ... وفي مثلِ ما قَد نَالَه يُحرز الأجرُ
ونحن كسرنا البغدوين وما لمن ... كَسرنَاه إبلالٌ يُرجَّى ولا جَبْرُ
وقد ضاقت الدنيا عليه برحبها ... فلم ينجه بر ولم يحمه بحر
دعته إلى نكث اليمين وغدره ... بذمَّتِه النَّفسُ الخسيسة والمكْرُ
وقد كانَ لونُ الخيل شتَّى فأصبحَت ... تُعادُ إلينَا، وهي من دَمهِم شُقْرُ
توهَّمــ عجزاً حِلمَنا وأناتَنَا ... وما العجز إلا ما أتى الجاهل الغمر
فــــلما تمادى غيه وضلاله ... ولم يثنه عن جهله النهي والزجر
برزْنَا له كالليِثْ فَارقَ غِيلَه ... وعادَتُه كسرُ الفرائس والهَصْرُ
وسِرنا إليه حين هابَ لقاءَنا ... وبان له من بأسنا البؤس والشر
فولّى يُبارى عائراتِ سِهَامِنَا ... وفي سمعه من وقع أسيافنا وقر
وخــــلَّى لنــــا فُــــرســــانَه وحُماتَه ... فشطر له قتل وشطر له أسر
وما تنثني عنه أعنة خيلنا ... ولو طار في أفق السماء به النسر
إلى أن يزور الجوسلين مساهماً ... له في دياج ما لليلتها فجر
ونرتَجِعَ القدسَ المُطهَّر مِنهُم ... ويتلى بإذن الله في الصخرة الذكر
إذا استَغْلقتْ شمُّ الحصونِ فعندنَا ... مَفاتحُها: بيضٌـ، مضاربُها حُمرُ
وإنْ بلدٌ عزَّ الملوكَ مَرامُه ورُمناهُ ... ذلَّ الصّــــعبُ واستُسهِلَ الوعرُ
وأضحى عليه للسهام وللظبا ... ووقع المذاكي الرعد والبرق والقطر
بنَا استَرجَع اللْهُ البلادَ وأمَّن ال ... عبادَ، فلا خَوفٌ عليهم ولا قَهرُ
فتَحنا الرُّهَا حين استباحَ عداتُنا ... حماها وسنى ملكها لهم الختر
جعلْنَا طُلى الفُرسان أغمادَ بِيِضنا ... وملَّكنَا أبكارَها الفتكة البكر
وتلُّ عِزَازٍ، صبّحتهُ جُيوشُنَا ... وقد عجزت عنه الأكاسرة الغر
أتَى ساكنُوها بِالمفاتيحِ طاعَة ... إلينا ومسراهم إلى بابنا شهر
وما كلُّ مَلْكٍ قادِرٍ ذو مَهابة ... ولا كل ساع يستتب له الأمر
ومِــــلْنــــا إلى بُــــرج الرَّصــــاصِ وإنَّه ... لكــــاســــد لكن الرصاص له قطر
وأضحت لأنطاكية حارم شجىً ... وفيها لهَا والسَّاكِنينَ بها حَصرُ
وحصن كفر لاتا وهاب تدانيا ... لَنَــــا، وذُراها للأَنُوقِ به وَكرُ
وفي حِصن باسُوطَا وقَورَصَ ذَلَّتِ ال ... صّعابُ لنا، والنّصرُ يقدمُهُ الصبرُ
وفامية والبارة استنقذتهما ... لنا همَّةـ من دونها الفَرعُ والغَفرُ
وحصن بسرفود وأنب سهلت ... لنَا، واستحالَ العُسرُ، وهو لنَا يُسرُ
وفي تل عمار وفي تل خالد ... وفي حِصْن سلقينٍ لمملَكة قصرُ
وما مثل راوندان حصن وإنه ... لمَمتنعٌـ، لو لم يسهل له القَسرُ
وكم مثلِ هذا من قلاعٍ ومن قرًى ... ومُزدَرَعَاتٍ لا يحيطُ بها الحصرُ
فلما استعدناها من الكفر عنوة ... ولم يَبقَ في أقطارِهَا لهمُ أَثْرُ
رددنا على أهل الشآم رباعهم ... وأملاكَهُمـ، فانزاحَ عنهم بها الفَقرُ
وجاءتهم من بعد يأس وفاقة ... وقد مسَّهُم من فقدها البؤْسُ والضُّرُّ
ومرَ عليها الدَّهرُ، والكُفرُ حاكِمٌ ... عليها، وعمرٌ مرَّ من بعدِه عُمْرُ
فنالهُم من عَوْدِها الخيرُ والغنَى ... كما نالنا من ردها الأجر والشكر
ونحنُ وضعنا المكْسَ عن كلِّ بلدة ... فأصبح مسروراً بمتجره السفر
وأصبحت الآفاق من عدلنا حمى ... فكُدر قَطاها لا يُروّعها صَقرُ
فكيف تُسامِينَا الملوكُ إلى العُلا ... وعزمهم سر ووقعاتنا جهر
وإن وَعدُوا بالغزوِ نَظماً، فهذه ... رؤوس أعاديهم بأسيافنا نثر
سنلقى العدا عنهم ببيض صقالها ... هداياهم والبتر يرهفها البتر
وما قولُنا عن حاجة ، بل يسوءُنا ... إذا لم يكن في غزونا لهم أجر
خزائنُنَا ملأَى ، ومَا هِي ذُخرُنا ال ... معَدُّ، ولكنَّ الثوابَ هو الُّذخْرُ
ملكنا الذي لم تَحوِهِ كفُّ مالِكٍ ... ولم يَعرُنَا تِيهُ الملوكِ ولا الكبرُ
فنحن ملوك البأس والجود سوقة ال ... تواضع لا بذخ لدينا ولا فخر
عزَفنا عنِ الدُّنيا، على وجدِهَا بِنَا ... فمنها لنا وصلٌ، ومنّا لها هَجرُ
وأحسن شيء في الدنا زهد قادر ... عليها فما يصبيه ملك ولا وفر
ولولا سؤال الله عن خلقه الذي ... رعيناهم حفظاً إذا ضمنا الحشر
لمَلْنَا عن الُّدنيا، وقِلنا لها اغربي ... لك الهجر منا ما تمادى بنا العمر
فما خير ملك أنت عنه محاسب ... ومملكة من بعدها الموتُ والقبرُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- بعدنا: بعد: البُعْدُ: خِلَافُ القُرْب. بَعُد الرَّجُلُ، بِالضَّمِّ، وبَعِد، بِالْكَسْرِ، بُعْداً وبَعَداً، فَهُوَ بِعِيدٌ وبُعادٌ؛ عَنْ سِيبَوَيْهِ، أَي تَبَاعَدَ، وَجَمَعَهُمَا بُعَداءُ، وَافَقَ الَّذِينَ يَقُولُونَ فَعيل الذي … (لسان العرب)
- حللنا: حلل: حَلَّ بِالْمَكَانِ يَحُلُّ حُلولًا ومَحَلًّا وحَلًّا وحَلَلًا، بِفَكِّ التَّضْعِيفِ نَادِرٌ: وَذَلِكَ نُزُولُ الْقَوْمِ بمَحَلَّة وَهُوَ نَقِيضُ الِارْتِحَالِ؛ قَالَ الأَسود بْنُ يَعْفُرَ: كَمْ فاتَني مِنْ كَريمٍ كَ … (لسان العرب)
- ذعر: ذعر: الذُّعْرُ، بِالضَّمِّ: الخَوْفُ والفَزَعُ، وَهُوَ الِاسْمُ. ذَعَرَهُ يَذْعَرُهُ ذَعْراً فانْذعَرَ، وَهُوَ مُنْذَعِرٌ، وأَذْعَرَه، كِلَاهُمَا: أَفزعه وَصَيَّرَهُ إِلى الذُّعْرِ؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي: ومِثْل الَّذِي … (لسان العرب)
- زمانها: زمن: الزَّمَنُ والزَّمانُ: اسْمٌ لِقَلِيلِ الْوَقْتِ وَكَثِيرِهِ، وَفِي الْمُحْكَمِ: الزَّمَنُ والزَّمانُ العَصْرُ، وَالْجَمْعُ أَزْمُن وأَزْمان وأَزْمِنة. وزَمَنٌ زامِنٌ: شَدِيدٌ. وأَزْمَنَ الشيءُ: طَالَ عَلَيْهِ الزَّم … (لسان العرب)
- طوعنا: طوع: الطَّوْعُ: نَقِيضُ الكَرْهِ. طاعَه يَطُوعُه وطاوَعَه، وَالِاسْمُ الطَّواعةُ والطَّواعِيةُ. وَرَجُلٌ طَيِّعٌ أَي طائِعٌ. وَرَجُلٌ طائِعٌ وطاعٍ مَقْلُوبٌ، كِلَاهُمَا: مُطِيعٌ كَقَوْلِهِمْ عاقَني عائِقٌ وعاقٍ، وَلَا فِ … (لسان العرب)
- فسر: فسر: الفَسْرُ: الْبَيَانُ. فَسَر الشيءَ يفسِرُه، بالكَسر، ويفْسُرُه، بِالضَّمِّ، فَسْراً وفَسَّرَهُ: أَبانه، والتَّفْسيرُ مِثْلُهُ. ابْنُ الأَعرابي: التَّفْسيرُ والتأْويل وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: و … (لسان العرب)
- لتحيا: حيا: الحَيَاةُ: نَقِيضُ الْمَوْتِ، كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِالْوَاوِ لِيُعْلَمَ أَن الْوَاوَ بَعْدَ الْيَاءِ فِي حَدِّ الْجَمْعِ، وَقِيلَ: عَلَى تَفْخِيمِ الأَلف، وَحَكَى ابْنُ جِنِّي عَنْ قُطْرُب: أَن أَهل الْيَمَنِ ي … (لسان العرب)