عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
الشاعر: بدر شاكر السياب · البحر: الرجز · الغرض: قصيدة غزل
هذه القصيدة من شعر بدر شاكر السياب، من العصر الحديث، وتقع في 60 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر ... أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم ... وترقص الأضواء كالأقمار في نهر
يرجه المجداف وهنا ساعة السحر ... كأنما تنبض في غوريهما النجوم
وتغرقان في ضباب من أسى شفيف ... كالبحر سرح اليدين فوقه المساء
دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف ... والموت والميلاد والظلام والضياء
فتستفيق ملء روحي رعشة البكاء ... كنشوة الطفل إذا خاف من القمر
كأن أقواس السحاب تشرب الغيوم ... وقطرة فقطرة تذوب في المطر
وكركر الأطفال في عرائش الكروم ... ودغدغت صمت العصافير على الشجر
أنشودة المطر ... مطر
مطر ... مطر
تثاءبي المساء والغيوم ما تزال ... تسح ما تسح من دموعها الثقال
كأن طفلا بات يهذي قبل أن ينام ... بأن أمه التي أفاق منذ عام
فلم يجدها ثم حين لج في السؤال ... قالوا له بعد غد تعود
لابد أن تعود ... وإن تهامس الرفاق أنها هناك
في جانب التل تنام نومة اللحود ... تسف من ترابها وتشربي المطر
كأن صيادا حزينا يجمع الشباك ... ويلعن المياه والقدر
و ينثر الغناء حيث يأفل القمر ... المطر
المطر ... أتعلمين أي حزن يبعث المطر
وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر ... وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع
بلا انتهاء كالدم المراق كالجياع ... كالحب كالأطفال كالموتى هو المطر
ومقلتاك بي تطيفان مع المطر ... وعبر أمواج الخليج تمسح البروق
سواحل العراق بالنجوم والمحار ... كأنها تهم بالبروق
فيسحب الليل عليها من دم دثار ... اصح بالخيلج يا خليج
يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى ... فيرجع الصدى
كأنه النشيج ... يا خليج
يا واهب المحار والردى ... أكاد أسمع العراق يذخر الرعود
ويخزن البروق في السهول والجبال ... حتى إذا ما فض عنها ختمها الرجال
لم تترك الرياح من ثمود ... في الواد من اثر
أكاد اسمع النخيل يشرب المطر ... واسمع القرى تئن والمهاجرين
يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع ... عواصف الخليج والرعود منشدين
مطر ... مطر
مطر ... وفي العراق جوع
وينثر الغلال فيه موسم الحصاد ... لتشبع الغربان والجراد
وتطحن الشوان والحجر ... رحى تدور في الحقول حولها بشر
مطر ... مطر
مطر ... وكم ذرفنا ليلة الرحيل من دموع
ثم اعتللنا خوف أن نلام بالمطر ... مطر
مطر ... ومنذ أن كنا صغارا كانت السماء
تغيم في الشتاء ... و يهطل المطر
وكل عام حين يعشب الثرى نجوع ... ما مر عام والعراق ليس فيه جوع
مطر ... مطر
مطر ... في كل قطرة من المطر
حمراء أو صفراء من أجنة الزهر ... وكل دمعة من الجياع والعراة
وكل قطرة تراق من دم العبيد ... فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد
أو حلمة توردت على الوليد ... في عالم الغد الفتي واهب الحياة
مطر ... مطر
مطر ... سيعشب العراق بالمطر
أصيح بالخليج يا خليج ... يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى
فيرجع الصدى ... كأنه النشيج
يا خليج ... يا واهب المحار والردى
وينثر الخليج من هباته الكثار ... على الرمال رغوه الاجاج والمحار
وما تبقى ن عظام بائس غريق ... من المهاجرين ظل يشرب الردى
من لجة الخليج والقرار ... وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيق
من زهرة يربها الرفات بالندى ... واسمع الصدى
يرن في الخليج ... مطر
مطر ... مطر
في كل قطرة من المطر ... حمراء أو صفراء من أجنة الزهر
وكل دمعة من الجياع والعراة ... وكل قطرة تراق من دم العبيد
فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد ... أو حلمة توردت على فم الوليد
في عالم الغد الفتي واهب الحياة ... ويهطل المطر
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الكروم: روم: رَامَ الشيءَ يَرومُهُ رَوْماً ومَراماً: طَلَبَهُ، وَمِنْهُ رَوْمُ الْحَرَكَةِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَالْمَجْرُورِ؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: أَما الَّذِينَ رَامُوا الْحَرَكَةَ فإِنه دَعَاهُمْ إِلى ذَلِكَ الحِرْ … (لسان العرب)
- المجداف: جدف: جَدَفَ الطائِرُ يَجْدِفُ جُدُوفاً إِذَا كَانَ مَقْصُوصَ الْجَنَاحَيْنِ فرأَيته إِذَا طَارَ كأَنه يَرُدُّهما إِلَى خَلْفه؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِلْفَرَزْدَقِ: وَلَوْ كنتُ أَخْشى خَالِدًا أَنْ يَرُوعَني، ... لَطِرْت … (لسان العرب)
- تبسمان: بسم: بَسَمَ يَبْسِم بَسْماً وابْتَسَمَ وتَبَسَّم: وَهُوَ أَقلُّ الضَّحِك وأَحَسنُه. وَفِي التَّنْزِيلِ: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: التَّبَسُّم أكثرُ ضَحِك الأَنبياء، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالس … (لسان العرب)
- تشرب: شرب: الشَّرْبُ: مَصْدَرُ شَرِبْتُ أَشْرَبُ شَرْباً وشُرْباً. ابْنُ سِيدَهْ: شَرِبَ الماءَ وَغَيْرَهُ شَرْباً وشُرْباً وشِرْباً؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ … (لسان العرب)
- تنبض: نبض: نَبَضَ العِرْقُ يَنْبِضُ نَبْضاً ونَبَضاناً: تَحَرَّكَ وضرَب. والنّابِضُ: العَصَبُ، صِفةٌ غالبةٌ. والمَنابِضُ: مَضارِبُ الْقَلْبِ. ونَبَضَتِ الأَمْعاء تَنْبِضُ: اضْطَرَبَت؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي: ثُمَّ بَدَتْ تَنْبِ … (لسان العرب)
- تورق: ورق: الوَرَقُ: وَرَقُ الشَّجَرَةِ وَالشَّوْكِ. والوَرَقُ: مِنْ أَوْراق الشَّجَرِ والكِتاب، الْوَاحِدَةُ وَرَقةٌ. ابْنُ سِيدَهْ: الوَرَقُ مِنَ الشَّجَرِ مَعْرُوفٌ، وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الوَرَقُ كُلُّ مَا تَبَسَّطَ تَبَ … (لسان العرب)
- دفء: (دَفَّ) الدَّالُ وَالْفَاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا [يَدُلُّ] عَلَى عِرَضٍ فِي الشَّيْءِ، وَالْآخَرُ عَلَى سُرْعَةٍ. فَالْأَوَّلُ الدَّفُّ، وَهُوَ الْجَنْبُ. وَدَفَّا الْبَعِيرِ: جَنْبَاهُ. قَالَ: لَهُ عُنُقٌ تُلْوِي بِمَ … (مقاييس اللغة)
- سرح: سرح: السَّرْحُ: المالُ السَّائِمُ. اللَّيْثُ: السَّرْحُ المالُ يُسامُ فِي الْمَرْعَى مِنَ الأَنعام. سَرَحَتِ الماشيةُ تَسْرَحُ سَرْحاً وسُرُوحاً: سامتْ. وسَرَحها هُوَ: أَسامَها، يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى؛ قَالَ أَبو ذؤ … (لسان العرب)