من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار الفضل بن العباس الهبي ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. وكان أحد شعراء بني هاشم المذكورين وفصحائهم. وكان شديد الأدمة. ولذلك قال:
وأنا الأخضر من يعرفني
وهو هاشميّ الأبوين؛ وأمه بنت العباس بن عبد المطلب.
أخبرني بذلك محمد بن العباس اليزيديّ، عن عمه عبيد اللّه، عن ابن حبيب. وإنما أتاه السواد من قبل أمه: جدته، وكانت حبشية.
وكان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم زوج عتبة إحدى بناته. فلما بعثه اللّه تعالى نبيا، أقسمت عليه أم جميل أن يطلقها. فجاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: يا محمد، أشهد من حضر أني قد كفرت بربك، وطلقت ابنتك. فدعا عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبعث اللّه عليه كلبا من كلابه يقتله. فبعث اللّه عزوجل عليه أسدا فافترسه.
أخبرني الحسن بن القاسم البجليّ الكوفيّ قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن المعلّى قال: حدّثني الوليد بن وهب، عن أبي حمزة الثمالي، عن عكرمة قال: لما نزلت: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى
، قال عتبة للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنا أكفر برب النجم إذا هوى. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اللهم أرسل عليه كلبا من كلابك. قال: فقال ابن عباس: فخرج إلى الشأم في ركب فيهم هبّار بن الأسود، حتى إذا كانوا بوادي الغاضرة، وهي مسبعة، نزلوا ليلا، فافترشوا صفا واحدا، فقال عتبة: أتريدون أن تجعلوني حجرة؟ لا، واللّه، لا أبيت إلا وسطكم. فباب وسطهم. قال هبار: فما أنبهني إلا السبع يشمّ رؤوسهم رجلا رجلا، حتى انتهى إليه، فأنشب أنيابه في صدغيه، فصاح: أي قوم، قتلي دعوة محمد، فأمسكوه، فلم يلبث أن مات في أيديهم.
أخبرني الحسن بن الهيثم قال: حدّثنا علي بن إبراهيم قال: حدّثني الوليد بن وهب، عن أبي حمزة، عن هشام بن عروة، عن أبيه مثله. إلا أنه قال: قال عتبة: أنا بريء من الذي دَنا فَتَدَلَّى
قال: وقال هبّار: فضغمه الأسد ضغمة، فالتقت أنيابه عليه.
نسخت من كتاب ابن النطّاح عن الهيثم بن عديّ. وقد أخبرنا به محمد بن العباس اليزيديّ في «كتاب الجوابات» قال: حدّثنا أحمد بن الحارث، عن المدائني، إلا أن رواية ابن النطاح أتم، واللفظ له، قال: مر الفضل اللّهبيّ بالأحوص هو ينشد، وقد اجتمع الناس عليه، فحسده، فقال له: يا أحوص إنك لشاعر، ولكنك لا تعرف الغريب، ولا تعرب. قال: بلى، واللّه إني لأبصر الناس بالغريب والإعراب، فأسألك؟ قال: نعم. قال:
ما ذات حبل يراها الناس كلهموسط الجحيم فلا تخفى على أحد
كل الحبال حبال الناس من شعروحبلها وسط أهل النار من مسد
فقال له الفضل بن العباس:
ماذا أردت إلى شتمي ومنقصتيماذا أردت إلى حمّالة الحطب؟
أذكرت بنت قروم سادة نجبكانت حليلة شيخ ثاقب النّسب
فانصرف عنه.
قال ابن النطاح: وحدثت أن الحزين الدّيلي مر بالفضل يوم جمعه، وعنده قوم ينشدهم، فقال له الحزين: أتنشد الشعر والناس يروحون إلى الصلاة؟ فقال الفضل: ويلك يا حزين! أتتعرض لي، كأنك لا تعرفني. قال: بلى واللّه، إني لأعرفك، ويعرفك معي كل من قرأ سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
. وقال يهجوه:
إذا ما كنت مفتخرا بجدفعرّج عن أبي لهب قليلا
فقد أخزى الإله أباك دهراوقلّد عرسه حبلا طويلا
فأعرض عنه الفضل، وتكرم عن جوابه. وكان الحزين مغرّى بن وبهجائه.
حدّثني الحسن بن علي قال: حدّثنا القاسم بن محمد الأنباريّ قال: حدّثنا أبو عكرمة عامر بن عمران، قال: دخل الفرزدق المدينة، فنظر إلى الفضل بن العباس بن عتبة ينشد:
من يساجلني يساجل ماجدايملأ الدلو إلى عقد الكرب
فقال الفرزدق: من المنشد؟ فأخبر به، فقال: ما يساجلك إلا من عضّ بظر أمه.
حدّثني محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثنا سليمان بن أبي شيخ، قال: حدّثنا محمد بن الحكم، قال: قدم الوليد بن عبد الملك حاجا إلى مكة وهو خليفة، فدخل عليه الفضل بن العباس بن عتبة، فشكا إليه كثرة العيال، وسأله فأعطاه مالا وإبلا ورقيقا. فلما مات الوليد ولي سليمان فحج، فأتاه فسأله، فلم يعطه شيئا، فقال:
يا صاحب العيس التي رحلتمحبوسة لعشية النّفر
امرر على قبر الوليد فقل لهصلّى الإله عليك من قبر
يا واصل الرّحم التي قطعتوأصابها الجفوات في الدهر
إني وجدت الخلّ بعدك كاذبافبرئت من كذب ومن غدر
ولقد مررت بنسوة يندبنهبيض السواعد من بني فهر
تبكي لسيدها الأجل ومايبكين من ناب ولا بكر
يبكينه ويقلن: سيدناضاع الخلافة آخر الدهر
ماذا لقيت، جزيت صالحةمن جفوة الإخوان لو تدري
أخبرني وكيع بهذا الخبر، قال: حدّثني محمد بن علي بن حمزة قال: حدثنا أبو غسان قال: أخبرنا أبو عبيدة عن عبد العزيز بن أبي ثابت، قال: كان الفضل بن العباس منقطعا إلى الوليد بن عبد الملك، فلما مات الوليد جفاه سليمان وحرمه، فقال:
يا راكب العيس التي وقفتللنفر يوم صبيحة النحر
وذكر الأبيات. قال: كان الوليد فرض له فريضة يعطاها كل سنة، فقال: يا أمير المؤمنين، بقي شارب الريح.
قال: وما شارب الريح؟ قال: حماري، افرض له شيئا. ففرض له خمسة دنانير، فأخذها ولم يكن يطعمه، فعمد رجل فكتب رقعة يذكر فيها قصة الحمار، وعلقها في عنقه، وجاء بها إلى القاضي، فأضحك منه الناس.
حدّثنا اليزيديّ، قال: حدّثنا سليمان بن أبي شيخ، قال: حدّثني أبو الشكر مولى بن هاشم، كوفيّ ظريف، قال: كان الفضل بن العباس بخيلا، فقدم عليّ بن عبد اللّه بن العباس حاجا، فأتاه في منزله مسلما عليه، فقال له: كيف أنت، وكيف حالك؟ قال: نحن في عافية. قال: فهل من حاجة؟ قال: لا واللّه، وإني لأشتهي هذا العنب، وقد أغلاه علينا هؤلاء العلوج. فغمز غلاما له، فذهب فأتاه بسلة عظيمة من عنب، فجعل يغسل له عنقودا عنقودا ويناوله، فكلما فعل ذلك قال: برّتك رحم.
أخبرني الحسن بن علي قال: حدّثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال: حدّثنا الزبير بن بكار عن عمه، قال: كان الفضل بن العباس بخيلا، وكان ثقيل البدن، إذا أراد يمضي في جاجة استعار مركوبا، فطال ذلك عليه وعلى أهل المدينة من فعله، فقال له بعض بني هاشم: أنا أشتري لك حمارا تركبه، وتستغني عن العاريّة. ففعل، وبعث به إليه، فكان يستعير له سرجا إذا أراد أن يركبه، فتواصى الناس بألا يعيره أحد سرجا. فلما طال عليه ذلك، اشترى سرجا بخمسة دراهم، وقال:
ولما رأيت المال مألف أهلهوصان ذوي الأخطار أن يتبذلوا
رجعت إلى مالي فأعتبت بعضهفأعتبني إني كذلك أفعل
ثم قال للذي اشترى له الحمار: إني لا أطيق علفه، فإما أن تبعث إليّ علفه وإلا رددته. فكان يبعث إليه بعلف كل ليلة وشعير، ولا يدع هو أيضا أن يطلب من كل أحد يأنس به علفا لحماره، فيبعث به إليه، فيعلفه التبن دون الشعير، حتى هزل وعطب. فرفع الحزين الكنانيّ إلى ابن حزم أو عبد العزيز بن عبد المطلب رقعة، وكتب في رأسها قصة حمار الفضل اللهبي، وذكر فيها أنه يركبه ويأخذ علفه وقضيمه من الناس، ويعلفه التبن، ويبيع الشعير، ويأخذ ثمنه، ويسأل أن ينصف منه. فضحك لما قرأ الرقعة، وقال: لئن كنت مازحا إني لأراك صادقا. وأمر بتحويل حمار اللهبي إلى إصطبله، ليعلفه ويقضمه، فإذا أراد ركوبه دفع إليه.
أخبرني وكيع قال: حدّثني محمد بن سعد الشاميّ، عن ابن عائشة، قال: كان الفضل اللهبي بغير سرج، فاستعار سرجا، فمطله الرجل، حتى خاف أن تفوته حاجته، فاشترى سرجا ومضى لحاجته، وأنشأ يقول:
ولما رأيت المال مألف أهله
وذكر البيتين ولم يزد عليهما شيئا.
أخبرني أحمد بن عبيد الّه بن عمار قال: حدّثني علي بن محمد النوفليّ قال: كان أبي عند إسحاق بن عيسى بن عليّ وهو والي البصرة، عنده وجوه أهل البصرة، وقد كانت فيهم بقية حسنة في ذلك الدهر، فأفاضوا في ذكر نبي هاشم، وما أعطاهم اللّه من الفضل بنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم، فمن منشد شعرا، ومتحدث وذاكر فضيلة من فضائل بني هاشم. فقال أبي: قد جمع هذا الكلام الفضل بن العباس اللّهبي في بيت قاله، ثم أنشد قوله:
ما بات قوم كرام يدّعون يداإلا لقومي عليهم منّة ويد
نحن السّنام الذي طالت شظيتهفما يخالطه الأدواء والعمد
فمن صلّى صلاتنا، وذبح ذبيحتنا، عرف أن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدا عليه، بما هداه اللّه عزوجل إلى الإسلام به، ونحن قومه، فتلك منة لنا على الناس.
وفي هذين البيتين غناء لابن محرز، هزج بالبنصر في رواية عمرو ب بانة. وقوله «وطالت شظيته»، الشظية: الشّظى، قال دريد بن الصمة.
سليم الشّظى عبل الشّوى شنج النساأمين القوى نهد طويل المقلّد
والعمد: داء يصيب البعير من مؤخر سنامه إلى عجزه، فلا يلبثه أو يقتله
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قالا: حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثنا محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن عمران، قالا: أخبرني أحمد بن هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص، قال: قدم الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، على عبد الملك بن مروان، فأنشده وعنده ابن لعبيد اللّه بن زياد، فقال الزياديّ، واللّه ما أسمع شعرا، فلما كان العشيّ راح إليه الفضل، فوقف بين يديه، ثم قال: يا أمير المؤمنين:
أتيتك حالا وابن عم وعمةولم أك شعبا لا طه بك مشعب
فصل واشجات بيننا من قرابةألا صلة الأرحام أبقى وأقرب
ولا تجعلنّي كامرىء ليس بينهوبينكم قربى ولا متنسّب
أتحدب من دون العشيرة كلهافأنت على مولاك أحنى وأحدب
فقال الزياديّ: هذا، واللّه يا أمير المؤمنين، الشعر! فقال عبد الملك: النّخس يكفيك البطيء. وجعل يضحك من استرسال الزياديّ في يده، وأحسن صلته.
وأخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال: حدّثني النوفليّ قال: حدّثني عمي قال: لما قدم الفضل اللّهبيّ على عبد الملك بن مروان أمر له بعشرة آلاف درهم، ثم حج الوليد فأمر له بمثلها.
فلما قدم الأحيحي على المهديّ فمدحه، قال المهدي لمن حضر: كم كان عبد الملك أعطى الفضل اللّهبيّ لما مدحه، فما أعلم هاشيما مدحه غيره؟ فقيل له: أعطاه عشرة آلاف درهم. قال: فكم أعطاه الوليد؟ قالوا: مثل عطية أبيه. فأمر للأحيحيّ بثلاثين ألف درهم.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال: حدّثنا عمر بن شبة، قال: حدّثني أحمد بن معاوية، عن عثمان بن إبراهيم الحاطبيّ، قال: خرج عليّ بن عبد اللّه بن العباس بالفضل اللهبيّ إلى عبد الملك بن مروان بالشام، فخرج عبد الملك يوما رائحا على نجيب له، ومعه بغلة تجنب، فحدا حادي عبد الملك به، فقال:
يأيها البكر الذي أراكاعليك سهل الأرض في ممشاكا
ويلك هل تعلم من علاكاإن ابن مروان على ذراكا
خليفة اللّه الذي امتطاكالم يعل بكرا مثل من علاكا
فعارضه الفضل اللّهبي، فحدا بعليّ بن عبد اللّه ب عباس، فقال:
يأيها السائل عن عليّسألت عن بدر لنا بدريّ
أغلب في العلياء غالبيّوليّن الشيمة هاشمي
جاء على بكر له مهريّ
فنظر عبد الملك إلى عليّ فقال: أهذا مجنون آل أبي لهب؟ قال: نعم. فلما أعطى قريشا مر به اسمه فحرمه، وقال: يعطيه عليّ. هكذا رواية عمر بن شبة.
وأخبرني ابن عمار بهذا الخبر عن علي بن محمد بن النوفليّ عن عمه: أن سليمان بن عبد الملك حج في خلافة الوليد، فجاء إلى زمزم فجلس عندها، ودخل الفضل اللّهبيّ يستقي، فجعل يرتجز ويقول:
يأيها السائل عن عليّسألت عن بدر لنا بدريّ
مقدّم في الخير أبطحيّولين الشيمة هاشميّ
زمزمنا بوركت من ركيّبوركت للساقي وللمسقيّ
فغضب سليمان، وهم بالفضل. فكفه عنه عليّ بن عبد اللّه، ثم أتاه بقدح فيه نبيذ من نبيذ السقاية، فأعطاه إياه، وسأله أن يشربه، فأخذه من يده كالمتعجب، ثم قال: نعم إنه يستحب، ووضعه في يده ولم يشربه. فلما ولي الخلافة وحج لقيه الفضل، فلم يعطه شيئا.
نسخت من كتاب ابن النطاح، قال: ذكر أبو المدائني أن الحارث بن خالد المخزوميّ، كان يحسد الفضل اللهبي على شعره ويعاديه، لأن أبا لهب كان قامر جده العاصي بن هاشم على ماله فقمره، ثم قامره على رقة فقمره، فأسلمه قينا، ثم بعث به بديلا يوم بدر، فقتله عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فكان إذا أنشد شيئا من شعره يقول: هذا شعر ابن «حمّالة الحطب». فقال الفضل في ذلك:
ماذا تحاول من شتمي ومنقصتيماذا تعيّر من حمالة الحطب
غراء سائلة في المجد غرتهاكانت حليلة شيخ ثاقب النسب
إنا وإن رسول اللّه جاء بناشيخ عظيم شئون الرأس والنشب
يا لعن اللّه قوما أنت سيدهمفي جلدة بين أصل الثّيل والذنب
أبا لقيون توافيني تفاخرنيوتدعي المجد قد أفرطت في الكذب
وفي ثلاثة رهط أنت رابعهمتوعدني واسطا جرثومة العرب
في أسرة من قريش هم دعائمهاتشفي دماؤهم للخيل والكلب
أما أبوك فعبد لست تنكسرهوكان مالكه جدي أبو لهب
النبع عيداننا والمجد شيمتنالسنا كقومك من مرخ ولا غرب
أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثني عمي عبيد اللّه بن محمد، عن ابن حبيب، عن ابن الأعرابي، قال: كان رجل من بني كنانة يقال له عقرب حنّاط قد داين الفضل اللّهبيّ فمطله، ثم مر به الفضل وهو يبيع حنطة له، ويقول:
جاءت بها ضابطة التّجارصافية كقطع الأوتار
فقال الفضل:
قد تجرت عقرب في سوقنايا عجبا للعقرب التاجره
قد صافت العقرب واستيقنتأن مالها دنيا ولا آخره
فإن تعد عادت لما ساءهاوكانت النعل لها حاضره
إن عدوا كيده في إستهلغير ذي كيد ولا نائره
كل عدو يتّقى مقبلاوعقرب تخشى من الدابره
كأنها إذ خرجت هودجشدّت قواه رفعة باكره
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدّثنا دماذ أبو غسان، عن أبي عبيدة. ووجدته في بعض الكتب عن الرياشيّ عن زكويه العلائي عن ابن عائشة عن أبيه، والروايتان كالمتفقتين: أن عمر بن أبي ربيعة وفد على الملك بن مروان، فأدخل عليه، فسأله عن نسبه، فانتسب، فقال له:
لا أنعم اللّه بقين عيناتحية السخط إذا التقينا
أأنت لا أم لك القائل:
صوت
نظرت إليها بالمحصّب من منىولي نظر لولا التحرّج عارم
فقلت: أشمس أم مصابيح بيعةبدت لك خلف السجف أم أنت حالم
بعيدة مهوى القرط إمّا النوفلأبوها وإما عبد شمس وهاشم
الغناء لابن سريج: رمل بالوسطى من رواية عمرو بن بانة، ومن رواية حماد بن إسحاق عن أبيه. ولمعبد فيه لحن من رواية إسحاق: ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى البنصر، أوّله:
بعيدة مهوى القرط إما لنوفل
وفي لحن معبد خاصة قوله:
ومد عليها السجف يوم لقيتهاعلى عجل تبّاعها والخوادم
فلم أستطعها غير أن قد بدا لناعشية راحت كفّها والمعاصم
معاصم لم تضرب على البهم بالضّحىعصاها، ووجه لم تلحه السّمائم
نرجع إلى سياقة الخبر: ثم قال له عبد الملك: قاتلك اللّه! ما ألأمك! أما كانت لك في بنات العرب مندوحة عن بنات عمك! فقال عمر: بئست واللّه هذه التحية يا أمير المؤمنين لابن العم، على شحط الدار، ونأي المزار. فقال له عبد الملك: أراك مرتدعا عن ذلك؟ فقال: إني إلى اللّه تعالى تائب. فقال عبد الملك: إذن يتوب اللّه عليك، وسيحسن جائزتك.
ولكن أخبرني عن منازعتك اللّهبيّ في المسجد الجامع، فقد أتاني نبأ ذلك، وكنت أحب أن أسمعه منك. قال عمر: نعم يا أمير المؤمنين، بينا أنا جالس في المسجد الحرام، في جماعة من قريش، إذ دخل علينا الفضل بن العباس بن عتبة، فسلم وجلس، ووافقني وأنا أتمثل بهذا البيت:
وأصبح بطن مكة مقشعرّاكأن الأرض ليس بها هشام
فأقبل عليّ وقال: يا أخا بني مخزوم، واللّه إن بلدة تبحبح بها عبد المطلب، وبعث منها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، واستقرّ بها بيت اللّه عزوجل، لحقيقة ألا تقشعرّ لهشام، وإن أشعر من هذا البيت وأصدق قول من يقول:
إنما عبد مناف جوهرزيّن الجوهر عبد المطلب
فأقبلت عليه فقلت: يا أخا بني هاشم، إن أشعر من صاحبك الذي يقول:
إن الدليل على الخيرات أجمعهاأبنا مخزوم، للخيرات مخزوم
فقال لي: أشعر واللّه من صاحبك الذي يقول:
جبريل أهدى لنا الخيرات أجمعهاإذ أمّ هاشم لا أبناء مخزوم
فقلت في نفسي: غلبني واللّه. ثم حملني الطمع في انقطاعه عليّ، فخاطبته فقلت: بل أشعر منه الذي يقول:
أبناء مخزوم الحريق إذاحركته تارة ترى ضرما
يخرج منه الشّرار مع لهبمن حاد عن حرّه فقد سلما
فو اللّه ما تلعثم أن أقبل عليّ بوجهه فقال: يا أخا بني مخزوم، أشعر من صاحبك وأصدق الذي يقول:
هاشم بحر إذا سما وطماأحمد حرّ الحريق واضطرما
واعلم وخير المقال أصدقهبأنّ من رام هاشما هشما
قال: فتمنيت واللّه يا أمير المؤمنين أن الأرض ساخت بي، ثم تجلدت عليه فقلت: يا أخا بني هاشم، أشعر من صاحبك الذي يقول:
أبناء مخزوم أنجم طلعتللناس تجلو بنورها الظّلما
نجود بالنّيل قبل تسألهجودا هنيئا وتضرب البهما
فأقبل عليّ بأسرع من اللحظ، ثم قال: أشعر من صاحبك وأصدق الذي يقول:
هاشم شمس بالسّعد مطلعهاإذا بدت أخفت النجوم معا
اختار منها ربّي النبيّ فمنقارعها بعد أحمد قرعا
فاسودّت الدنيا في عيني، وديربي، وانقطعت، فلم أحر جوابا. ثم قلت له: يا أخا بني هاشم، إن كنت تفخر علينا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فما يسعنا مفاخرتك. فقال: كيف؟ لا أمّ لك، واللّه لو كان منك لفخرت به عليّ. فقلت: صدقت وأستغفر اللّه، إنه لموضع الفخار. وداخلني السرور لقطعه الكلام، ولئلا ينالني عوز عن إجابته فأفتضح. ثم إنه أبتدأ بالمناقضة، فأفكر هنيهة، ثم قال: قد قلت فلم أجد بدّا من الاستماع، فقلت: هات. فقال:
نحن الذين إذا سما لفخارهمذو الفخر أقعده هناك القعدد
افخر بنا إن كنت يوما فاخراتلق الألى فخروا بفخرك أفردوا
قل يابن مخزوم لكل مفاخرمنا المبارك ذو الرسالة أحمد
ماذا يقول ذوو الفخار هنا لكمهيهات ذلك، هل ينال الفرقد
فحصرت واللّه وتبلّدت، وقلت له: إن لك عندي جوابا فأنظرني. وأفكرت مليّا، ثم أنشأت أقول:
لا فخر إلا قد علاه محمدفإذا فخرت به فإني أشهد
أن قد فخرت وفقت كلّ مفاخروإليك في الشرف الرفيع المعمد
ولنا دعائم قد بناها أوّلفي المكرمات جرى عليها المولد
من رامها حاشى النبيّ وأهلهبالفخر غطمطه الخليج المزبد
دع ذا ورح لغناء خود بضّةمما نطقت به وغنّى معبد
مع فتية تندى بطون أكفهمجودا إذا هرّ الزمان الأنكد
يتناولون سلافة عانيةطابت لشاربها وطاب المقعد
فو اللّه يا أمير المؤمنين، لقد أجابني بجواب كان أشد علي من الشعر. قال لي: يا أخا بني مخزوم، أريك السّها وتريني القمر - قال أبو عبد اللّه اليزيديّ: أدلّك على الأمر الغامض، وأنت لم تبلغ أن ترى الأمر الواضح. وهذا مثل - أتخرج من المفاخرة إلى شرب الراح، وهي الخمر المحرمة؟ فقلت له: أما علمت أصلحك اللّه أن اللّه عز وجل يقول في الشعراء: وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
. فقال: صدقت، وقد استثنى اللّه قوما منهم، فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
، فإن كنت منهم فقد دخلت تحت الاستثناء، وقد استحققت العقوبة بدعائك إليها؛ وإن لم تكن منهم فالشرك باللّه عليك أعظم من شرب الخمر. فقلت: أصلحك اللّه، لا أجد للمستخذي شيئا أصلح من السكوت. فضحك وقال: أستغفر اللّه. وقام عني.
قال: فضحك عبد الملك حتى استلقى، وقال يابن أبي ربيعة، أما علمت أن لبني عبد مناف ألسنة لا تطاق، ارفع حوائجك. قال: فرفعتها فقضاها، وأحسن جائزتي وصرفني.
واللفظ في هذا الخبر لمحمد بن العباس.
ذكر خبر من لم يمض له خبر ولا يأتي ممن ذكرت صنعته في هذا الخبر
منهم خليدة المكية، وهي مولاة لابن شمّاس، كانت هي وعقيلة وربيحة يعرفن بالشماسيات، وقد أخذن الغناء عن ابن سريج ومعبد ومالك.
فأخبرني الحرميّ بن أبي العلاء والطّوسيّ قالا: حدّثنا الزبير بن بكار، عن عمه قال: كانت لهشام بن عروة جفنة يصيب منها هو وبنوه ناحية، وكان محمد بن هشام يصنع الطعام الرقيق، فيشير إليهم، فيمسكون عن الأكل، فيفطن هشام، فيقول: لقد حدث شيء، ثم يقول محمد، فيتسلّل القوم إليه، وجاءت خليدة المكية، فصعدوا غرفة، فلما غنّت إذا حفز ونفس، فإذا هو هشام قد طلع وهو ينشد:
يا قدميّ ألحقاني بالقوملا تعداني كسلا بعد اليوم
فلما رآهم، قال: أحسبه قد جلس معهم. وقال لخليدة: غني. فغنت. فقال لها: اكتبي في صدرك قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
والمعوّذتين لا تصيبك العين.
أخبرني علي بن عبد العزيز الكاتب، عن ابن خرداذبه قال: حدّثني إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، عن الفضل بن الربيع قال: ما رأيت ابن جامع يضرب لغناء كما يطرب لغناء خليدة المكية، وكانت سوداء، وفيها يقول الشاعر:
فتنت كاتب الأمير رياحايا لقوم خليدة المكيه
أخبرني إسماعيل بن يونس قال: حدّثنا عمر بن شبة، ونسخت هذا الخبر بعينه من كتاب جعفر بن قدامة بخطه، قال: حدّثني عمر بن شبة قال: بلغني أن محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان أرسل إلى خليدة المكية أبا عون مولاه يخطبها عليه.
فاستأذن فأذنت له وعليها ثياب رقاق لا تسترها، ثم وثبت، فقالت: إنما ظننتك بعض سفهائك، ولكني ألبس لك ثياب مثلك، ثم أخرج إليك. ففعلت. وقالت: قل. قال: أرسلني إليك مولاي، وهو من تعلمين بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين عليّ وعثمان، وهو ابن عم أمير المؤمنين، يخطبك. وقالت: قد نسبته فأبلغت، فاسمع نسبي أنا، بأبي أنت.
إن أبي بيع على غير عقد الإسلام ولا عهده، فعاش عبدا، ومات وفي رجله قيد، وفي عنقه سلسلة، وعلى الإباق والسرقة؛ وولدتني أمي على غير رشدة، وماتت وهي آبقة، فأنا من تعلم. فإن أراد صاحبك نكاحا مباحا، أو زنا صراحا، فهلم إليه، فنحن له. فقال: إنه لا يدخل في الحرام. قالت: ولا ينبغي أن يستحي من الحلال. فأما نكاح السّر فلا. واللّه لا فعلته، ولا كنت عارا على القيان. قال: فأتيت محمدا فأخبرته، فقال: ويلك! أتزوجّها معلنا وعندي بنت طلحة بن عبيد اللّه! لا. ولكن ارجع إليها، فقال لها تختلف إليّ أردد بصري فيها، لعلي أسلو. فرجعت فأبلغتها الرسالة، فضحكت، وقالت: أما هذا فنعم. لسنا نمنعه منه.
صوت
ربّ ليل ناعم أحييتهفي عفاف عند قبّاء الحشى
ونهار قد لهونا بالتيلا ترى شبها لها فيمن مشى
لطلوع الشمس حتى آذنتبغروب عند إبان العشا
لسليمى ما دعت قمريّةبهديل فوق غصن من غضى
وعقار قهوه باكرتهافي ندامى كمصابيح الدّجى
وجواد سابح أقحمتهحومة الموت على زرق القنا
الشعر للمهاجر بن خالد ب الوليد، فيما ذكر الزّبير بن بكّار. وذكر أبو عمرو الشّيبانيّ وخالد بن كلثوم: أنه لابنه خالد بن المهاجر. والغناء لابن محرز، ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى البنصر، عن إسحاق؛ وفيه لإبراهيم الموصليّ لحنان، أحدهما هزج خفيف بالسبابة، في مجرى البنصر، عن إسحاق وابن المكي، والآخر رمل بالبنصر، عن عمرو وابن المكيّ والهشاميّ. وفيه المعبد خفيف ثقيل بالخنصر والبنصر، عن ابن المكيّ. قال: وفيه لمالك خفيف ثقيل آخر، نشيد، ووافقه عمرو والهشامي، وذكر عمرو في نسخته الأولى أنه لابن محرز، والمعمول عليه الرواية الثانية.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع