من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار محمد بن بشير الخارجيّ ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو محمد بن بشير بن عبد اللّه بن عقيل بن أسعد بن حبيب بن سنان بن عديّ بن عوف بن بكر بن يشكر بن عدوان الخارجيّ، من بني خارجة بن عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر. ويقال لعدوان وفهم: ابنا جديلة، نسبا إلى أمهما جديلة بنت مرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر، ويكنى محمد بن بشير أبا سليمان؛ شاعر فصيح حجازيّ مطبوع، من شعراء الدولة الأموية. وكان منقطعا إلى أبي عبيدة بن عبد اللّه بن زمعة القرشي، أحد بني أسد بن عبد العزى، وهو جد ولد عبد اللّه بن الحسين بن الحسن، لأمهم هند بنت أبي عبيدة بن زمعة القرشيّ؛ ولدت لعبد اللّه محمدا وإبراهيم وموسى. وكانت لمحمد بن بشير فيه مدائح ومراث مختارة، وهي عيون شعره، وكان يبدو في أكثر زمانه، ويقيم في بوادي المدينة، ولا يكاد يحضر مع الناس.
أخبرني بقطعة من أخباره الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا أحمد بن زهير، قال: حدّثني مصعب الزبيريّ. قال أحمد: وحدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني سليمان بن عياش السعدي وعمي مصعب. وحدّثني بقطعة أخرى منها عيسى بن الحسن الوارق، عن الزبير، عن سليمان بن عياش. وقد ذكرت كل ذلك في مواضعه.
قال ابن أبي خيثمة في روايته عن مصعب وعن الزبير، عن سليمان بن عياش: كان الخارجيّ، واسمه محمد بن بشير بن عبد اللّه بن عقيل بن سعد بن حبيب بن سنان بن عديّ بن عوف بن بكر، شاعرا فصيحا، ويكنى أبا سليمان. فقدم البصرة في طلب ميراث له بها، فخطب عائشة بنت يحيى بن يعمر الخارجية؛ من خارجة عدوان. فأبت أن تتزوجه إلا أن يقيم معها بالبصرة، ويترك الحجاز، ويكون أمرها في الفرقة إليها. فأبى أن يفعل، وقال في ذلك:
أرق الحزين وعاده سهدهلطوارق الهم التي ترده
وذكرت من لانت له كبديفأبى فليس تلين لي كبده
ونأى فليس بنازل بلديأبدا، وليس بمصلحي بلده
فصدعت حين أبى مودتهصدع الزجاجة دائم أبده
وعرفت أن الطير قد صدقتيوم الكدانة شرّ ما تعده
فاصبر فإن لكل ذي أجليوما يجيء فينقضي عدده
ماذا تعاتب من زمانك إذظعن الحبيب وحل بي كمده
قالا: وخاطب أباها يحيى بن يعمر في ذلك، فقال له: إنها امرأة برزة عاقلة، لا يفتات على مثلها بأمرها، وما عندها عنك من رغبة، ولكنها امرأة في خلقها شدّة، ولها غيرة، وقد بلغني أن لك زوجتين، وما أراها تصبر على أن تكون ثالثة لهما؛ فانظر في أمرك، وشاور فيه: فإما أن أقمت بالبصرة معها، فعفت لك عن صاحبتيك، إذ لا مجاورة بينهما وبينها ولا عشرة، وإن شئت فارقتهما وأخرجها معك. فصار إلى رحله مغموما. وشاور ابن عم له يقال له ورّاد بن عمرو في ذلك، فقال له: إن في يحيى بن يعمر لرغبة، لثروته وكثرة ماله، وما ذكرته من جمال ابنته، وما نحب أن تفارق زوجتيك - وكانت إحداهما ابنة عمه، والأخرى من أشجع - فتقيم معها السنة بالبصرة، وتمضي نحن، فإن رغبت فيها تمسكت بها، وأقمت بمكانك، وإن رغبت في العود إلى بلدك، كتبت إلينا فجئناك، حتى تنصرف معنا إلى بلدك.
ففكر ليله أجمع في ذلك، ثم غدا عازما على الرجوع إلى الحجاز، وقال:
لئن أقمت بحيث الفيض في رجبحتى أهلّ به من قابل رجبا
وراح في السّفر وراد فهيجنيإن الغريب إذا هيجته طربا
إن الغريب يهيج الحزن صبوتهإذا المصاحب حياه وقد ركبا
قد قلت أمس لوارد وصاحبهعوجا على الخارجيّ اليوم واحتسبا
وأبلغا أم سعد أنّ عانيهاأعيا على شفعاء الناس فاجتنبا
لما رأيت نجيّ القوم قلت لهمهل يعدونّ نجيّ القوم ما كتبا
وقلت إني متى أجلب شفاعتكمأندم وإنّ أشقّ الغيّ ما اجتلبا
وإنّ مثلي متى يسمع مقالتكمويعرف العين يندم قبل أن يجبا
إني وما كبّر الحجّاج تحملهمبزل المطايا بجنبي نخلة عصبا
وما أهلّ به الداعي وما وقفتعليا ربيعة ترمى بالحصى الحصبا
جهدا لمن ظن أني سوف أظعنهاعن ربع غانية أخرى لقد كذبا
أأبتغي الحسن في أخرى وأتركهافذاك حين تركت الدين والحسبا
وما انقضى الهم من سعدى وما علقتمني الحبائل حتى رمتها حقبا
وما خلوت بها يوما فتعجبنيإلا غدا أكثر اليومين لي عجبا
بل أيها السائلي ما ليس يدركهمهلا فإنك قد كلفتني تعبا
كم من شفيع أتاني وهو يحسب ليحسبا فأقصره من دون ما حسبا
فإن يكن لهواها أو قرابتهاحب قديم فما غابا ولا ذهبا
هما عليّ: فإن أرضيتها رضياعني وإن غضبت في باطل غضبا
كائن ذهبت فردّاني بكيدهماعما طلبت وجاءاها بما طلبا
وفد ذهبت فلم أصبح بمنزلةإلا أنازع من أسبابها سببا
ويلمّها خلّة لو كنت مسجحةأو كنت ترجع من عصريك ما ذهبا
أنت الظعينة لا ترمى برمتهاولا يفجّعها ابن العم ما اصطحبا
أخبرني عيسى بن الحسين، قال: حدّثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني سليمان بن عياش السعدي، قال: قدم أعراب من بني سليم أقحمتهم السنة إلى الرّوحاء، فخطب إلى بعضهم رجل من الموالي من أهل الروحاء، فزوّجه. فركب محمد بن بشير الخارجيّ إلى المدينة، وواليها يومئذ إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة، فاستعداه الخارجيّ على المولى. فأرسل إبراهيم إليه وإلى النفر السّلميين، وفرق بين المولى وزوجته، وضربه مائتي سوط، وحلق رأسه ولحيته وحاجبيه. فقال محمد بن بشير في ذلك:
شهدت غداة خصم بني سليموجوها من قضائك غير سود
قضيت بسنة وحكمت عدلاولم ترث الحكومة من بعيد
إذا غمز القنا وجدت لعمريقناتك حين تغمز خير عود
إذا عض الثّقاف بها اشمأزتأبيّ النفس بائنة الصعود
حمى حدبا لحوم بنات قوموهم تحت التراب أبو الوليد
وفي المئتين للمولى نكالوفي سلب الحواجب والخدود
إذا كافأتهم ببنات كسرىفهل يجد الموالي من مزيد
فأي الحق أنصف للمواليمن اصهار العبيد إلى العبيد
حدّثني عمي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني سليمان بن عياش، قال: كان للخارجيّ عبد، وكان يتلطف له ويخدمه، حتى أعتقه وأعطاه مالا، فعمل به، وربح فيه. ثم احتاج الخارجيّ بعد ذلك إلى معونة أو قرض في نائبة لحقته، فبعث إلى مولاه في ذلك، وقد كان المولى أثرى واتسعت حاله، فحلف له أنه لا يملك شيئا، فقال الخارجيّ في ذلك:
يسعى لك المولى ذليلا مدقعاويخذلك المولى إذا اشتدّ كاهله
فأمسك عليك العبد أوّل وهلةولا تنفلت من راحتيك حبائله
وقال أيضا:
إذا افتقر المولى سعى لك جاهدالترضى وإن نال الغنى عنك أدبرا
حدّثني عيسى بن الحسين، قال: حدّثنا الزبير، قال: حدّثني سليمان بن عياش السعديّ، قال: كان محمد بن بشير الخارجيّ بين زوجتين له، وكان يسكن الروحاء، فأجدب عليه منزله، فوجه غنما إلى سحابة وقعت برجفان، وهو جبل يطل على مضيق يليل، فشقت غيبتها عليه. فقال لزوجتيه: لو تحوّلتما إلى غنمنا.
فقالتا له: بل تذهب، فتطلع إليها، وتصرفها إلى موضع قريب، حتى نوافيك فيه. فمضى وزوّدتاه وطبين، وقالتا له: اجمع لنا اللبن، ووعدتاه موضعا من رجفان، يقال له ذو القشع. فانطلق، فصرف غنمه إلى ذلك الموضع، ثم انتظرهما، فأبطأتا عليه. وخالفته سحابة إليهما، فأقامتا، وقالتا: يبلغ إلى غنمه ثم يأتينا. فجعل يصعد في الجبل وينزل، يتبصرهما فلا يراهما. فبينما هو كذلك إذ أبصر امرأتين قد نزلتا، فقال: أنزل فأتحدّث إليهما، فإذا هو بامرأة مسنة، ومعها بنت لها شابة، فأعجبته، فقال لها: أتزوّجينني ابنتك هذه؟ قالت: إن كنت كفؤا. فانتسب لها، فقالت: أعرف النسب ولا أعرف الوجه، ولكن يأتي أبوها. فجاء أبوها فعرفه، فأخبرته امرأته بما طلب. فقال: نعم، وزوّجه إياها. فساق إليها قطعة من غنمه، ثم بنى بها، وانتظر، فلم ير زوجتيه تقدمان عليه، فارتحل إليهما بزوجته وبقية غنمه. فلما طلع عليهما وقف، فأخذ بيدها، ثم أنشأ يقول:
كأنى موف للهلال عشيةبأسفل ذات القشع منتظر القطر
وأنتن تلبسن الجديدة بعدماطردت بطيّ الوطب في البلق والعفر
فكان الذي فلتن أعدد بضاعةلناهد بيضاء الترائب والنحر
كأنّ سموط الدر منها معلقبجيداء في ضال بوجرة أو سدر
تكون بلاغا ثم لست بمخبرإذا وديت لي ما وددتن من أمري
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا أحمد بن زهير، قال: حدّثني مصعب، قال: حدّثني أحمد بن زهير؛ وحدّثني الزبير بن بكار، قال: حدّثني سليمان بن عياش، قالا: كان محمد بن بشير يتحدّث إلى امرأة من مزينة، وكان قومها قد جاوروهم، ثم جاء الربيع، وأخصبت بلاد مزينة، فارتحلوا، فقال محمد بن بشير:
لو بيّنت لك قبل يوم فراقهاأن التفرّق من عشية أو غد
لشكوت إذ علق الفؤاد بهائمعلق حبائل هائم لم يعهد
وتبرجت لك فاستبتك بواضحصلت وأسود في النصيف معقّد
بيضاء خالصة البياض كأنهاقمر توسط ليل صيف مبرد
موسومة بالحسن ذات حواسدإن الجمال مظنة للحسّد
لم يطغها سرف الشباب ولم تضععنها معاهدة النصيح المرشد
خود إذا كثر الكلام تعوّذتبحمى الحياء وإن تكلم تقصد
وكأن طعم سلافة مشمولةتنصبّ في إثر السواك الأغيد
وترى مدامعها ترقرق مقلةحوراء ترغب عن سواد الإثمد
ماذا إذا برزت غداة رحيلهام الحسن تحت رقاق تلك الأبرد
ولدت بأسعد أنجم فمحلهاومسيرها أبدا بطلق الأسعد
اللّه يسعدها ويسقي دارهاخضل الرباب سرى ولما يرعد
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا أحمد بن زهير، قال: حدّثني الزبير قال: حدّثني سليمان بن عياش، قال: صحب محمد بن بشير رفقة من قضاعة إلى مكة، وكانت فيهم امرأة جميلة، فكان يسايرها ويحادثها. ثم خطبها إلى نفسها، فقالت: لا سبيل إلى ذلك، لأنك لست لي بعشير، ولا جاري في بلدي، ولا أنا ممن تطمعه رغبة عن بلده ووطنه. فلم يزل يحادثها ويسايرها حتى انقضى الحج، ففرّق بينهما نزوعهما إلى أو طانهما، فقال الخارجيّ في ذلك:
أستغفر اللّه ربي من مخدّرةيوما بدا لي منها الكشح والكتد
من رفقة صاحبونا في ندائهمكلّ حرام فما ذمّوا ولا حمدوا
حتى إذا البدن كانت في مناحرهايعلو المناسم منها مزبد جسد
وحلّق القوم واعتمّوا عمائمهمواحتل كل حرام رأسه لبد
أقبلت أسألها ما بال رفقتهاوما أبالي أغاب القوم أم شهدوا
فقربت لي واحلولت مقالتهاوعوّقتني وقالت بعض ما تجد
أنّى ينال حجازيّ بحاجتهإحدى بني القين أدنى دارها برد
أخبرني عيسى بن الحسين، قال: حدّثنا الزبير، قال: حدّثنا سليمان بن عياش، قال: خطب محمد بن بشير امرأة من قومه، فقالت له: طلق امرأتك حتى أتزوّجك. فأبى وانصرف عنها، وقال في ذلك:
أأطلب الحسن في أخرى وأتركهافذاك حين تركت الدين والحسبا
هي الظعينة لا يرمى برمتهاولا يفجّعها ابن العم ما اصطحبا
فما خلوت بها يوما فتعجبنيإلا غدا أكثر اليومين لي عجبا
حدّثني عيسى قال: حدّثنا الزبير، قال: بلغني عن صالح بن قدامة بن إبراهيم أن محمد بن حاطب الجمحي، يروي شيئا من أخبار الخارجيّ وأشعاره، فأرسلت إليه مولى من موالينا يقال له محمد بن يحيى، كان من الكتاب، وسألته أن يكتب لي ما عنده، فكان فيما كتب لنا، قال: زعم الخارجيّ، واسمه محمد بن بشير، وكنيته أبو سليمان، وهو رجل من عدوان، وكان يسكن الرّوحاء، قال: بينا نحن بالروحاء في عام جدب قليل الأمطار، ومعنا سليمان بن الحصين وابن أخته، وإذا بقطار ضخم كثير الثّقل يهوي، قادم من المدينة، حتى نزلوا بجانب الروحاء الغربي، بيننا وبينهم الوادي، وإذا هم من الأنصار، وفيهم سعيد بن عبد الرّحمن بن حسان بن ثابت. فلبثنا أياما، ثم إذا بسليمان بن الحصين يقول لي: أرسل إليّ النساء يقلن: أمالكم في الحديث حاجة؟ فقلت لهن: فكيف برجالكن؟ قلن: بلغنا أن لكم صاحبا يعرف بالخارجيّ، صاحب صيد، فإن أتاهم فحدثهم عن الصيد انطلقوا معه، وخلوتم فتحدّثتم. قال: فقلت لسليمان: بئس لعمر اللّه ما أردت مني، أأذهب إلى القوم فأغرّهم، وآثم وأتعب وتنالون أنتم حاجتكم دوني؟ ما هذا لي برأي.
قال لي سليمان: فأنظرني إذن، أرسل إلى النساء وأخبرهن بقولك. فأرسل إليهن فأخبرهن بما قلت. فقلن: قل له احتل لنا عليهم هذه المرة بما قلنا لك، وعلينا أن نحتال لك المرة الأخرى.
قال الخارجيّ: فخرجت حتى أتيت القوم فحدثتهم، وذكرت لهم الصيد، فطارت إليه أنفسهم. فخرجت بهم، وأخذت لهم كلابا وشباكا، وتزودنا لثلاث. وانطلقت أحدثهم وألهيهم، فحدّثتهم بالصدق حتى نفد. ثم حدّثتهم بما يشبه الصدق حتى نفد. ثم صرحت لهم بمحض الكذب حتى مضت ثلاث، وجعلت لا أحدثهم حديثا إلا قالوا: صدقت. وغبت بهم ثلاثا ما أعلم أنا عاينّا صيدا، فقلت في ذلك:
إني لأعجب مني كيف أفكههمأم كيف أخدع قوما ما بهم حمق!
أظل في البيد ألهيهم وأخبرهمأخبار قوم وما كانوا وما خلقوا
ولو صدقت لقلت القوم قد قدمواحين انطلقنا وآتي ساعة انطلقوا
أم كيف تحرم أيد لم تخن أحداشيئا وتظفر أيديهم وقد سرقوا
ونرتمي اليوم حتى لا يكون لهشمس ويرمون حتى يبرق الأفق
يرمون أحور مخضوبا بغير دمدفعا وأنت وشاحا صيدك العلق
تسعى بكلبين تبغيه وصيدهمصيد يرجّى قليلا ثم يعتنق
ما زلت أحدوهم حتى جعلتهمفي أصل محنية ما إن بها طرق
ولو تركتهم فيها لمزقهمشيخا مزينة إن قالا انعقوا نعقوا
إن كنتم أبدا جاري صديقكموالدهر مختلف ألوانه طرق
فمتعوني فإني لا أرى أحداإلا له أجل في الموت مستبق
قال سليمان بن عياش: ومات سليمان بن الحصين هذا، وكان خليلا للخارجيّ، مصافيا له، وصديقا مخلصا، فجزع عليه، وحزن حزنا شديدا، فقال يرثيه:
يأيها المتمني أن يكون فتىمثل ابن ليلى لقد خلّى لك السبلا
إن ترحل العيس كي تسعى مساعيهيشفق عليك وتعمل دون ما عملا
لو سرت في الناس أقصاهم وأقربهمفي شقة الأرض حتى تحسر الإبلا
تبغي فتى فوق ظهر الأرض ما وجدوامثل الذي غيبوا في بطنها رجلا
اعدد ثلاث خصال قد عرفن لههل سب من أحد أو سبّ أو بخلا
قال سليمان بن عياش: لما مات عبد العزيز بن مروان، ونعي إلى أخيه عبد الملك، تمثل بأبيات الخارجيّ هذه، وجعل يرددها ويبكي.
أخبرني عيسى، قال: حدّثنا الزبير، قال: حدّثني عمي عن أبيه؛ قال: قال الرشيد يوما لجلسائه: أنشدوني شعرا حسنا في امرأة خفرة كريمة، فأنشدوا فأكثروا وأنا ساكت، فقال لي: إيه يابن مصعب، أما أنك لو شئت لكفيتنا سائر اليوم؛ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، لقد أحسن محمد بن بشير الخارجي حيث يقول:
بيضاء خالصة البياض كأنهاقمر توسط جنح ليل مبرد
موسومة بالحسن ذات حواسدإن الحسان مظنة للحسد
وترى مدامعها ترقرق مقلةحوراء ترغب عن سواد الإثمد
خود إذا كثر الكلام تعوذتبحمى الحياء وإن تكلم تقصد
لم يطغها شرف الشباب ولم تضعمنها معاهدة النصيح المرشد
وتبرجت لك فاستبتك بواضحصلت وأسود في النصيف معقد
وكأن طعم سلافة مشمولةبالريق في أثر السواك الأغيد
فقال الرشيد: هذا واللّه الشعر، لا ما أنشدتمونيه سائر اليوم! ثم أمر مؤدب ابنيه محمد الأمين وعبد اللّه المأمون، فروّاهما الأبيات.
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا أحمد بن زهير، قال: حدّثنا الزبير بن بكار، قال: حدّثني سليمان بن عياش، قال: كان محمد بن بشير الخارجيّ يتحدّث إلى عبدة بنت حسان المزنية، ويقيل عندها أحيانا، وربما بات عندها ضيفا، لإعجابه بحديثها، فنهاها قومها عنه، وقالوا: ما مبيت رجل بامرأة أيّم؟ فجاءها ذات يوم، فلم تدخله خباءها، وقالت له: قد نهاني قومي عنك، وكان قد أمسى، فمنعته المبيت، وقالت: لا تبت عندنا، فيظن بي وبك شر، فانصرف وقال فيها:
ظللت لدى أطنابها وكأننيأسير معنّى في مخلخله كبل
أخيّر إما جلسة عند دارهاوإما مراح لا قريب ولا سهل
فإنك لو أكرمت ضيفك لم يعبعليك الذي تأتين حمو ولا بعل
وقد كان ينميها إلى ذروة العلاأب لا تخطاه المطية والرحل
فهل أنت إلا جنّة عبقريةيخالط من خالطت من حبكم خبل
وهل أنت إلا نبعة كان أصلهاتضارا فلم يفضحك فرع ولا أصل
صددت امرأ عن ظل بيتك مالهبواديك لولاكم صديق ولا أهل
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا أحمد بن زهير، قال: حدّثنا الزبير، قال: حدّثني سليمان بن عياش، قال: خرج محمد وسليمان ابنا عبيد اللّه بن الحصين الأسلميان، حتى أتيا امرأة من الأنصار، من بني ساعدة، فبرزت لهما، وتحدثا عندها، وقالا لها: هل لك في صاحب لنا ظريف شاعر؟ فقالت: من هو؟ قالا: محمد بن بشير الخارجي. قالت: لا حاجة بي إلى لقائه، ولا تجيئاني به معكما، فإنكما إن أتيتما به لم آذن لكما. فجاءا به معهما، وأخبراه بما قالت لهما، وأجلساه في بعض الطريق، وتقدما إليها، فخرجت إليهما، وجاءهما الخارجيّ بعد خروجها إليهما، فرحبا به، وسلما عليه، فقالت لهما: من هذا؟ قالا: هذا الخارجيّ الذي كنا نخبرك عنه. فقالت: واللّه ما أرى فيه من خير، وما أشبهه إلا بعبدنا أبي الجون. فاستحيا الخارجيّ، وجلس هنيهة، ثم قام من عندها، وعلقها قلبه، فقال فيها:
ألا قد رابني ويريب غيريعشية حكمها حيف مريب
وأصبحت المودة عند ليلىمنازل ليس لي فيها نصيب
ذهبت وقد بدا لي ذاك منهالأهجوها فيغلبني النسيب
وأنسى غيظ نفسي إن قلبيلمن واددت فيئته قريب
فلا قلب مصرّ كل ذنبولا راض بغير رضا، غضوب
فدعها لست صاحبها وراجعحديثك إن شأنكما عجيب
قال: وبلغ الأشجعية زوجة محمد بن بشير ما قالته له الأنصارية، فعيرته بذلك، وكانت إذا أرادت غيظه كنته أبا الجون، فقال في ذلك:
وأيدي الهدايا ما رأيت معاتبامن الناس إلا الساعدية أجمل
وقد أخطأتني يوم بطحاء منعملها كفف يصطاد فيها وأحبل
وقد قال أهلي خير كسب كسبتهأبو الجون فاكسب مثلها حين ترحل
فإن بات إيضاعي بأمر مسرةلكن فما تسخطن في العيش أطول
أخبرني الحسن، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا الزبير، قال: حدّثني سليمان بن عياش، قال: اجتمع محمد بن بشير الخارجيّ وسائب بن ذكوان راوية كثيّر بمكة، فوافقا نسوة من بني غفار يتحدّثن، فجلسا إليهن، وتحدثنا معهن حتى تفرقن، وبقيت واحدة منهن تحدّث الخارجيّ، وتستنشده شعره حتى أصبحوا؛ فقال لهم رجل مر بهم: أما تبرحون عن هذا الشعر وأنتم حرم، ولا تدعون إنشاده وقول الزور في المسجد! فقالت المرأة: كذبت لعمر اللّه، ما قول الشعر بزور، ولا السّلام والحديث حرام على محرم ولا محل. فانصرف الرجل، وقال فيها الخارجيّ:
أمالك أن تزور وأنت خلوصحيح القلب أخت بني غفار؟
فما برحت تعيرك مقلتيهافتعطيك المنية في استتار
وتسهو في حديث القوم حتىيبين بعض ذلك ما توارى
فمت يا قلب ما بك من دفاعفينجيك الدفاع ولا فرار
فلم أر طالبا بدم كمثليأودّ وحسن مطلوب بثار
إذا ذكروا بثأري قلت سقيالثأري ذي الخواتم والسوار
وما عرفت دمي فتبوء منهبرهن في حبالي أو ضمار
وقد زعم العواذل أن يوميويومك بالمحصّب ذي الجمار
من الإغباء ثم زعمت أن لاوقلت لدى التنازع والتّمار
كذبتم ما السّلام بقول زوروما اليوم الحرام بيوم ثار
ولا تسليمنا حرما بإثمولا الحب الكريم لنا بعار
فإن لم نلقكم فسقى الغواديبلادك والرويّات السواري
قال سليمان: وفي هذه المرأة يقول الخارجيّ وقد رحلوا عن مكة، فودعها وتفرقوا:
يا أحسن الناس لو لا أن نائلهاقدما لمن يبتغي ميسورها عسر
وإنما دلّها سحر تصيد بهوإنما قلبها للمشتكي حجر
هل تذكرين كما لم أنس عهدكموقد يدوم لعهد الخلّة الذّكر
قولي وركبك قد مالت عمائمهموقد سقاهم بكأس الشقوة السفر
يا ليت أني بأثوابي وراحلتيعبد لأهلك هذا العام مؤتجر
فقد أطلت اعتلالا دون حاجتنابالحج أمس فهذا الحل والسفر
ما بال رأيك إذ عهدي وعهدكمإلفان ليس لنا في الود مزدجر
فكان حظك منها نظرة طرفتإنسان عينك حتى ما بها نظر
أكنت أبخل من كانت مواعدهدينا إلى أجل يرجى وينتظر
وقد نظرت وما ألفيت من أحديعتاده الشوق إلا بدؤه النظر
أبقت شجى لك لا ينسى وقادحةفي أسود القلب لم يشعر بها أخر
جنية أولها جن يعلمهارمي القلوب بقوس مالها وتر
تجلو بقادمتي ورقاء عن بردحمر المفاغر في أطرافها أشر
خود مبتلّة ريا معاصمهاقدر الثياب فلا طول ولا قصر
إذا مجاسدها اغتالت فواضلهامنها روادف فعمات ومؤتزر
إن هبت الريح حنت في وشائحهاكما يجاذب عود القينة الوتر
بيضاء تعشو بها الأبصار إن برزتفي الحج ليلة إحدى عشرة القمر
ألا رسول إذا بانت يبلغهاعنا وإن لم تؤلّف بيننا المرر
أنى - بآية وجد قد ظفرت بهمني ولم يك في وجدي بكم ظفر
- قتيل يوم تلاقينا وأن دميعنها وعمن أجارت من دمي هدر
تقضين فيّ ولا أقضي عليك كمايقضي المليك على المملوك يقتسر
إن كان ذا قدرا يعطيك نافلةمنا ويحرمنا، ما أنصف القدر
أخبرني عيسى بن الحسين، قال: حدّثنا الزبير، قال: حدّثني سليمان بن عياش، قال: كان الخارجيّ قدم البصرة، فتزوّج بها امرأة من عدوان، كانت موسرة، فأقام عندها بالبصرة مدة، ثم توخم البصرة، فطالبها بأن ترحل معه إلى الحجاز، فقالت: ما أنا بتاركة مالي وضيعتي ههنا تذهب وتضيع، وأمضى معك إلى بلد الجدب والفقر والضيق، فإما أن أقمت ها هنا أو طلقتني. فطلقها وخرج إلى الحجاز، ثم ندم وتذكرها، فقال:
دامت لعينك عبرة وسجوموثوب بقلبك زفرة وهموم
طيف لزينب ما يزال مؤرقيبعد الهدوّ فما يكاد يريم
وإذا تعرض في المنام خيالهانكأ الفؤاد خيالها المحلوم
أجعلت ذنبك ذنبه وظلمتهعند التحاكم والمدل ظلوم
ولئن تجنيت الذنوب فإنهذو الداء يعذر والصحيح يلوم
ولقد أراك غداة بنت وعهدكمفي الوصل لا حرج ولا مذموم
أضحت تحكمك التجارب والنهيعنه، ويكلفه بك التحكيم
صوت
برأ الألى علقوا الحبائل قبلهفنجوا وأصبح في الوثاق يهيم
ولقد أردت الصبر عنك فعاقنيعلق بقلبي من هواك قديم
ضعفت معاهد حبهن مع الصباومع الشباب فبن وهو مقيم
يبقى على حدث الزمان وريبهوعلى جفائك إنه لكريم
وجنيت حين صححت وهو بدائهشتان ذاك مصحّح وسقيم
وأديته زمنا فعاذ بحلمهإن المحب عن الحبيب حليم
وزعمت أنك تبخلين وشفّهشوق إليك، وإن بخلت، أليم
غنى في هذه الأبيات الدارميّ خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي؛ وفيه لعريب خفيف ثقيل مطلق، وهو الذي يغني الآن، ويتعارفه الناس.
أخبرني عيسى بن الحسين، قال: حدّثنا الزبير، قال: حدّثني سليمان بن عياش السعديّ، قال: كان الخارجيّ منقطعا إلى أبي عبيدة بن عبد اللّه بن زمعة، وكان يكفيه مؤونته، ويفضل عليه، ويعطيه في كل سنة ما يكفيه ويغنيه، ويغني قومه وعياله، من البرّ والتمر والكسوة في الشتاء والصيف، ويقطعه القطعة بعد القطعة من إبله وغنمه، وكان منقطعا إليه وإلى زيد بن الحسن، وابنه الحسن بن زيد، وكلهم به برّ، وإليه محسن. فمات أبو عبيدة، وكان ينزل الفرش من ملل، وكان الخارجي ينزل الروحاء، فقال يرثيه:
ألا أيها الناعي ابن زينب غدوةنعيت الندى دارت عليه الدوائر
لعمري لقد أمسى قرى الضيف عاتمابذي الفرش لما غيبتك المقابر
إذا سوفوا نادوا صداك ودونهصفيح وخوّار من الترب مائر
ينادون من أمسى تقطّع دونهمن البعد أنفاس الصدور الزوافر
فقومي اضربي عينيك يا هند لن ترىأبا مثله تسمو إليه المفاخر
قال الزبير: فحدّثني سليمان بن عياش، قال: كانت هند بنت أبي عبيدة عند عبد اللّه بن حسن بن حسن، فلما مات أبوها جزعت عليه جزعا شديدا، ووجدت وجدا عظيما، فكلم عبد اللّه بن الحسن محمد بن بشير الخارجيّ أن يدخل إليها، فيعزيها ويسليها عن أبيها، فدخل إليها معه. فلما نظر إليها صاح بأعلى صوته:
قومي اضربي عينيك يا هند لن تريأبا مثله تسمو إليه المفاخر
وكنت إذا فاخرت أسميت والدايزين كما زان اليدين الأساور
فإن تعوليه يشف يوما عويلهغليلك أو يعذرك بالنوح عاذر
وتحزنك ليلات طوال وقد مضتبذي الفرش ليلات تسر قصائر
فلقاه رب يغفر الذنب رحمةإذا بليت يوم الحساب السرائر
إذا ما ابن زاد الركب لم يمس ليلةقفا صفر لم يقرب الفرش زائر
لقد علم الأقوام أن بناتهصوادق إذ يندبنه وقواصر
قال: فقامت هند، فصكت وجهها وعينيها، وصاحت بويلها وحربها، والخارجيّ يبكي معها، حتى لقيا جهدا، فقال له عبد اللّه بن الحسن: ألهذا دعوتك ويحك؟ فقال له: أفظننت أني أعزيها عن أبي عبيدة؟ واللّه ما يسليني عنه أحد؛ ولا لي عنه ولا عن فقده صبر، فكيف يسليها عنه من ليس يسلو بعده!
أخبرني عيسى، قال: حدّثني الزبير، قال: حدّثني سليمان بن عياش، قال: وعد رجل محمد بن بشير الخارجيّ بقلوص، فمطله، فقال فيه يذمه، ويمدح زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام:
لعلك والموعود حق وفاؤهبدا لك في تلك القلوص بداء
فإن الذي ألقى إذا قال قائلمن الناس: هل أحسستها لعناء
يقول الذي يبدي الشّمات وقولهعليّ وإشمات العدوّ سواء
دعوت - وقد أخلفتني الوعد - دعوةبزيد فلم يضلل هناك دعاء
بأبيض مثل البدر عظّم حقهرجال من آل المصطفى ونساء
فبلغت الأبيات زيد بن الحسن، فبعث إليه بقلوص من خيار إبله، فقال يمدحه:
إذا نزل ابن المصطفى بطن تلعةنفى جدبها واخضر بالنبت عودها
وزيد ربيع الناس في كل شتوةإذا أخلفت أنواؤها ورعودها
حمول لأشناق الديات كأنهسراج الدجى إذ قارنته سعودها
أخبرني عيسى، قال: حدّثني الزبير، قال: حدّثني سليمان بن عياش، قال: نظر الخارجيّ إلى نعش سليمان بن الحصين وقد أخرج، فهتف بهم، فقال:
ألم تروا أن فتى سيداراح على نعش بني مالك
لا أنفس العيش لمن بعدهوأنفس الهلك على الهالك
وقال فيه أيضا:
ألا أيها الباكي أخاه وإنماتفرّق يوم الفدفد الأخوان
أخي يوم أحجار الثّمام بكيتهولو حمّ يومي قبله لبكاني
تداعت به أيامه فآختر منهوأبقين لي شجوا بكل زمان
فليت الذي ينعى سليمان غدوةبكى عند قبري مثلها ونعاني
فلو قسمت في الجن والإنس لوعتيعليه بكى من حرّها الثقلان
ولو كانت الأيام تطلب فديةإليه وصرف الدهر ما ألواني
أخبرني عيسى، قال: حدّثنا الزبير، قال: حدّثنا سليمان بن عياش، قال: خرج محمد بن بشير يرمي الأروى ومعه جماعة، فيهم رجل من الموالي من أهل السّيالة، فصعد المولى على صفاة بيضاء يرمي من فوقها، فزلت قدمه عنها، فصاح حتى سقط على الأرض، وأحدث في ثيابه، فقال الخارجيّ في ذلك:
حرّق يا صفاة في ذراكبالنار إن لم تمنعي أرواك
تعلّمي أن بذي الأراك- أيتها الأروى - ذوي عراك
قوما أعدّوا شبك الشّباكيبغون ضبعا قتلت أباك
نعم ملوّي الحيد المداكإذ صوت الجالب في أخراك
ولم يقل منتصحا: إياكبين مقاطيها ركبت فاك
فعدت والطعن على كلاكمثل الأضاحي بيد النساك
يرمى بالأكتاف على الأوراككما أطحت العبد عن صفاك
أما السّياليّ فلن ينساكلو يرتميك الناس ما رماك
أخبرني عيسى، قال: حدّثنا الزبير، قال: حدّثنا سليمان بن عياش، قال: كانت عند الخارجيّ بنت عم له، فهجاه بعض قرابتها، فأجابه الخارجيّ، فغضبت زوجته، وقالت: هجوت قرابتي. فقال الخارجيّ في ذلك:
أمّا ما أقول لهم فعابتعليّ وقد هجيت فما تعيب
فرمت وقد بدالي ذاك منهالأهجوها فيمنعني النسيب
فلا قلب يبصّر كل ذنبولا راض بغير رضا، غضوب
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا أحمد بن زهير قال: حدّثني مصعب قال: وحدّثني الزبير عن سليمان بن عياش، قالا: تزوّج الخارجيّ جارية من بني ليث شابة، وقد أسنّ وأسنت زوجته العدوانية. فضربت دونه حجابا، وتوارت عنه، ودعت نسوة من عشيرتها، فجلسن عندها، يلهون ويتغنّين ويضربن بالدفوف، وعرف ذلك محمد فقال:
لئن عانس قد شاب ما بين قرنهاإلى كعبها وأبيض عنها شبابها
صبت في طلاب اللهو يوما وعلّقتحجابا لقد كانت يسيرا حجابها
لقد متّعت بالعيش حتى تشعّبتمن اللهو إذ لا ينكر اللهو بابها
فبيني برغم ثم ظلّي فربماثوى الرغم منها حيث يثوي نقابها
لبيضاء لم تنسب لجدّ يعبيهاهجان ولم تنبح لئيما كلابها
تأوّد في الممشى كأنّ قناعهاعلى ظبية أدّماء طاب شبابها
مهفهفة الأعطاف خفّاقة الحشىجميل محياها قليل عتابها
إذا ما دعت بابني نزار وقارعتذوي المجد لم يردد عليها انتسابها
حدّثنا الحسن بن علي قال: حدّثنا أحمد بن زهير قال: حدّثنا الزبير بن بكار قال: حدّثني عمي عن الضحاك بن عثمان، قال: لما ولي إبراهيم بن هشام الحرمين، دخل إليه محمد بن بشير الخارجيّ، وكان له قبل ذلك صديقا. فأعرض عنه، ولم يظهر له بشاشة ولا أنسا. ثم عاوده فاستأذنه في الإنشاد، فأعرض عنه، وأخرجه الحاجب من داره، وكان إبراهيم بن هشام تياها، شديد الذهاب بنفسه، فوقف له يوم الجمعة على طريقه إلى المسجد، فلما حاذاه صاح به:
يابن الهشامين طرّا حزت مجدهماوما تخوّنه نقض وإمرار
لا تشمتنّ بي الأعداء إنهمبيني وبينك سمّاع ونظّار
وإن شكري إن ردّوا بغيظهمفي ذمة اللّه إعلان وإسرار
فاكرر بنائلك المحمود من سعةعليّ إنك بالمعروف كرّار
فقال لحاجبه: قل له يرجع إليّ إذا عدت. فرجع، فأدخله إليه، وقضى دينه، وكساه ووصله، وعاد إلى ما عهده منه.
أخبرني الحسن قال: حدّثنا أحمد بن زهير، قال: حدّثني مصعب عن أبيه قال: عثر بعروة بن أذينة حماره عند ثنية العويقل، فقال عروة:
ليت العويقل مسدود وأصبح منفوق الثنية فيه ردم يأجوج
فتستريح ذوو الحاجات من غلظويسلك السهل يمشي كلّ منتوج
فقال محمد بن بشير الخارجيّ يردّ عليه:
سبحان ربك تب مما أتيت بهما يسدد اللّه يصبح وهو مرتوج
وهل يسدّ وللحجّاج فيه إذاما أصعدوا فيه تكبير وتلجيج
ما زال منذ أذلّ اللّه موطئهومنذ آذن أنّ البيت محجوج
تهدي له الوفد وفد اللّه مطربةكأنه شطب بالقدّ منسوج
خل الطريق إليها إن زائرهاوالساكنين بها الشمّ الأباليج
لا يسدد اللّه نقبا كان يسلكه البيض البهاليل والعوج العناجيج
لو سدّه اللّه يوما ثم عجّ لهمن يسلك النقب أمسى وهو مفروج
أخبرني الحسن قال: حدّثنا أحمد بن زهير، قال: حدّثنا مصعب، قال: كان للخارجيّ أخ يقال له بشّار بن بشير، وكان يجالس أعداءه، ويعاشر من يعلم أنه مباين له. وفيه يقول:
وإني قد نصحت فلم تصدّقبنصحي واعتددت فما تبالي
وإني قد بدا لي أنّ نصحيلغيبك واعتدادي في ضلال
فكم هذا أذودك عن قطاعيكتذويد المحلّأة النّهال
فلا تبغ الذنوب عليّ واقصدلأمرك من قطاع أو وصال
فسوف أرى خلالك من تصافيإذا فارقتني وترى خلالي
وإن جزاء عهدك إذ تولّىبأن أغضي وأسكت لا أبالي
أخبرني عيسى بن الحسين قال: حدّثنا الزبير بن بكار، قال: حدّثنا سليمان بن عياش، قال: كان الخارجيّ معجبا بزوجته سعدى، وكانت من أسوأ الناس خلقا، وأشدّه على عشير، فكان يلقى منها عنتا. فغاضبها يوما لقول آذته به، واعتزلها، وانتقل إلى زوجته الأخرى، فأقام عندها ثلاثا. ثم اشتاق إلى سعدى، وتذكرها، وبدا له في الرجوع إلى بيتها، فتحوّل إليها، وقال:
أراني إذا غالبت بالصبر حبّهاأبى الصبر ما ألقى بسعدى فأغلب
وقد علمت عند التعاتب أنناإذا ظلمتنا أو ظلمنا سنعتب
وإنّي وإن لم أجن ذنبا سأبتغيرضاها وأعفو ذنبها حين تذنب
وإني وإن أنّبت فيها يزيدنيبها عجبا من كان فيها يؤنب
أخبرني عيسى قال: حدّثنا الزبير قال: حدّثنا سليمان بن عياش قال: كان بشار بن بشير أخو محمد بن بشير يعاديه، ويجالس أعداءه. فقال الخارجيّ فيه:
كفاني الذي ضيّعت مني وإنمايضيع الحقوق ظالما من أضاعها
صنيعة من ولّاك سوء صنيعهاوولى سواك أجرها واصطناعها
أبى لك كسب الخير رأي مقصّرونفس أضاق اللّه بالخير باعها
إذا هي حثّته على الخير مرةعصاها وإن همت بشر أطاعها
فلو لا رجال كاشحون يسرّهمأذاك، وقربى لا أحبّ انقطاعها
إذا بان إن زلّت بك النعل زلّةفراق خلال لا تطيق ارتجاعها
وأني متى أحمل على ذاك أطّلععليك عيوبا لا أحبّ اطلاعها
فإن تك أحلام تردّ إخاءناعلينا فمن هذا يردّ سماعها
سأنهاك نهيا مجملا وقصائدانواصح تشفى من شئون صداعها
ومن يجتلب نحوي القصائد يجتلبقراه ويتبع من يحبّ اتباعها
إذا ما الفتى ذو اللب حلت قصائدإليه فيخل للقوافي رباعها
أخبرني عيسى بن الحسين الوارق قال: حدثنا الزبير قال: حدثنا سليمان بن عياش قال: لما دفن زيد بن حسن وانصرف الناس عن قبره، جاء محمد بن بشير إلى الحسن بن زيد، وعنده بنو هاشم ووجوه قريش يعزونه، فأخذ بعضادتي الباب، وقال:
أعينيّ جودا بالدموع وأسعدابني رحم ما كان زيد يهينها
ولا زيد إلا أن يجود بعبرةعلى القبر شاكي نكبة يستكينها
وما كنت تلقى وجه زيد ببلدةمن الأرض إلا وجه زيد يزينها
لعمر أبي الناعي لعمّت مصيبةعلى الناس واختصت قصيّا رصينها
وأنّى لنا أمثال زيد وجدّهمبلّغ آيات الهدى وأمينها
وكان حليفيه السماحة والنّدىفقد فارق الدنيا نداها ولينها
غدت غدوة ترمي لؤيّ بن غالبيجعد الثّرى فوق امرىء ما يشينها
أغرّ بطاحيّ بكت من فراقهعكاظ فبطحاء الصفا فحجونها
فقل للتي يعلو على الناس صوتهاألا لا أعان اللّه من لا يعينها
وأرملة تبكي وقد شقّ جيبهاعليه فآبت وهي شعث قرونها
ولو فقهت ما يفقه الناس أصبحتخواشع أعلام الفلاة وعينها
نعاه لنا الناعي فظلنا كأننانرى الأرض فيها آية حان حينها
وزالت بنا أقدامنا وتقلبتظهور روابيها بنا وبطونها
وآب ذوو الألباب منا كأنمايرون شمالا فارقتها يمينها
سقى اللّه سقيا رحمة ترب حفرةمقيم على زيد ثراها وطينها
قال: فما رؤي يوم كان أكثر باكيا من يومئذ.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال: حدّثني العمري عن لقيط، قال: كان محمد بن بشير الخارجيّ من أهل المدينة، وكانت له بنت عم سريّة جميلة، قد خطبها غير واحد من سروات قريش، فلم ترضه. فقال لأبيه: زوّجنيها. فقال له: كيف أزوّجكها وقد ردّ عمك عنها أشراف قريش.
فذهب إلى عمه فخطبها إليه، فوعده بذلك، وقرّب منه. فمضى محمد إلى أبيه فأخبره: فقال له: ما أراه يفعل. ثم عاوده، فزوّجه إيّاها. فغضبت الجارية، وقالت له: خطبني إليك أشراف قريش فرددتهم، وزوّجتني هذا الغلام الفقير؟ فقال لها: هو ابن عمك، وأولى الناس بك. فلما بنى لها جعلت تستخف به وتستخدمه، وتبعثه في غنمها مرة، وإلى نخلها أخرى. فلما رأى ذلك من فعلها قال شعرا، ثم خلا في بيت يترنم به ويسمعها. وهو:
تثاقلت أن كنت ابن عمّ نكحتهفملت وقد يشفى ذوو الرأي بالعذل
فإنك إلّا تتركي بعض ما أرىتنازعك أخرى كالقرينة في الحبل
تلزّك ما اسطاعت إذا كان قسمهاكقسمك حقّا في التّلاد وفي البعل
متى تحمليها منك يوما لحالةفتتبعها تحملك منها على مثل
قال: فصلحت، ولم ير منها بعد ما سمعت شيئا يكرهه.
صوت
علام هجرت ولم تهجريومثلك في الهجر لم يعذر
قطعت حبالك من شادنأغنّ قطوف الخطا أحور
الشعر لسديف مولى بني هاشم: والغناء لأبي العبيس بن حمدون. خفيف ثقيل بالسبابة والوسطى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع