من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار الصّمّة القشيريّ ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو الصّمّة بن عبد اللّه بن الطّفيل بن قرّة بن هبيرة بن عامر بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار.
شاعر إسلاميّ بدويّ مقلّ، من شعراء الدولة الأمويّة. ولجدّه قرّة بن هبيرة صحبة بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو أحد وفود العرب الوافدين عليه صلى اللّه عليه وسلم وآله.
أخبرني بخبره عبيد اللّه بن محمد الرّازي وعمّي قالا حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائني عن أبي بكر الهذليّ وابن دأب وغيرهما من الرّواة قالوا: وفد قرّة بن هبيرة بن عامر بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأسلم، وقال له: يا رسول اللّه، إنا كنا نعبد الآلهة لا تنفعنا ولا تضرّنا؛ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «نعم ذا عقلا».
وقال ابن دأب: وكان من خبر الصّمّة أنه هوي امرأة من قومه ثم من بنات عمّه دنية يقال لها العامريّة بنت غطيف بن حبيب بن قرّة بن هبيرة؛ فخطبها إلى أبيها فأبى أن يزوّجه إياها؛ وخطبها عامر بن بشر بن أبي براء بن مالك بن ملاعب الأسنّة بن جعفر بن كلاب، فزوّجه إياها. وكان عامر قصيرا قبيحا؛ فقال الصّمّة بن عبد اللّه في ذلك:
فإن تنكحوها عامرا لاطّلاعكمإليه يدهدهكم برجليه عامر
شبّهه بالجعل الذي يدهده البعرة برجليه.
قال: فلما بنى بها زوجها، وجد الصّمّة بها وجدا شديدا وحزن عليها؛ فزوّجه أهله امرأة منهم يقال لها جبرة بنت وحشيّ بن الطّفيل بن قرّة بن هبيرة؛ فأقام عليها مقاما يسيرا، ثم رحل إلى الشأم غضبا على قومه، وخلّف امرأته فيهم، وقال لها:
كلي التمر حتى تهرم النخل واضفريخطامك ما تدرين ما اليوم من أمس
وقال فيها أيضا:
لعمري لئن كنتم على النأى والقلىبكم مثل ما بي إنكم لصديق
إذا زفرات الحبّ صعّدن في الحشىرددن ولم تنهج لهنّ طريق
وقال فيها أيضا:
إذا ما أتتنا الريح من نحو أرضكمأتتنا بريّاكم فطاب هبوبها
أتتنا بريح المسك خالط عنبراوريح الخزامى باكرتها جنوبها
وقال فيها أيضا:
هل تجزينّي العامريّة موقفيعلى نسوة بين الحمى وغضى الجمر
مررن بأسباب الصّبا فذكرنهافأو مأت إذ ما من جواب ولا نكر
وقال ابن دأب: وأخبرني جماعة من بني قشير أنّ الصّمّة خرج في غزيّ من المسلمين إلى بلد الدّيلم فمات بطبرستان.
قال ابن دأب: وأنشدني جماعة من بني قشير للصّمّة:
صوت
ألا تسألان اللّه أن يسقي الحمىبلى فسقى اللّه الحمى والمطاليا
وأسأل من لاقيت هل مطر الحمىفهل يسألن عنّي الحمى كيف حاليا
الغناء في هذين البيتين لإسحاق، ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى، وهو من مختار الأغاني ونادرها.
أخبرني محمد بن خلف وكيع وعمّي قالا حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال قال عبد اللّه بن محمد بن إسماعيل الجعفريّ حدّثنا عبد اللّه بن إسحاق الجعفريّ عن عبد العزيز بن أبي ثابت قال حدّثني رجل من أهل طبرستان كبير السنّ قال: بينا أنا يوما أمشي في ضيعة لي فيها ألوان من الفاكهة والزعفران وغير ذلك من الأشجار، إذ أنا بإنسان في البستان مطروح عليه أهدام خلقان، فدنوت منه فإذا هو يتحرّك ولا يتكلّم، فأصغيت إليه فإذا هو يقول بصوت خفيّ:
تعزّ بصبر لا وجدّك لا ترىبشام الحمى أخرى الليالي الغوابر
كأنّ فؤادي من تذكّره الحمىوأهل الحمى يهفو به ريش طائر
قال: فما زال يردّد هذين البيتين حتى فاضت نفسه؛ فسألت عنه فقيل لي: هذا الصّمّة بن عبد اللّه القشيريّ.
أخبرني عمّي قال حدّثنا الخرّاز أحمد بن الحارث قال: كان ابن الأعرابيّ يستحسن قول الصمة:
صوت
أما وجلال اللّه لو تذكريننيكذكريك ما كفكفت للعين مدمعا
فقالت بلى واللّه ذكرا لو أنّهيصبّ على صمّ الصّفا لتصدّعا
- غنّى في هذين البيتين عبيد اللّه بن أبي غسّان ثاني ثقيل بالوسطى. وفيهما لعريب خفيف رمل -:
ولمّا رأيت البشر قد حال بينناوجالت بنات الشوق في الصدر نزّعا
تلفّتّ نحو الحيّ حتى وجدتنيوجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا
أخبرني أبو الطيّب بن الوشّاء قال: قال لي إبراهيم بن محمد بن سليمان الأزديّ: لو حلف حالف أنّ أحسن أبيات قيلت في الجاهليّة والإسلام في الغزل قول الصّمّة القشيريّ ما حنث:
حننت إلى ريّا ونفسك باعدتمزارك من ريّا وشعباكما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعاوتجزع أن داعي الصبابة أسمعا
بكت عيني اليمنى فلما زجرتهاعن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
صوت
وأذكر أيّام الحمى ثم أنثنيعلى كبدي من خشية أن تصدّعا
فليست عشيّات الحمى برواجععليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
غنّت في هذين البيتين قرشيّة الزّرقاء لحنا من الثقيل الأوّل عن الهشاميّ. وهذه الأبيات التي أوّلها «حننت إلى ريّا» تروى لقيس بن ذريح في أخباره وشعره بأسانيد قد ذكرت في مواضعها، ويروى بعضها للمجنون في أخباره بأسانيد قد ذكرت أيضا في أخباره. والصحيح في البيتين الأوّلين أنهما لقيس بن ذريح وروايتهما له أثبت، وقد تواترت الروايات بأنهما له من عدّة طرق؛ والأخر مشكوك فيها أهي للمجنون أم للصّمّة.
أنشدنا محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم للصّمّة القشيريّ قال: وكان أبو حاتم يستجيدهما، وأنشدنيهما عمّي عن الكرانيّ عن أبي حاتم، وأنشدنيهما الحسن بن عليّ عن ابن مهرويه عن أبي حاتم:
إذا نأت لم تفارقني علاقتهاوإن دنت فصدود العاتب الزّاري
فحال عيني من يوميك واحدةتبكي لفرط صدود أو نوى دار
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال حدّثنا عبيد اللّه بن إسحاق بن سلّام قال حدّثني أبي عن شعيب بن صخر عن بعض بني عقيل قال: مررت بالصّمّة بن عبد اللّه القشيريّ يوما وهو جالس وحده يبكي ويخاطب نفسه ويقول: لا واللّه ما صدقتك فيما قالت؛ فقلت: من تعني؟ ويحك! أجننت! قال: أعني التي أقول فيها:
أما وجلال اللّه لو تذكريننيكذكريك ما كفكفت للعين مدمعا
فقالت بلى واللّه ذكرا لو أنّهيصبّ على صمّ الصّفا لتصدعا
أسلي نفسي عنها وأخبرها أنها لو ذكرتني كما قالت لكانت في مثل حالي.
أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني مسعود بن عيسى بن إسماعيل العبدي عن موسى بن عبد اللّه التّيميّ قال.
خطب الصّمّة القشيريّ بنت عمّه وكان لها محبّا، فاشتطّ عليه عمّه في المهر؛ فسأل أباه أن يعاونه وكان كثير المال فلم يعنه بشي ء؛ فسأل عشيرته فأعطوه؛ فأتى بالإبل عمّه؛ فقال: لا أقبل هذه في مهر ابنتي، فاسأل أباك أن يبدلها لك؛ فسأل ذلك أباه فأبى عليه؛ فلما رأى ذلك من فعلهما قطع عقلها وخلّاها، فعاد كلّ بعير منها إلى ألّافه.
وتحمّل الصّمّة راحلا. فقالت بنت عمه حين رأته يتحمّل: تاللّه ما رأيت كاليوم رجلا باعته عشيرته بأبعرة. ومضى من وجهه حتى لحق بالثغر؛ فقال وقد طال مقامه واشتاقها وندم على فعله:
أتبكي على ريّا ونفسك باعدتمزارك من ريّا وشعباكما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعاوتجزع أنّ داعي الصبابة أسمعا
وقد أخبرني بهذا الخبر جعفر بن قدامة قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عديّ: أن الصّمّة خطب ابنة عمّه هذه إلى أبيها؛ فقال له: لا أزوّجكها إلا على كذا وكذا من الإبل؛ فذهب إلى أبيه فأعلمه بذلك وشكا إليه ما يجد بها؛ فساق الإبل عنه إلى أخيه؛ فلما جاء بها عدّها عمّه فوجدها تنقص بعيرا، فقال: لا آخذها إلا كاملة؛ فغضب أبوه وحلف لا يزيده على ما جاء به شيئا. ورجع إلى الصّمّة؛ فقال له: ما وراءك؟ فأخبره؛ فقال: تاللّه ما رأيت قطّ ألأم منكما جميعا؛ وإني لألأم منكما إن أقمت بينكما؛ ثم ركب ناقته ورحل إلى ثغر من الثغور، فأقام به حتى مات. وقال في ذلك:
أمن ذكر دار بالرّقاشين أصبحتبها عاصفات الصيف بدءا ورجّعا
حننت إلى ريّا ونفسك باعدتمزارك من ريا وشعباكما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعاوتجزع أن داعي الصبابة أسمعا
كأنك لم نشهد وداع مفارقولم تر شعبي صاحبين تقطّعا
بكت عيني اليسرى فلما زجرتهاعن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
تحمّل أهلي من قنين وغادروابه أهل ليلى حين جيد وأمرعا
ألا يا خليليّ اللذين تواصيابلومي إلّا أن أطيع وأسمعا
قفا إنه لا بدّ من رجع نظرةيمانيّة شتّى بها القوم أو معا
لمغتصب قد عزّه القوم أمرهحياء يكفّ الدمع أن يتطلّعا
تبرّض عينيه الصّبابة كلّمادنا الليل أو أوفى من الأرض ميفعا
فليست عشيّات الحمى برواجعإليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
صوت من المائة المختارة من رواية يحيى بن عليّ
قل لأسماء أنجزي الميعاداوانظري أن تزوّدي منك زادا
إن تكوني حللت ربعا من الشأم وجاورت حميرا أو مرادا
أو تناءت بك النّوى فلقد قدت فؤادي لحينه فانقادا
ذاك أني علقت منك جوى الحب وليدا فزدت سنا فزادا
الشعر لداود بن سلم. والغناء لدحمان، ولحنه المختار من الثقيل الأول بالوسطى. وقد كنا وجدنا هذا الشعر في رواية عليّ بن يحيى عن إسحاق منسوبا إلى المرقّش، وطلبناه في أشعار المرقّشين جميعا فلم نجده، وكنا نظنه من شاذّ الروايات حتى وقع إلينا في شعر داود بن سلم، وفي خبر أنا ذاكره في أخبار داود. وإنما نذكر ما وقع إلينا عن رواته؛ فما وقع من غلط فوجدناه أو وقفنا على صحته أثبتناه وأبطلنا ما فرط منا غيره، وما لم يجر هذا المجرى فلا ينبغي لقارىء هذا الكتاب أن يلزمنا لوم خطأ لم نتعمده ولا اخترعناه، وإنما حكيناه عن رواته واجتهدنا في الإصابة. وإن عرف صوابا مخالفا لما ذكرناه وأصلحه، فإن ذلك لا يضرّه ولا يخلو به من فضل وذكر جميل إن شاء اللّه.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع