تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار كعب بن مالك الأنصاري ونسبه

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو كعب بن مالك بن أبي كعب. واسم أبي كعب: عمرو بن القين بن كعب بن سواد. وقيل: القين بن سواد (هكذا قال ابن الكلبيّ) بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن عليّ بن أسد بن شاردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث.

وكان كعب بن مالك من شعراء أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المعدودين، وهو بدري عقبيّ. وأبوه مالك بن أبي كعب بن القين شاعر، وله في حروب الأوس والخزرج، التي كانت بينهم قبل الإسلام آثار وذكر. وعمه قيس بن أبي كعب شهد بدرا، وهو شاعر أيضا، وهو الذي حالف جهينة على الأوس. وخبره في ذلك يذكر في موضعه، بعد أخبار كعب وأبيه.

ولكعب بن مالك أصل عريق، وفرع طويل في الشعر: ابنه عبد الرّحمن شاعر، وابن ابنه بشير بن عبد الرّحمن شاعر، والزّبير بن خارجة بن عبد اللّه بن كعب شاعر، ومعن بن عمرو بن عبد اللّه بن كعب شاعر، وعبد الرّحمن بن عبد اللّه بن كعب أبو الخطّاب شاعر، ومعن بن وهب بن كعب شاعر، وكلهم مجيد مقدّم.

وعمّر كعب بن مالك، وروى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حديثا كثيرا، وكل بني كعب بن مالك قد روى عنه الحديث.

فما رواه ابن ابنه بشير عن أبيه عنه: حدّثني أحمد بن الجعد قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا أحمد بن عبد الملك قال: حدّثنا عتّاب بن سلمة عن إسحاق بن راشد عن الزهريّ قال: كان بشير بن عبد الرّحمن بن كعب يحدث عن أبيه: أن كعب بن مالك كان يحدّث أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «والذي نفسي بيده، لكأنما تنضحونهم بالنّبل بما تقولون لهم من الشعر».

ومما رواه عنه ابنه عبد اللّه: أخبرني أحمد بن الجعد قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا بكر بن عبد الرّحمن قال: حدثنا عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن مسلم، عن عبد اللّه بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصلي المغرب، ثم يرجع الناس إلى أهاليهم وهم يبصرون مواقع النّبل حين يرمون.

ومما رواه ابنه محمد: أخبرني أحمد بن الجعد قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن سابق قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزّبير، عن محمد بن كعب، عن أبيه، أنه حدّثه: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق، فنادى:

«إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منّى أيام أكل وشرب».

ويقال: كان كعب بن مالك عثمانيا، وهو أحد من قعد عن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، فلم يشهد معه حروبه، وخاطبه في أمر عثمان وقتلته خطابا نذكره بعد هذا في أخباره، ثم اعتزله. وله مراث في عثمان بن عفان رحمه اللّه، وتحريض للأنصار على نصرته قبل قتله، وتأنيب لهم على خذلانه بعد ذلك، منها قوله:

فلو حلتم من دونه لم يزل لكميد الدهر عزّ لا يبوخ ولا يسري
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
ولم تقعدوا والدار كاب دخانهايحرّق فيها بالسعير وبالجمر
فلم أريوما كان أكثر ضيعةوأقرب منه للغواية والنّكر

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا أبو غسان دماذ، عن أبي عبيدة قال: كان كعب بن مالك الأنصاريّ أحد من عاون عثمان على المصريين، وشهر سلاحه، فلما ناشد عثمان الناس أن يغمدوا سيوفهم انصرف، ولم ير أن الأمر يخلص إليه، ولا يجري القوم إلى قتله؛ فلما قتل وقف كعب بن مالك على مجلس الأنصار، في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأنشدهم:

من مبلغ الأنصار عنّي آيةرسلا تقصّ عليهم التّبيانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
أن قد فعلتم فعلة مذكورةكست الفضوح وأبدت الشّنآنا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
بقعودكم في دوركم وأميركمتحشى ضواحي داره النيرانا
بينا يرجّي دفعكم عن دارهملئت حريقا كابيا ودخانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
حتى إذا خلصوا إلى أبوابهدخلوا عليه صائما عطشانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
يعلون قلّته السيوف وأنتممتلبّثون مكانكم رضوانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
اللّه يعلم أنني لم أرضهلكم صنيعا يوم ذاك وشانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
يا لهف نفسي إذ يقول: ألا أرىنفرا من الأنصار لي أعوانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
واللّه لو شهد ابن قيس ثابتومعاشر كانوا له إخوانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة

يعني ثابت بن قيس بن شمّاس.

وأبو دجانة وابن أرقم ثابتوأخو المشاهد من بني عجلانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة

أبو دجانة: سماك بن خرشة. وابن أرقم: ثابت البلويّ. وأخو المشاهد من بني عجلان: معن بن عديّ، عقبيّ.

ورفاعة العمريّ وابن معاذهموأخو معاوي لم يخف خذلانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة

رفاعة: ابن عبد المنذر العمريّ. وابن معاذ: سعد بن معاذ. وأخو معاوية: المنذر بن عمرو الساعديّ، عقبى بدريّ.

قوم يرون الحق نصر أميرهمويرون طاعة أمره إيمانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
إن يتركوا فوضى يروا في دينهمأمرا يضيّق عنهم البلدانا
فليعلينّ اللّه كعب وليهوليجعلنّ عدوّه الذّلّانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
إني رأيت محمدا إختارهصهرا وكان يعدّه خلصانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
محض الضرائب ماجدا أعراقهمن خير خندف منصبا ومكانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
عرفت له عليا معدّ كلّهابعد النبيّ الملك والسلطانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
من معشر لا يغدرون بجارهمكانوا بمكة يرتعون زمانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
يعطون سائلهم ويأمن جارهمفيهم ويردون الكماة طعانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
فلو انكم مع نصركم لنبيكميوم اللقاء نصرتم عثمانا!
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
أنسيتم عهد النبيّ إليكمولقد ألظّ ووكّد الأيمانا
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة

قال: فجعل القوم يبكون، ويستغفرون اللّه عزوجل.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، وحبيب بن نصر المهلبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدثنا أبو عامر، عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: رجز راجز من قريش برسول اللّه صلّى اللّه عليه، فقال:

لم يغذها مدّ ولا نصيفولا تميرات ولا تعجيف
لكن غذاها اللبن الحرّيفوالمخض والقارص والصّريف

قال: فاحتفظت الأنصار حيث ذكر المد والتمر، فقالوا لكعب بن مالك: انزل، فنزل، فقال:

لم يغذها مدّ ولا نصيفلكن غذاها الحنظل النّقيف
ومذقة كطرّة الخنيفتبيت بين الزّرب والكنيف
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اركبا.

أخبرني الجوهريّ والمهلّبي قالا: حدثنا عمر بن شبّة قال: حدثنا هوذة بن خليفة قال: حدثنا عوف بن محمد، عن محمد بن سيرين، في حديث طويل قال:

كان يهجوهم يعني قريشا، ثلاثة نفر من الأنصار يجيبونهم: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد اللّه بن رواحة. وكان حسّان وكعب يعارضانهم بمثل قولهم، بالوقائع والأيام والمآثر، ويعيرانهم بالمثالب، وكان عبد اللّه بن رواحة يعيّرهم بالكفر، وينسبهم إليه، ويعلم أن ليس فيهم شيء شرّ من الكفر، فكانوا في ذلك الزمان أشدّ شيء عليهم قول حسان وكعب، وأهون شيء عليهم قول ابن رواحة، فلما أسلموا وفقهوا الإسلام، كان أشد القول عليهم قول ابن رواحة.

أخبرني الجوهريّ والمهلّبيّ قالا: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا عبد اللّه بن بكر السّهميّ قال: حدثني حاتم بن أبي صغيرة قال: حدثنا سماك بن حرب قال: أتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقيل: إن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يهجوك، فقام ابن رواحة، فقال: يا رسول اللّه ائذن لي فيه. فقال له: أنت الذي تقول: فثبّت اللّه؟ قال: نعم يا رسول اللّه، أنا الذي أقول:

فثبت اللّه ما أعطاك من حسنتثبيت موسى، ونصرا كالذي نصرا

فقال: وأنت فعل اللّه بك مثل ذلك. قال: فوثب كعب بن مالك فقال: يا رسول اللّه، ائذن لي فيه. فقال: أنت الذي تقول: همّت؟ قال: نعم يا رسول اللّه، أنا الذي أقول:

همت سخينة أن تغالب ربّهاوليغلبنّ مغالب الغلّاب

فقال: أما إن اللّه لم ينس لك ذلك.

أخبرني الجوهريّ والمهلبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثنا عبد اللّه بن يحيى مولى ثقيف قال: حدّثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدّثنا مجالد، عن الشعبيّ قال: لما انهزم المشركون يوم الأحزاب، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إن المشركين لن يغزوكم بعد اليوم، ولكنكم تغزونهم، وتسمعون منهم أذى ويهجونكم، فمن يحمي أعراض المسلمين؟ فقام عبد اللّه بن رواحة، فقال: أنا.

فقال: إنك لحسن الشعر. ثم قام كعب فقال: أنا. فقال: وإنك لحسن الشعر.

أخبرني الجوهريّ والمهلّبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثني محمد بن منصور قال: حدّثني سعيد بن عامر قال: حدّثني جويرية بن أسماء قال: بلغني أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: أمرت عبد اللّه بن رواحة، فقال وأحسن، وأمرت حسّانا فشفى واشتفى.

أخبرني الجوهريّ والمهلبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثني أحمد بن عيسى قال: حدّثني عبد اللّه بن وهب عن عمرو بن الحارث: أن يحيى بن سعيد حدّثه عن عبد اللّه بن أنيس عن أمه، وهي بنت كعب بن مالك: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خرج على كعب وهو في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ينشد، فلما رآه كأنه انقبض، فقال: ما كنتم فيه؟

فقال كعب: كنت أنشد. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: فأنشد، فأنشد حتى أتى على قوله:

مقاتلنا عن جذمنا كلّ فخمة

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا تقل عن جذمنا، ولكن قل: مقاتلنا عن ديننا.

قال أبو زيد: وحدّثني سعيد بن عامر قال: حدّثنا أبو عون عن ابن سيرين قال: وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بباب كعب بن مالك، فخرج فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إيه، فأنشده، ثم قال: إيه فأنشده، ثم قال: إيه فأنشده (ثلاث مرات). فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لهذا أشدّ عليهم من مواقع النّبل.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن منصور الرّبعيّ، وذكر أنه إسناد شآم، هكذا قال، قال ابن عمار في الخبر، وذكر حديثا فيه طول، لحسان بن ثابت، والنعمان بن بشير، وكعب بن مالك، فذكرت ما كان لكعب فيه، قال: لما بويع لعليّ بن أبي طالب عليه السّلام، بلغه عن حسان بن ثابت وكعب بن مالك والنعمان بن بشير - وكانوا عثمانية - أنهم يقدّمون بني أمية على بني هاشم، ويقولون: الشأم خير من المدينة. واتصل بهم أن ذلك قد بلغه، فدخلوا عليه، فقال له كعب بن مالك: يا أمير المؤمنين؛ أخبرنا عن عثمان: أقتل ظالما، فنقول بقولك؟ أم قتل مظلوما، فنقول بقولنا، ونكلك إلى الشبهة فيه، فالعجب من تيقننا وشكك، وقد زعمت العرب أن عندك علم ما اختلفنا فيه، فهاته نعرفه، ثم قال:

كفّ يديه ثم أغلق بابهوأيقن أن اللّه ليس بغافل
وقال لمن في داره: لا تقاتلواعفا اللّه عن كل امرىء لم يقاتل
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
فكيف رأيت اللّه صبّ عليهم العداوة والبغضاء بعد التواصل
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
وكيف رأيت الخير أدبر عنهموولّى كإدبار النعام الجوافل
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة

فقال لهم عليّ عليه السّلام: لكم عندي ثلاثة أشياء: استأثر عثمان فأساء الأثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع، وعند اللّه ما تختلفون فيه إلى يوم القيامة. فقالوا: لا ترضى بهذا العرب، ولا تعذرنا به. فقال عليّ عليه السّلام: أتردون عليّ بين ظهراني المسلمين، بلا بيّنة صادقة، ولا حجة واضحة؟ اخرجوا عني، ولا تجاوروني في بلد أنا فيه أبدا. فخرجوا من يومهم، فساروا حتى أتوا معاوية، فقال لهم: لكم الولاية والكفاية. فأعطى حسان بن ثابت ألف دينار، وكعب بن مالك ألف دينار، وولى النّعمان بن بشير حمص، ثم نقله إلى الكوفة بعد.

أخبرني عمي قال: حدثنا أحمد بن الحارث، قال: حدّثنا المدائنيّ عن عبد الأعلى القرشيّ قال: قال معاوية يوما لجلسائه: أخبروني بأشجع بيت وصف به رجل قومه. فقال له روح بن زنباع: قول كعب بن مالك:

نصل السيوف إذا قصرن بخطوناقدما ونلحقها إذا لم تلحق

فقال له معاوية: صدقت.

وأما أبوه مالك بن أبي كعب، أبو كعب بن مالك، فإني أذكر قبل أخباره شيئا مما يغنّى فيه من شعره، فمن ذلك قوله:

صوت

لعمر أبيها لا تقول حليلتي:ألا فرّ عني مالك بن أبي كعب
وهم يضربون الكبش يبرق بيضهترى حوله الأبطال في حلق شهب

الشعر لمالك بن أبي كعب. والغناء لمالك، ثقيل أول بالبنصر، عن يونس والهشاميّ. وفيه لإبراهيم خفيف ثقيل بالوسطى، جميعا عن الهشاميّ. وزعم ابن المكيّ أن خفيف الثقيل هو لحن مالك.

وهذا الشعر يقوله مالك بن أبي كعب في حرب كانت بينه وبين رجل من بني ظفر، يقال له برذع بن عديّ.

وكان السبب فيما ذكره جعفر العاصميّ عن عيينة بن المنهال، ونسخته من كتاب أعطانيه عليّ بن سليمان الأخفش: أن رجلا من طيىء قدم يثرب بإبل له يبيعها، فنزل في جوار برذع بن عديّ أخي بني ظفر، فباع إبله، واقتضى أثمانها، وكان مالك بن أبي كعب بن القين أخو بني سلمة، اشترى منه جملا، فجعله ناضحا، فمطله مالك بن أبي كعب بثمن جمله، وحضر شخوص الطائيّ، فشكا ذلك إلى برذع، فمشى معه إلى منزل مالك، ليكلمه أن يوفيه ثمن جمله، أو يرده عليه، فلم يجدا مالكا في منزله، ووجدا الجمل باركا بالفناء، فبعثه برذع، وقال للطائيّ: انطلق بجملك، ثم خرجا مسرعين حتى دخلا في دار النّبيت، فأمنا، فارتحل الطائيّ بالجمل إلى بلاده، وبلغ مالكا ما صنع برذع، فكره أن ينشب بين قومه وبين النبيت حرب، فكف وقد أغضبه ذلك، وجعل يسفّه برذعا في جراءته عليه وما صنع، فقال برذع بن عديّ في ذلك:

أمن شحط دار من لبابة تجزعوصرف النوى مما يشتّ ويجمع
وليس بها إلا ثلاث كأنهامسفّعة أو قد علاهنّ أيدع
قد اقتربت لو كان في قرب دارهاجداء ولكن قد تضن وتمنع
وكان لها بالمنحنى وجنوبهمصيف ومشتى قبل ذاك ومربع
أتاني وعيد الخزرجيّ كأننيذليل له عند اليهوديّ مضرع
متى تلقني لا تلق نهزة واجدوتعلم أني في الهزاهز أروع
معي سمحة صفراء من فرع نبعةولين إذا مسّ الضريبة يقطع
ومطّرد لدن إذا هزّمتنهمتين كخرص الذابلات وأهزع
فلا وإلهي لا يقول مجاوري:ألا إنني قد خانني اليوم برذع
وأحفظ جاري أن أخاتل عرسهومولاي بالنّكراء لا أتطلع
وأجعل مالي دون عرضي إنهعلى الوجد والإعدام عرض ممنّع
وأصبر نفسي في الكريهة إنهلذي كل نفس مستقر ومصرع
وإني بحمد اللّه لا ثوب فاجرلبست ولا من خزية أتقنع

فأجابه مالك بن أبي كعب، فقال:

صوت

هل للفؤاد لدى شنباء تنويلأم لا نوال فإعراض وتحميل
إن النساء كأشجار نبتن معامنهن مرّ وبعض المرّ مأكول
إن النساء ولو صوّرن من ذهبفيهن من هفوات الجهل تخبيل

الغناء لسليم، هزج بالوسطى عن الهشاميّ وبذل.

إنك إن تنه إحداهن عن خلقفإنه واجب لا بدّ مفعول
ونعجة من نعاج الرمل خاذلةكأن مأقيها بالحسن مكحول
ودّعتها في مقامي ثم قلت لها:حياك ربك إني عنك مشغول
وليلة من جمادى قد شربت بهاوالزّق بيني وبين الشّرج معدول
ومرجحنّ على عمد دلفت بهكأنه رجل في الصفّ مقتول
ولا أهاب إذا ما الحرب حرّشها الأبطال واضطربت فيها البهاليل
أمضي أمامهم والموت مكتنعقدما إذا ما كبا فيها التّنابيل
عليّ فضفاضة كالنّهى سابغةوصارم مثل لون الملح مصقول
ولدنة في يدي صفراء تعلبهابعامل كشهاب النار موصول
إني من الخزرج الغرّ الذين همأهل المكارم لا يلفى لهم جيل
في الحرب أنهك منهم للعدوّ إذاشبت وأعظم نيلا إن هم سيلوا
أشبهت من والدي عزّا ومكرمةوبرذع مدغم في الأوس مجهول
نبّئته يدّعي عزا ويوعدنينوكا وعندي له بالسيف تنكيل

قال: ثم إن مالك بن كعب خرج يوما لبعض حاجته، فبينا هو يمشي وحده، إذ لقيه برذع ومعه رجلان من بني ظفر، فلما رأوا مالكا أقبلوا نحوه، فبدرهم مالك إلى مكان من الحرّة كثير الحجارة مشرف، فقام عليه، وأخذ في يده أحجارا، وأقبلوا حتى دنوا منه، فشاتموه وراموه بالحجارة؛ وجعل مالك يلتفت إلى الطريق الذي جاء منه، كأنه يستبطىء ناسا، فلما رآه برذع وصاحباه يكثر الالتفات، ظنوا أنه ينتظر ناسا كانوا معه، وخشوا أن يأتوهم على تلك الحال، فانصرفوا عنه، فقال مالك بن أبي كعب في ذلك:

لعمر أبيها لا تقول حليلتي:ألا فرّ عني مالك بن أبي كعب
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلاوأنجو إذا غمّ الجبان من الكرب
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة
أبى لي أن أعطى الصّغار ظلامةجدودي وآبائي الكرام أولو السّلب
هم يضربون الكبش يبرق بيضهترى حوله الأبطال في حلق شهب
وهم أورثوني مجدهم وفعالهمفأقسم لا يزري بهم أبدا عقبي

ويروى: لا يخزيهم.

وأرعى لجاري ما حييت ذمامهوأعرف ما حقّ الرفيق على الصحب
ولا أسمع النّدمان شيئا يريبهإذا الكأس دارت بالمدام على الشّرب
إذا ما اعترى بعض الندامى لحاجةفقولي له: أهلا وسهلا وفي الرحب
إذا أنفدوا الزّق الرويّ وصرّعوانشاوى فلم أنقع بقولهم: حسبي
بعثت إلى حانوتها فاستبأتهابغير مكاس في السّوام ولا غصب
وقلت: اشربوا ريّا هنيئا فإنهاكماء القليب في اليسارة والقرب
يطاف عليهم بالسّديف وعندهمقيان يلهّين المزاهر بالضرب
فإن يصبروا لي الدهر أصبرهم بهاويرحب لهم باعي ويغزر لهم شربي
وكان أبي في المحل يطعم ضيفهويروي نداماه ويصبر في الحرب
ويمنع مولاه ويدرك تبلهولو كان ذاك التبل في مركب صعب
إذا ما منعت المال منكم لثروةفلا يهنني مالي ولا ينم لي كسبي

وقد روي أن الشعر المنسوب إلى مالك بن أبي كعب، لرجل من مراد، يقال له مالك بن أبي كعب، وذكر له خبر في ذلك.

أخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان. قال: حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال: حدثنا العمريّ، عن الهيثم بن عديّ، عن عبد اللّه بن عباس، عن مجالد عن الشعبي، قال: كان رجل من مراد يكنى أبا كعب، وكان له ابن يدعى مالكا، وبنت يقال لها طريفة، فزوج ابنه مالكا امرأة من أرحب، فلم تزل معه حتى مات أبو كعب، فقالت الأرحبية لمالك: إني قد اشتقت إلى أهلي ووطني، ونحن هاهنا في جدب وضيق عيش، فلو ارتحلت بأهلك وبي، فنزلت على أهلي، لكان عيشنا أرغد، وشملنا أجمع؛ فأطاعها، وارتحل بها وبأمه وبأخته إلى بلاد أرحب، فمر بحيّ كان بينهم وبين أبيه ثأر، فعرفوا فرسه، فخرجوا إليه، وأحدقوا به، وقالوا له: استسلم وسلّم الظعينة. فقال: أما وسيفي بيدي وفرسي تحتي فلا، وقاتلهم حتى صرع، فقال وهو يجود بنفسه:

لعمر أبيها لا تقول حليلتيألا فرّ عني مالك بن أبي كعب

وذكر باقي الأبيات التي تقدم ذكرها قبل هذا الخبر.

قال مؤلف هذا الكتاب: وأحسب هذا الخبر مصنوعا، وأن الصحيح هو الأول.

صوت

خيّرت أمرين ضاع الحزم بينهماإما الضّياع وإما فتنة عمم
فقد هممت مرارا أن أساجلهمكأس المنية لو لا اللّه والرّحم

الشعر لعيسى بن موسى الهاشميّ، والغناء لمتيّم الهاشمية، خفيف رمل، من روايتي ابن المعتز والهشاميّ.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»