هَمَّتِ الفُلكُ وَاِحتَواها الماءُ

الشاعر: أحمد شوقي · البحر: الخفيف

هذه القصيدة من شعر أحمد شوقي، من العصر الحديث، وتقع في 289 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الهمزة.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

هَمَّتِ الفُلكُ وَاِحتَواها الماءُ ... وَحَداها بِمَن تُقِلُّ الرَجاءُ

ضَرَبَ البَحرُ ذو العُبابِ حَوالَي ... ها سَماءً قَد أَكبَرَتها السَماءُ

وَرَأى المارِقونَ مِن شَرَكِ الأَر ... ضِ شِباكاً تَمُدُّها الدَأماءُ

وَجِبالاً مَوائِجاً في جِبالٍ ... تَتَدَجّى كَأَنَّها الظَلماءُ

وَدَوِيّاً كَما تَأَهَّبَتِ الخَي ... لُ وَهاجَت حُماتَها الهَيجاءُ

لُجَّةٌ عِندَ لُجَّةٍ عِندَ أُخرى ... كَهِضابٍ ماجَت بِها البَيداءُ

وَسَفينٌ طَوراً تَلوحُ وَحيناً ... يَتَوَلّى أَشباحَهُنَّ الخَفاءُ

نازِلاتٌ في سَيرِها صاعِداتٌ ... كَــــالهَوادي يَهُزُّهُنَّ الحُداءُ

رَبِّ إِن شِئتَ فَالفَضاءُ مَضيقٌ ... وَإِذا شِئتَ فَالمَضيقُ فَضاءُ

فَاِجعَلِ البَحرَ عِصمَةً وَاِبعَثِ الرَح ... مَةَ فيها الرِياحُ وَالأَنواءُ

أَنتَ أُنسٌ لَنا إِذا بَعُدَ الإِن ... سُ وَأَنتَ الحَياةُ وَالإِحياءُ

يَتَوَلّى البِحارَ مَهما اِدلَهَمَّت ... مِنكَ في كُلِّ جانِبٍ لَألاءُ

وَإِذا مــــا عَلَت فَذاكَ قِيامٌ ... وَإِذا مــــا رَغَــــت فَــــذاكَ دُعــــاءُ

فَـــــإِذا راعَهـــــا جَــــلالُكَ خَــــرَّت ... هَيبَةً فَهيَ وَالبِساطُ سَواءُ

وَالعَريضُ الطَويلُ مِنها كِتابٌ ... لَكَ فــــيــــهِ تَــــحِيَّةٌ وَثَناءُ

يا زَمانَ البِحارِ لَولاكَ لَم تُف ... جَع بِنُعمى زَمانِها الوَجناءُ

فَقَديماً عَن وَخدِها ضاقَ وَجهُ ال ... أَرضِ وَاِنقادَ بِالشِراعِ الماءُ

وَاِنتَهَت إِمرَةُ البِحارِ إِلى الشَر ... قِ وَقامَ الوُجودُ فيما يَشاءُ

وَبَنَينا فَلَم نُخَلِّ لِبانٍ ... وَعَلَونا فَلَم يَجُزنا عَلاءُ

وَمَلَكنا فَالمالِكونَ عَبيدٌ ... وَالبَرايا بِأَسرِهِم أُسَراءُ

قُل لِبانٍ بَنى فَشادَ فَغالى ... لَم يَجُز مِصرَ في الزَمانِ بِناءُ

لَيسَ في المُمكِناتِ أَن تُنقَلَ الأَج ... بالُ شُمّاً وَأَن تُنالَ السَماءُ

أَجفَلَ الجِنُّ عَن عَزائِمَ فِرعَو ... نَ وَدانَــــت لِبَــــأسِهــــا الآنــــاءُ

شادَ ما لَم يُشِد زَمانٌ وَلا أَن ... شَأَ عَصرٌ وَلا بَنى بَنّاءُ

هَيكَلٌ تُنثَرُ الدِياناتُ فيهِ ... فَهيَ وَالناسُ وَالقُرونُ هَباءُ

وَقُبورٌ تَحُطُّ فيها اللَيالي ... وَيُوارى الإِصباحُ وَالإِمساءُ

تَشفَقُ الشَمسُ وَالكَواكِبُ مِنها ... وَالجَديدانِ وَالبِلى وَالفَناءُ

زَعَموا أَنَّها دَعائِمُ شيدَت ... بِيَدِ البَغيِ مِلؤُها ظَلماءُ

فَاِعذُرِ الحاسِدينَ فيها إِذا لا ... موا فَصَعبٌ عَلى الحَسودِ الثَناءُ

دُمِّرَ الناسُ وَالرَعِيَّةُ في تَش ... ييدِها وَالخَلائِقُ الأُسَراءُ

أَينَ كانَ القَضاءُ وَالعَدلُ وَالحِك ... مَــــةُ وَالرَأيُ وَالنُهى وَالذَكاءُ

وَبَنو الشَمسِ مِن أَعِزَّةِ مِصرٍ ... وَالعُلومُ الَّتي بِها يُستَضاءُ

فَاِدَّعَوا ما اِدَّعى أَصاغِرُ آثي ... نا وَدَعواهُمُ خَناً وَاِفتِراءُ

وَرَأَوا لِلَّذيــــنَ سادوا وَشادوا ... سُــــبَّةــــً أَن تُــــسَــــخَّرَ الأَعــــداءُ

إِن يَكُن غَيرَ ما أَتَوهُ فَخارٌ ... فَأَنا مِنكَ يا فَخارُ بَراءُ

لَيتَ شِعري وَالدَهرُ حَربُ بَنيهِ ... وَأَياديهِ عِندَهُم أَفياءُ

ما الَّذي داخَلَ اللَيالِيَ مِنّا ... في صِبانا وَلِلَّيالي دَهاءُ

فَعَلا الدَهرُ فَوقَ عَلياءِ فِرعَو ... نَ وَهَـــــمَّتـــــ بِــــمُــــلكِهِ الأَرزاءُ

أَعلَنَت أَمرَها الذِئابُ وَكانوا ... في ثِيابِ الرُعاةِ مِن قَبلُ جاؤوا

وَأَتى كُلُّ شامِتٍ مِن عِدا المُل ... كِ إِلَيهِم وَاِنضَمَّتِ الأَجزاءُ

وَمَضى المالِكونَ إِلّا بَقايا ... لَهُمُ في ثَرى الصَعيدِ اِلتِجاءُ

فَــــعَلى دَولَةِ البُناةِ سَلامٌ ... وَعَلى ما بَنى البُناةُ العَفاءُ

وَإِذا مِصرُ شاةُ خَيرٍ لِراعي السَو ... ءِ تُؤذى في نَسلِها وَتُساءُ

قَد أَذَلَّ الرِجالَ فَهيَ عَبيدٌ ... وَنُــــفوسَ الرِجالِ فَهيَ إِماءُ

فَــــإِذا شاءَ فَالرِقابُ فِداهُ ... وَيَــــســــيــــرٌ إِذا أَرادَ الدِمــــاءُ

وَلِقَــــــــومٍ نَــــــــوالُهُ وَرِضــــــــاهُ ... وَلِأَقــــوامِ القِــــلى وَالجَــــفــــاءُ

فَفَريقٌ مُمَتَّعونَ بِمِصرٍ ... وَفَريقٍ في أَرضِهِم غُرَباءُ

إِن مَلَكتَ النُفوسَ فَاِبغِ رِضاها ... فَلَها ثَورَةٌ وَفيها مَضاءُ

يَسكُنُ الوَحشُ لِلوُثوبِ مِنَ الأَس ... رِ فَكَيفَ الخَلائِقُ العُقَلاءُ

يَحسَبُ الظالِمونَ أَن سَيَسودو ... نَ وَأَن لَن يُــــؤَيَّدَ الضُــــعَــــفــــاءُ

وَاللَيالي جَوائِرٌ مِثلَما جا ... روا وَلِلدَهرِ مِثلَهُم أَهواءُ

لَبِثَت مِصرُ في الظَلامِ إِلى أَن ... قيلَ ماتَ الصَباحُ وَالأَضواءُ

لَم يَكُن ذاكَ مِن عَمىً كُلُّ عَينٍ ... حَجَبَ اللَيلُ ضَوءَها عَمياءُ

ما نَراها دَعا الوَفاءُ بَنيها ... وَأَتاهُم مِنَ القُبورِ النِداءُ

لِيُزيحوا عَنها العِدا فَأَزاحوا ... وَأُزيحَت عَن جَفنِها الأَقذاءُ

وَأُعيدَ المَجدُ القَديمُ وَقامَت ... في مَعالي آبائِها الأَبناءُ

وَأَتى الدَهرُ تائِباً بِعَظيمٍ ... مِن عَظيمٍ آباؤُهُ عُظَماءُ

مَن كَرَمسيسَ في المُلوكِ حَديثاً ... وَلِرَمــــســــيــــسٍ المُــــلوكُ فِــــداءُ

بايَعَتهُ القُلوبُ في صُلبِ سيتي ... يَومَ أَن شاقَها إِلَيهِ الرَجاءُ

وَاِستَعدَّ العُبّادُ لِلمَولِدِ الأَك ... بَـــــرِ وَاِزَّيَّنـــــَت لَهُ الغَــــبــــراءُ

جَلَّ سيزوستَريسُ عَهداً وَجَلَّت ... فــــي صِــــباهُ الآياتُ وَالآلاءُ

فَسَمِعنا عَنِ الصَبِيِّ الَّذي يَع ... فو وَطَبعُ الصِبا الغَشومُ الإِباءُ

وَيَرى الناسَ وَالمُلوكَ سَواءً ... وَهَــــلِ النــــاسُ وَالمُلوكُ سَواءُ

وَأَرانا التاريخُ فِرعَونَ يَمشي ... لَم يَحُل دونَ بِشرِهِ كِبرِياءُ

يولَدُ السَيِّدُ المُتَوَّجُ غَضّاً ... طَهَّرَتهُ في مَهدِها النَعماءُ

لَم يُغَيِّرهُ يَومَ ميلادِهِ بُؤ ... سٌ وَلا نــــالَهُ وَليــــداً شَــــقــــاءُ

فَإِذا ما المُمَلِّقونَ تَوَلَّو ... هُ تَــــوَلَّى طِــــبــــاعَهُ الخُيَلاءُ

وَسَرى في فُؤادِهِ زُخرُفُ القَو ... لِ تَراهُ مُستَعذَباً وَهوَ داءُ

فَإِذا أَبيَضُ الهَديلِ غُرابٌ ... وَإِذا أَبــــلَجُ الصَباحِ مَساءُ

جَلَّ رَمسيسُ فِطرَةً وَتَعالى ... شيعَةً أَن يَقودَهُ السُفَهاءُ

وَسَما لِلعُلا فَنالَ مَكاناً ... لَم يَنَلهُ الأَمثالُ وَالنُظَراءُ

وَجُيوشٌ يَنهَضنَ بِالأَرضِ مَلكاً ... وَلِواءٌ مِــــن تَحتِهِ الأَحياءُ

وَوُجودٌ يُساسُ وَالقَولُ فيهِ ... ما يَقولُ القُضاةُ وَالحُكَماءُ

وَبِناءٌ إِلى بِناءٍ يَوَدُّ الخُل ... دُ لَو نــــالَ عُمرَهُ وَالبَقاءُ

وَعُلومٌ تُحيِ البِلادَ وَبِنتا ... هورُ فَخرُ البِلادِ وَالشُعَراءُ

إيهِ سيزوستَريسَ ماذا يَنالُ ال ... وَصفُ يَوماً أَو يَبلُغُ الإِطراءُ

كَبُرَت ذاتُكَ العَلِيَّةُ أَن تُح ... صي ثَناها الأَلقابُ وَالأَسماءُ

لَكَ آمـــــونُ وَالهِـــــلالُ إِذا يَــــك ... بُرُ وَالشَمسُ وَالضُحى آباءُ

وَلَكَ الريفُ وَالصَعيدُ وَتاجا ... مِصرَ وَالعَرشُ عالِياً وَالرِداءُ

وَلَكَ المُنشَآتُ في كُلِّ بَحرٍ ... وَلَكَ البَــــــرُّ أَرضُهُ وَالسَـــــمـــــاءُ

لَيتَ لَم يُبلِكَ الزَمانُ وَلَم يَب ... لَ لِمُلكِ البِلادِ فيكَ رَجاءُ

هَكَذا الدَهرُ حالَةٌ ثُمَّ ضِدٌّ ... ما لِحالٍ مَعَ الزَمانِ بَقاءُ

لا رَعاكَ التاريخُ يا يَومَ قَمبي ... زَ وَلا طَنطَنَت بِكَ الأَنباءُ

دارَتِ الدائِراتُ فــــيــــكَ وَنــــالَت ... هَذِهِ الأُمَّةَ اليَدُ العَسراءُ

فَمُبصِرٌ مِمّا جَنَيتَ لِمِصرٍ ... أَيُّ داءٍ مـــــــا إِن إِلَيـــــــهِ دَواءُ

نَــــكَدٌ خالِدٌ وَبُؤسٌ مُقيمٌ ... وَشَقاءٌ يَجُدُّ مِنهُ شَقاءُ

يَومَ مَنفيسَ وَالبِلادُ لِكِسرى ... وَالمُلوكُ المُطاعَةُ الأَعداءُ

يَأمُرُ السَيفُ في الرِقابِ وَيَنهى ... وَلِمِصرٍ عَلى القَذى إِغضاءُ

جيءَ بِالمالِكِ العَزيزِ ذَليلاً ... لَم تُــــزَلزِل فُــــؤادَهُ البَأساءُ

يُبصِرُ الآلَ إِذ يُراحُ بِهِم في ... مَوقِفِ الذُلِّ عَنوَةً وَيُجاءُ

بِنتُ فِرعَونَ في السَلاسِلِ تَمشي ... أَزعَجَ الدَهرُ عُريُها وَالحَفاءُ

فَكَأَن لَم يَنهَض بِهَودَجِها الدَه ... رُ وَلا سارَ خَلفَها الأُمَراءُ

وَأَبوها العَظيمُ يَنظُرُ لَمّا ... رُدِّيَت مِثلَما تُرَدّى الإِماءُ

أُعطِيَت جَرَّةً وَقيلَ إِلَيكِ الن ... نَهر قومي كَما تَقومُ النِساءُ

فَمَشَت تُظهِرُ الإِباءَ وَتَحمي الدَم ... عَ أَن تَـــــســـــتَــــرِقَّهــــُ الضَــــرّاءُ

وَالأَعــــادي شَواخِصٌ وَأَبوها ... بِيَدِ الخَطبِ صَخرَةٌ صَمّاءُ

فَأَرادوا لِيَنظُروا دَمعَ فِرعَو ... نَ وَفِرعَونُ دَمعُهُ العَنقاءُ

فَأَرَوهُ الصَديقَ في ثَوبِ فَقرٍ ... يَسأَلُ الجَمعَ وَالسُؤالُ بَلاءُ

فَبَكى رَحمَةً وَما كانَ مَن يَب ... كــــي وَلَكِــــنَّمــــا أَرادَ الوَفــــاءُ

هَكَذا المُلكُ وَالمُلوكُ وَإِن جا ... رَ زَمــــــــانٌ وَرَوَّعَـــــــت بَـــــــلواءُ

لا تَسَلني ما دَولَةُ الفُرسِ ساءَت ... دَولَةُ الفُرسِ في البِلادِ وَساؤوا

أُمَّةٌ هَمُّها الخَرائِبُ تُبلي ... هــــا وَحَــــقُّ الخَرائِبِ الإِعلاءُ

سَلَبَت مِصرَ عِزَّها وَكَسَتها ... ذِلَّةً ما لَها الزَمانَ اِنقِضاءُ

وَاِرتَوى سَيفُها فَعاجَلَها ال ... لَهُ بِــــسَــــيفٍ ما إِن لَهُ إِرواءُ

طِلبَةٌ لِلعِبادِ كانَت لِإِسكَن ... دَرَ في نَيلِها اليَدُ البَيضاءُ

شادَ إِسكَندَرٌ لِمِصرَ بِناءً ... لَم تَشِدهُ المُلوكُ وَالأُمَراءُ

بَــــلَداً يَرحَلُ الأَنامُ إِلَيهِ ... وَيَحُجُّ الطُلّابُ وَالحُكَماءُ

عاشَ عُمراً في البَحرِ ثَغرَ المَعالي ... وَالمَنارَ الَّذي بِهِ الاِهتِداءُ

مُطمَئِنّاً مِنَ الكَتائِبِ وَالكُت ... بِ بِما يَنتَهي إِلَيهِ العَلاءُ

يَبعَثُ الضَوءَ لِلبِلادِ فَتَسري ... في سَناهُ الفُهومُ وَالفُهَماءُ

وَالجَواري في البَحرِ يُظهِرنَ عِزَّ ال ... مُــــلكِ وَالبَحرُ صَولَةٌ وَثَراءُ

وَالرَعايا في نِعمَةٍ وَلِبَطلَي ... موسَ في الأَرضِ دَولَةٌ عَلياءُ

فَقَضى اللَهُ أَن تُضَيِّعَ هَذا ال ... مُلكَ أُنثى صَعبٌ عَلَيها الوَفاءُ

تَخِذَتها روما إِلى الشَرِّ تَمهي ... داً وَتَمهيدُهُ بِأُنثى بَلاءُ

فَتَناهى الفَسادُ في هَذِهِ الأَر ... ضِ وَجـــــازَ الأَبـــــالِسَ الإِغــــواءُ

ضَيَّعَت قَيصَرَ البَرِيَّةِ أُنثى ... يا لَرَبّي مِمّا تَجُرُّ النِساءُ

فَتَنَت مِنهُ كَهفَ روما المُرَجّى ... وَالحُــــســــامَ الَّذي بِهِ الاِتِّقــــاءُ

قاهِرَ الخَصمِ وَالجَحافِلِ مَهما ... جَدَّ هَولُ الوَغى وَجَدَّ اللِقاءُ

فَأَتاها مَن لَيسَ تَملُكُهُ أُن ... ثى وَلا تَستَرِقُّهُ هَيفاءُ

بَطَلُ الدَولَتَينِ حامى حِمى رو ... ما الَّذي لا تَقودُهُ الأَهواءُ

أَخَذَ المُلكَ وَهيَ في قَبضَةِ الأَف ... عى عَنِ المُلكِ وَالهَوى عَمياءُ

سَلَبَتها الحَياةَ فَاِعجَب لِرَقطا ... ءَ أَراحَت مِنها الوَرى رَقطاءُ

لَم تُصِب بِالخِداعِ نُجحاً وَلَكِن ... خَدَعوها بِقَولِهِم حَسناءُ

قَتَلَت نَفسَها وَظَنَّتــ فِداءً ... صَغُرَت نَفسُها وَقَلَّ الفِداءُ

سَل كِلوبَترَةَ المُكايِدِ هَلّا ... صَدَّها عَن وَلاءِ روما الدَهاءُ

فَــــبِــــروما تَأَيَّدَت وَبِروما ... هِيَ تَشقى وَهَكَذا الأَعداءُ

وَلِروما المُلكُ الَّذي طالَما وا ... فاهُ في السِرِّ نُصحُها وَالوَلاءُ

وَتَوَلَّت مِصراً يَمينٌ عَلى المِص ... رِيِّ مِــــن دونِ ذا الوَرى عَسراءُ

تُسمِعُ الأَرضُ قَيصَراً حينَ تَدعو ... وَعَقيمٌ مِن أَهلِ مِصرَ الدُعاءُ

وَيُنيلُ الوَرى الحُقوقَ فَإِن نا ... دَتــــهُ مِــــصــــرٌ فَــــأُذنُهُ صَمّاءُ

فَاِصبِري مِصرُ لِلبَلاءِ وَأَنّى ... لَكِ وَالصَــــبــــرُ لِلبَــــلاءِ بَــــلاءُ

ذا الَّذي كُنتِ تَلتَجينَ إِلَيهِ ... لَيسَ مِنهُ إِلى سِواهُ النَجاءُ

رَبِّ شُقتَ العِبادَ أَزمانَ لا كُت ... بٌ بِها يُهتَدى وَلا أَنبِياءُ

ذَهَبوا في الهَوى مَذاهِبَ شَتّى ... جَمَعَتها الحَقيقَةُ الزَهراءُ

فَــــإِذا لَقَّبــــوا قَــــوِيّاً إِلَها ... فَلَهُ بِالقُوى إِلَيكِ اِنتِهاءُ

وَإِذا آثَروا جَميلاً بِتَنزي ... هٍ فَإِنَّ الجَمالَ مِنكِ حِباءُ

وَإِذا أَنشَئوا التَماثيلَ غُرّاً ... فَــــإِلَيكِ الرُموزُ وَالإيماءُ

وَإِذا قَدَّروا الكَواكِبَ أَربا ... باً فَمِنكِ السَنا وَمِنكِ السَناءُ

وَإِذا أَلَّهوا النَباتَ فَمِن آ ... ثارِ نُعماكِ حُسنُهُ وَالنَماءُ

وَإِذا يَمَّموا الجِبالَ سُجوداً ... فَالمُرادُ الجَلالَةُ الشَمّاءُ

وَإِذا تُعبَدُ البِحارُ مَعَ الأَس ... ماكِ وَالعاصِفاتُ وَالأَنواءُ

وَسِباعُ السَماءِ وَالأَرضِ وَالأَر ... حــــــامُ وَالأُمَّهــــــاتُ وَالآبــــــاءُ

لِعُــــلاكَ المُــــذَكَّراتُ عَــــبــــيــــدٌ ... خُـــــضَّعـــــٌ وَالمُــــؤَنَّثــــاتُ إِمــــاءُ

جَمَعَ الخَلقَ وَالفَضيلَةَ سِرٌّ ... شَفَّ عَنهُ الحِجابُ فَهوَ ضِياءُ

سَجَدَت مِصرُ في الزَمانِ لِإيزي ... سَ النَدى مَن لَها اليَدُ البَيضاءُ

إِن تَلِ البَرَّ فَالبِلادُ نُضارٌ ... أَو تَلِ البَحرَ فَالرِياحُ رُخاءُ

أَو تَلِ النَفسَ فَهيَ في كُلِّ عُضوٍ ... أَو تَلِ الأُفقَ فَهيَ فيهِ ذُكاءُ

قيلَ إيزيسُ رَبَّةَ الكَونِ لَولا ... أَن تَــــوَحَّدتِ لَم تَــــكُ الأَشياءُ

وَاِتَّخَذتِ الأَنوارَ حُجباً فَلَم تُب ... صِــــركِ أَرضٌ وَلا رَأَتــــكِ سَــــمــــاءُ

أَنتِ ما أَظهَرَ الوُجودُ وَما أَخ ... فى وَأَنتِ الإِظهارُ وَالإِخفاءُ

لَكَ آبــــيــــسُ وَالمُــــحَبَّبُ أوزي ... ريسُ وَاِبناهُ كُلُّهُم أَولِياءُ

مُثِّلَت لِلعُيونِ ذاتُكِ وَالتَم ... ثيلُ يُدني مَن لا لَهُ إِدناءُ

وَاِدَّعاكِ اليونانُ مِن بَعدِ مِصرٍ ... وَتَلاهُ في حُبِّكِ القُدَماءُ

فَإِذا قيلَ ما مَفاخِرَ مِصرٍ ... قيلَ مِنها إيزيسُها الغَرّاءُ

رَبِّ هَذي عُقولُنا في صِباها ... نالَها الخَوفُ وَاِستَباها الرَجاءُ

فعَشِقناكَ قَبلَ أَن تَأتِيَ الرُس ... لُ وَقامَت بِحُبِّكَ الأَعضاءُ

وَوَصَلنا السُرى فَلَولا ظَلامُ ال ... جَهلِ لَم يَخطُنا إِلَيكِ اِهتِداءُ

وَاِتَّخَذنا الأَسماءَ شَتّى فَلَمّا ... جاءَ موسى اِنتَهَت لَكَ الأَسماءُ

حَجَّنا في الزَمانِ سِحراً بِسِحرٍ ... وَاِطمَأَنَّتـ إِلى العَصا السُعَداءُ

وَيُريدُ الإِلَهُ أَن يُكرَمَ العَق ... لُ وَأَلّا تُـــــــــــحَـــــــــــقَّرَ الآراءُ

ظَنَّ فِرعَونُ أَنَّ موسى لَهُ وا ... فٍ وَعِندَ الكِرامِ يُرجى الوَفاءُ

لَم يَكُن في حِسابِهِ يَومَ رَبّى ... أَن سَيَأتي ضِدَّ الجَزاءِ الجَزاءُ

فَــــــرَأى اللَهُ أَن يَــــــعِــــــقَّ وَلِلَّ ... هِ تَفي لا لِغَيرِهِ الأَنبِياءُ

مِصرُ موسى عِندَ اِنتِماءٍ وَموسى ... مِصرُ إِن كانَ نِسبَةٌ وَاِنتِماءُ

فَبِهِ فَخرُها المُؤَيَّدُ مَهما ... هُزَّ بِالسَيِّدِ الكَليمِ اللِواءُ

إِن تَكُن قَد جَفَتهُ في ساعَةِ الشَكِّ ... فَحَظُّ الكَبيرِ مِنها الجَفاءُ

خِلَّةٌ لِلبِلادِ يَشقى بِها النا ... سُ وَتَشقى الدِيارُ وَالأَبناءُ

فَكَبيرٌ أَلّا يُصانَ كَبيرٌ ... وَعَظيمٌ أَن يُنبَذَ العُظَماءُ

وُلِدَ الرِفقُ يَومَ مَولِدِ عيسى ... وَالمُروءاتُ وَالهُدى وَالحَياءُ

وَاِزدَهى الكَونُ بِالوَليدِ وَضاءَت ... بِسَناهُ مِنَ الثَرى الأَرجاءُ

وَسَرَت آيَةُ المَسيحِ كَما يَس ... ري مِنَ الفَجرِ في الوُجودِ الضِياءُ

تَملَأُ الأَرضَ وَالعَوالِمَ نوراً ... فَــــالثَــــرى مــــائِجٌ بَهاً وَضّاءُ

لا وَعيدٌ لا صَولَةٌ لا اِنتِقامُ ... لا حُسامٌ لا غَزوَةٌ لا دِماءُ

مَــــلَكٌ جــــاوَرَ التُــــرابَ فَلَمّا ... مَلَّ نابَت عَنِ التُرابِ السَماءُ

وَأَطاعَتهُ في الإِلَهِ شُيوخٌ ... خُــــشَّعــــٌ خُــــضَّعــــٌ لَهُ ضُــــعَفاءُ

أَذعَنَ الناسُ وَالمُلوكُ إِلى ما ... رَسَموا وَالعُقولُ وَالعُقَلاءُ

فَلَهُم وَقفَةٌ عَلى كُلِّ أَرضٍ ... وَعَـــــلى كُـــــلِّ شــــاطِــــئٍ إِرســــاءُ

دَخَلوا ثَيبَةً فَأَحسَنَ لُقيا ... هُم رِجالٌ بِثيبَةٍ حُكَماءُ

فَهِموا السِرَّ حينَ ذاقوا وَسَهلٌ ... أَن يَنالَ الحَقائِقَ الفُهَماءُ

فَإِذا الهَيكَلُ المُقَدَّسُ دَيرٌ ... وَإِذا الدَيــــــرُ رَونَـــــقٌ وَبَهـــــاءُ

وَإِذا ثَيبَةٌ لِعيسى وَمَنفي ... سُ وَنَيلُ الثَراءِ وَالبَطحاءُ

إِنَّما الأَرضُ وَالفَضاءُ لِرَبّي ... وَمُلوكُ الحَقيقَةِ الأَنبِياءُ

لَهُمُ الحُبُّ خالِصاً مِن رَعايا ... هُم وَكُلُّ الهَوى لَهُم وَالوَلاءُ

إِنَّما يُنكِرُ الدِياناتِ قَومٌ ... هُم بِما يُنكِرونَهُ أَشقِياءُ

هَرِمَت دَولَةُ القَياصِرِ وَالدَو ... لاتُ كَالناسِ داؤُهُنَّ الفَناءُ

لَيسَ تُغني عَنها البِلادُ وَلا ما ... لُ الأَقاليمِ إِن أَتاها النِداءُ

نالَ روما ما نالَ مِن قَبلُ آثي ... نا وَسيمَتهُ ثَيبَةُ العَصماءُ

سُنَّةُ اللَهِ في المَمالِكِ مِن قَب ... لُ وَمِن بَعدِ ما لِنُعمى بَقاءُ

أَظلَمَ الشَرقُ بَعدَ قَيصَرَ وَالغَر ... بُ وَعَـــــمَّ البَـــــرِيَّةــــَ الإِدجــــاءُ

فَالوَرى في ضَلالِهِ مُتَمادٍ ... يَفتُكُ الجَهلُ فيهِ وَالجُهَلاءُ

عَــــرَّفَ اللَهَ ضِــــلَّةً فَهــــوَ شَخصٌ ... أَو شِهــــابٌ أَو صَــــخــــرَةٌ صَمّاءُ

وَتَوَلّى عَلى النُفوسِ هَوى الأَو ... ثانِ حَتّى اِنتَهَت لَهُ الأَهواءُ

فَرَأى اللَهُ أَن تُطَهَّرَ بِالسَي ... فِ وَأَن تَغسِلَ الخَطايا الدِماءُ

وَكَــــذاكَ النُفوسُ وَهيَ مِراضٌ ... بَعضُ أَعضائِها لِبَعضٍ فِداءُ

لَم يُعادِ اللَهُ العَبيدَ وَلَكِن ... شَقِيَت بِالغَباوَةِ الأَغبِياءُ

وَإِذا جَــــــلَّتِ الذُنـــــوبُ وَهـــــالَت ... فَمِنَ العَدلِ أَن يَهولَ الجَزاءُ

أَشرَقَ النورُ في العَوالِمِ لَمّا ... بَشَّرَتها بِأَحمَدَ الأَنباءُ

بِاليَتيمِ الأُمِّيِّ وَالبَشَرِ المو ... حى إِلَيهِ العُلومُ وَالأَسماءُ

قُوَّةُ اللَهِ إِن تَوَلَّت ضَعيفاً ... تَعِبَت في مِراسِهِ الأَقوِياءُ

أَشرَفُ المُرسَلينَ آيَتُهُ النُط ... قُ مُبيناً وَقَومُهُ الفُصَحاءُ

لَم يَفُه بِالنَوابِغِ الغُرِّ حَتّى ... سَبَقَ الخَلقَ نَحوَهُ البُلَغاءُ

وَأَتَتهُ العُقولُ مُنقادَةَ اللُب ... بِ وَلَبّى الأَعوانُ وَالنُصَراءُ

جاءَ لِلناسِ وَالسَرائِرُ فَوضى ... لَم يُـــــؤَلِّف شَـــــتـــــاتُهُـــــنّ لِواءُ

وَحِمى اللَهُ مُستَباحٌ وَشَرعُ ال ... لَهِ وَالحَــــــــقُّ وَالصَــــــــوابُ وَراءُ

فَــــلِجِــــبــــريــــلَ جَيئَةٌ وَرَواحٌ ... وَهُبوطٌ إِلى الثَرى وَاِرتِقاءُ

يُحسَبُ الأُفقُ في جَناحَيهِ نورٌ ... سُلِبَتهُ النُجومُ وَالجَوزاءُ

تِلكَ آيُ الفُرقانِ أَرسَلَها ال ... لَهُ ضِياءً يَهدي بِهِ مَن يَشاءُ

نَسَخَت سُنَّةَ النَبِيّينَ وَالرُس ... لِ كَما يَنسَخُ الضِياءَ الضِياءُ

وَحَــــمــــاها غُرٌّ كِرامٌ أَشِدّا ... ءُ عَلى الخَصمِ بَينَهُم رُحَماءُ

أُمَّةٌ يَنتَهي البَيانُ إِلَيها ... وَتَــــؤولُ العُــــلومُ وَالعُــــلَمــــاءُ

جازَتِ النَجمَ وَاِطمَأَنَّتـ بِأُفقٍ ... مُطمَئِنٍّ بِهِ السَنا وَالسَناءُ

كُــــلَّمــــا حَــــثَّتِ الرِكابَ لِأَرضٍ ... جاوَرَ الرُشدُ أَهلَها وَالذَكاءُ

وَعَلا الحَقُّ بَينَهُم وَسَما الفَض ... لُ وَنالَت حُقوقَها الضُعَفاءُ

تَحمِلُ النَجمَ وَالوَسيلَةَ وَالمي ... زانَ مِن دينِها إِلى مَن تَشاءُ

وَتُنيلُ الوُجودَ مِنهُ نِظاماً ... هُوَ طِبُّ الوُجودِ وَهوَ الدَواءُ

يَرجِعُ الناسُ وَالعُصورُ إِلى ما ... سَــــنَّ وَالجــــاحِــــدونَ وَالأَعــــداءُ

فيهِ ما تَشتَهي العَزائِمُ إِن هَم ... مَ ذَووها وَيَشتَهي الأَذكِياءُ

فَلِمَن حاوَلَ النَعيمَ نَعيمٌ ... وَلِمَن آثَرَ الشَقاءَ شَقاءُ

أَيَرى العُجمُ مِن بَني الظِلِّ وَالما ... ءِ عَجيباً أَن تُنجِبَ البَيداءُ

وَتُثيرُ الخِيامُ آسادَ هَيجا ... ءَ تَراها آسادَها الهَيجاءُ

ما أَنافَت عَلى السَواعِدِ حَتّى ال ... أَرضُ طُرّاً في أَسرِها وَالفَضاءُ

تَشهَدُ الصينُ وَالبِحارُ وَبَغدا ... دُ وَمِصرٌ وَالغَربُ وَالحَمراءُ

مَن كَعَمرِو البِلادِ وَالضادُ مِمّا ... شادَ فيها وَالمِلَّةُ الغَرّاءُ

شادَ لِلمُسلِمينَ رُكناً جَساماً ... ضــــافِــــيَ الظِلِّ دَأبُهُ الإيواءُ

طالَما قامَتِ الخِلافَةُ فيهِ ... فَاِطمَأَنَّتــ وَقامَتِ الخُلَفاءُ

وَاِنتَهى الدينُ بِالرَجاءِ إِلَيهِ ... وَبَنو الدينِ إِذ هُمُ ضُعَفاءُ

مَن يَصُنهُ يَصُن بَقِيَّةَ عِزٍّ ... غَيَّضَ التُركُ صَفوَهُ وَالثَواءُ

فَاِبكِ عَمَراً إِن كُنتَ مُنصِفَ عَمرو ... إِنَّ عُــــــمَــــــراً لَنَــــــيِّرٌ وَضّــــــاءُ

جادَ لِلمُسلِمينَ بِالنيلِ وَالني ... لُ لِمَن يَقتَنيهِ أَفريقاءُ

فَهيَ تَعلو شَأناً إِذا حُرِّرَ الني ... لُ وَفـــــــي رِقِّهـــــــِ لَهــــــا إِزراءُ

وَاِذكُرِ الغُرَّ آلَ أَيّوبَ وَاِمدَح ... فَــــمِنَ المَدحِ لِلرِجالِ جَزاءُ

هُم حُماةُ الإِسلامِ وَالنَفَرُ البي ... ضُ المُلوكُ الأَعِزَّةُ الصُلَحاءُ

كُلَّ يَومٍ بِالصالِحِيَّةِ حِصنٌ ... وَبِبُلبَيسَ قَلعَةٌ شَمّاءُ

وَبِــــمِصرٍ لِلعِلمِ دارٌ وَلِلضَي ... فانِ نارٌ عَظيمَةٌ حَمراءُ

وَلِأَعـــــداءِ آلِ أَيّـــــوبَ قَـــــتـــــلٌ ... وَلِأَســــــراهُــــــمُ قِـــــرىً وَثَـــــواءُ

يَعرِفُ الدينُ مَن صَلاحٌ وَيَدري ... مَن هُوَ المَسجِدانِ وَالإِسراءُ

إِنَّهُ حِصنُهُ الَّذي كانَ حِصناً ... وَحُماهُ الَّذي بِهِ الاِحتِماءُ

يَومَ سارَ الصَليبُ وَالحامِلوهُ ... وَمَشى الغَربُ قَومُهُ وَالنِساءُ

بِنُفوسٍ تَجولُ فيها الأَماني ... وَقُلوبٍ تَثورُ فيها الدِماءُ

يُضمِرونَ الدَمارَ لِلحَقِّ وَالنا ... سِ وَدينِ الَّذينَ بِالحَقِّ جاؤوا

وَيَهُــــدّونَ بِــــالتِــــلاوَةِ وَالصُــــل ... بانِ ما شادَ بِالقَنا البَنّاءُ

فَــــتَــــلَقَّتــــهُــــمُ عَــــزائِمُ صِــــدقٍ ... نُصَّ لِلدينِ بَينَهُنَّ خِباءُ

مَزَّقَت جَمعَهُم عَلى كُلِّ أَرضٍ ... مِثلَما مَزَّقَ الظَلامَ الضِياءُ

وَسَــــبَت أَمرَدَ المُلوكِ فَرَدَّت ... هُ وَما فيهِ لِلرَعايا رَجاءُ

وَلَو أَنَّ المَــــليــــكَ هيبَ أَذاهُ ... لَم يُخَلِّصهُ مِن أَذاها الفِداءُ

هَكَذا المُسلِمونَ وَالعَرَبُ الخا ... لونَ لا ما يَقولُهُ الأَعداءُ

فَبِهِم في الزَمانِ نِلنا اللَيالي ... وَبِهِم في الوَرى لَنا أَنباءُ

لَيسَ لِلذُلِّ حيلَةٌ في نُفوسٍ ... يَستَوي المَوتُ عِندَها وَالبَقاءُ

وَاِذكُرِ التُركَ إِنَّهُم لَم يُطاعوا ... فَيَرى الناسُ أَحسَنوا أَم أَساؤوا

حَكَمَت دَولَةُ الجَراكِسِ عَنهُمُ ... وَهيَ في الدَهرِ دَولَةٌ عَسراءُ

وَاِستَبَدَّت بِالأَمرِ مِنهُم فَبا ... شا التُركِ في مِصرَ آلَةٌ صَمّاءُ

يَأخُذُ المالَ مِن مَواعيدَ ما كا ... نوا لَها مُنجِزينَ فَهيَ هَباءُ

وَيَسومونَهُ الرِضا بِأُمورٍ ... لَيسَ يَرضى أَقَلَّهُنَّ الرَضاءُ

فَيُداري لِيَعصِمَ الغَدَ مِنهُم ... وَالمُــــداراةُ حِــــكــــمَةٌ وَدَهاءُ

وَأَتى النَسرُ يَنهَبُ الأَرضَ نَهباً ... حَولَهُ قَومُهُ النُسورُ ظِماءُ

يَشتَهي النيلَ أَن يُشيدَ عَلَيهِ ... دَولَةً عَرضُها الثَرى وَالسَماءُ

حَلُمَت رومَةٌ بِها في اللَيالي ... وَرَآها القَياصِرُ الأَقوِياءُ

فَأَتَت مِصرَ رُسلُهُم تَتَوالى ... وَتَرامَت سودانَها العُلَماءُ

وَلَوِ اِستَشهَدَ الفَرَنسيسُ روما ... لَأَتَتهُم مِن رومَةَ الأَنباءُ

عَــــلِمَــــت كُــــلُّ دَولَةٍ قَد تَوَلَّت ... أَنَّنــــا سُمُّها وَأَنّا الوَباءُ

قاهِرُ العَصرِ وَالمَمالِكِ نابِل ... يــــونُ وَلَّت قُــــوّادُهُ الكُــــبَــــراءُ

جاءَ طَيشاً وَراحَ طَيشاً وَمِن قَب ... لُ أَطاشَت أُناسَها العَلياءُ

سَكَتَت عَنهُ يَومَ عَيَّرَها الأَه ... رامُ لَكِن سُكوتُها اِستِهزاءُ

فَهيَ توحي إِلَيهِ أَن تِلكَ واتِر ... لو فَأَينَ الجُيوشُ أَينَ اللِواءُ

وأتى المنتمي لأمة عثما ... ن عليٌّ:ــ من يعرف الأحياء

ملك الحلم والعزائم إن عد ... دت مــــلوك الزمــــان والأمــــراء

رام بالريف والصعيد أمورا ... لم تنل كنه غورها الاغبياء

رام تاجيهما وعرش المعالي ... ويروم العظائم العظماء

أمل ابيض الخلال رفيع ... صغرته الأذلة الأشقياء

فكفاه أن جاء ميتا فأحيا ... وكفى مصر ذلك الإحياء

واذكر العادل الكريم سعيدا ... إن قوما له انتموا سعداء

المهيب اللواء في السيف والس ... لم المفدى فما له اعداء

عـــــربـــــي زمـــــانـــــه عــــمــــري ... عهده فيه رحمة ووفاء

مثلما شاءت الرامل والأي ... تام والبائسون والضعفاء

جمع الزاخرين كرها فلا كا ... نا ولا كان ذلك الإلتقاء

أحمر عند أبيض للبرايا ... حصة القطر منهما سوداء

وغزير الهدى من الحمد والتو ... فيق صيغت لذاته الأسماء

بثت العدل راحتاه وعزت ... في حماه العلوم والعلماء

إن أتاها فليس فيها بباد ... أو جناها فذا الورى شركاء

أخطا الأقربون موضعها الدا ... ني وفازت بنيله البعداء

لا يلم بعضكم على الخطب بعضا ... أيها القوم كلكم أبرياء

ضلة زانها الشقاء لمصر ... ومن الذنب ما يجيء الشقاء

وقضى الله للعزيز بنصر ... فأتى نصره وكان القضاء

يا عزيز الأنام والعصر سمعا ... فلقد شاق منطقي الإصغاء

إن عصرا مولاي فيه المرجى ... أنا فيه القريض والشعراء

هذه حكمتي وهذا بياني ... لي به نحو راحتيك ارتقاء

ألثم السدة التي إن أنلها ... تهو فيها وتسجد الجوزاء

سائلا أن تعيش مصر ويبقى ... لك منها ومن بنيها الولاء

كيف تشقى بحب حلمي بلاد ... نحن أسيافها وحلمي المضاء

البحر والقافية

القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.

تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف الهمزة، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:

  • البيداء: (لُبَدٌا) أَيْضًا عَلَى وَزْنٍ فُعَلٍ، مِنْ أَلَبَدَ بِالْمَكَانِ، إِذَا أَقَامَ، وَالْأَسَدُ ذُو لِبْدَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ قَطِيفَتَهُ تَتَلَبَّدُ عَلَيْهِ، لِكَثْرَةِ الدِّمَاءِ الَّتِي يَلَغُ فِيهَا. قَالَ الْأَعْشَى: … (مقاييس اللغة)
  • الحداء: حدأ: الحِدَأَةُ: طَائِرٌ يَطِير يَصِيدُ الجِرْذان، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ كَانَ يَصِيدُ عَلَى عَهد سُلَيْمان، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَ مِنْ أَصْيدِ الجَوارِح، فانْقَطَع عَنْهُ الص … (لسان العرب)
  • الخفاء: خفأ: خَفَأَ الرَّجُلَ خَفْأً: صَرَعَه، وَفِي التَّهْذِيبِ: اقْتَلعه وضَرب بِهِ الأَرضَ. وخَفَأَ فُلَانٌ بَيْتَه: قوَّضَه وأَلْقاه. (لسان العرب)
  • الخي: ألخ: ائْتَلَخَ عَلَيْهِمْ أَمرُهم ائْتِلاخاً: اخْتَلَطَ. وَيُقَالُ: وَقَعُوا فِي ائْتِلاخ أَي فِي اخْتِلَاطٍ. اللَّيْثُ: ائْتَلَخَ العُشْبُ يأْتَلِخُ، وائْتِلاخُه: عِظمُه وَطُولُهُ وَالْتِفَافُهُ. وأَرض مؤْتَلِخة: مُعْشِ … (لسان العرب)
  • العباب: عبب: العَبُّ: شُرْبُ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ مَصٍّ؛ وَقِيلَ: أَن يَشْرَبَ الماءَ وَلَا يَتَنَفَّس، وَهُوَ يُورِثُ الكُبادَ. وَقِيلَ: العَبُّ أَن يَشْرَبَ الماءَ دَغْرَقَةً بِلَا غَنَثٍ. الدَّغْرَقَةُ: أَن يَصُبَّ الماءَ مَر … (لسان العرب)
  • المارقون: أرق: الأَرَقُ: السَّهَرُ. وقد أَرِقْت، بالكسر، أَي سَهِرْت، وكذلك ائتَرَقْت على افْتَعَلْت، فأَنا أَرِقٌ. التهذيب: الأَرَقُ ذهاب النوم بالليل، وفي المحكم: ذهاب النوم لعلة. يقال: أَرِقْت آرَقُ. ويقال: أَرِقَ أَرَقاً، فهو … (لسان العرب)
  • حماتها: حمت: يومٌ حَمْتٌ، بالتسكين: شديد الحرّ، وليلة حَمْتَةٌ، ويومٌ مَحْتٌ، وليلة مَحْتَةٌ. وقد حَمُتَ يومُنا، بالضم، إِذا اشتدّ حرّه. وقد حَمُتَ ومَحُتَ: كلُّ هذا في شدة الحرّ؛ وأَنشد شمر: من سافِعاتٍ، وهَجيرٍ حَمْتِ أَبو عمر … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • سلو قلبي غداة سلا وثابا
  • قصيدة
  • سلام من صبا بردى أرق
  • أحب أشوفك كل يوم
  • ريم على القاع بين البان و العلم
  • قم للمعلم وفه التبجيلا
  • سلام من صبا بردى أرق
  • ولد الهدى فالكائنات ضياء