تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار حمزة بن بيض ونسبه

ديوان حمزة بن بيضفيه ١٥١ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

حمزة بن بيض الحنفيّ: شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، كوفيّ خليع ماجن، من فحول طبقته. وكان كالمنقطع إلى المهلّب بن أبي صفرة وولده، ثم إلى أبان بن الوليد، وبلال بن أبي بردة. واكتسب بالشعر من هؤلاء مالا عظيما، ولم يدرك الدولة العباسية.

أخبرني عمي قال: حدّثنا أبو هفان قال: أخبرني أبو محلم عن المفضل قال: أخذ حمزة بن بيض الحنفيّ بالشعر ألف ألف درهم، من مال وحملان وثياب ورقيق غير ذلك.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أبو توبة، قال: قدم حمزة بن بيض على بلال بن أبي بردة، فلما وصل إلى بابه قال لحاجبه: استأذن لحمزة بن بيض الحنفيّ، فدخل الغلام إلى بلال، فقال: حمزة بن بيض بالباب. وكان بلال كثير المزح معه، فقال: اخرج إليه فقل: حمزة بن بيض ابن من؟ فخرج الحاجب إليه، فقال له ذلك. فقال: ادخل فقل له: الذي جئت إليه إلى بنيان الحمام وأنت أمرد، تسأله أن يهب لك طائرا، فأدخلك وناكك، ووهب لك طائرا. فشتمه الحاجب. فقال له: ما أنت وذا؟

بعثك برسالة، فأخبره بالجواب. فدخل الحاجب وهو مغضب، فلما رآه بلال ضحك، وقال: ما قال لك قبحه اللّه؟ قال: ما كنت لأخبر الأمير بما قال. فقال: يا هذا، أنت رسول فأدّ الجواب. قال: فأبى. فأقسم عليه حتى أخبره. فضحك حتى فحص برجله، وقال: قل له: قد عرفنا العلامة فادخل، فدخل فأكرمه، ورفعه، وسمع مديحه، وأحسن صلته.

قال: وأراد يقوله (ابن بيض ابن من؟) قول الشاعر فيه:

أنت ابن بيض لعمري لست أنكرهوقد صدقت، ولكن من أبو بيض؟

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثني محمد بن الحسن الأحول، عن الأثرم، عن أبي عمرو، وأخبرني وكيع قال: حدّثني عبيد اللّه بن محمد بن عبيد بن سفيان، قال: حدّثني أبو الحسن الشّيباني قال: حدّثني شعيب بن صفوان، قال: قدم حمزة بن بيض على مخلد بن يزيد بن المهلب وعنده الكميت، فأنشده قوله فيه:

أتيناك في حاجة فاقضهاوقل مرحبا يجب المرحب
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
ولا تكلنّا إلى معشرمتى يعدوا عدة يكذبوا
فإنك في الفرع من أسرةلهم خضع الشرق والمغرب
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
وفي أدب منهم ما نشأتونعم لعمرك ما أدّبوا
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
بلغت لعشر مضت من سني- ك ما يبلغ السيد الأشيب
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
فهمّك فيها جسام الأموروهّم لداتك أن يلعبوا
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
وجدت فقلت ألا سائلفيعطى ولا راغب يرغب
فمنك العطية للسائلينوممن ينوبك أن يطلبوا

فأمر له بمئة ألف درهم، فقبضها. قال وكيع في خبره: وسأله عن حوائجه، فأخبره بها، فقضى جميعها. وقال أيضا في خبره: فحسده الكميت. فقال له: يا حمزة، أنت كمهدي التمر إلى هجر، قال: نعم، ولكن تمرنا أطيب من تمر هجر.

أخبرني عليّ بن سليمان قال: حدّثني محمد بن يزيد النحويّ، قال: قال الجاحظ: أصاب حمزة بن بيض حصر، فدخل عليه قوم يعودونه وهو في كرب القولنج، إذ ضرط رجل منهم، فقال حمزة: من هذا المنعم عليه؟

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: قال عليّ بن الصباح: حدّثني هشام بن محمد، عن الشّرقيّ، قال: زعم هشام بن عروة أن عبد الرّحمن بن عنبسة مرّ فإذا هو بغلام أصبح الغلمان وأحسنهم، ولم يكن لعبد الرّحمن ولد، فسأل عنه، فقيل له: يتيم من أهل الشام، قدم أبوه العراق في بعث فقتل، وبقي الغلام هاهنا، فضمه ابن عنبسة إليه، وتبناه. فوقع الغلام فيما شاء من الدنيا، ومرّ يوما على برذون ومعه خدم على ابن بيض، وحول ابن بيض عياله في يوم شات، وهم شعث غبر عراة، فقال ابن بيض: من هذا؟ فقيل: صدقة يتيم ابن عنبسة.

فقال:

يشعث صبياننا وما يتمواوأنت صافي الأديم والحدقه
فليت صبياننا إذا يتموايلقون ما قد لقيت يا صدقه
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
عوّضك اللّه من أبيك ومنأمك في الشام بالعراق مقه
كفاك عبد الرّحمن فقدهمافأنت في كسوة وفي نفقه
تظل في درمك وفاكهةولحم طير ما شئت أو مرقه
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
تأوي إلى حاضن وحاضنةزادا على والديك في الشفقه
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
فكل هنيئا ما عاش ثم إذامات فلغ في الدماء والسرقه
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
وخالف المسلمين قبلتهموضلّ عنهم وخادن الفسقه
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
واشتر نهد التليل ذا خصللصوته في الصهيل صهصلقه
واقطع عليه الطريق تلف غداربّ دنانير جمة ورقه

فلما مات عبد الرّحمن، أصابه ما قال ابن بيض أجمع: من الفساد والسرقة وصحبة اللصوص، ثم كان آخر ذلك أنه قطع الطريق، فأخذ وصلب.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال: حدّثني النوفليّ عن أبيه. قال ابن عمار: وأخبرني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ، قال: حدّثني أبي عن أبي سفيان الحميريّ قال:

خرج حمزة بن بيض يريد سفرا، فاضطره الليل إلى قرية عامرة، كثيرة الأهل والمواشي، من الشاء والبقر، كثيرة الزرع، فلم يصنعوا به خيرا، فغدا عليهم، وقال:

لعن الإله قرية يممتهافأضافني ليلا إليها المغرب
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
الزارعين وليس لي زرع بهاوالحالبين وليس لي ما أحلب
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
فلعل ذاك الزرع يودي أهلهولعل ذاك الشاء يوما يجرب
ولعل طاعونا يصيب علوجهاويصيب ساكنها الزمان فتخرب
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

قال: فلم يمر بتلك القرية سنة حتى أصابهم الطاعون، فأباد أهلها، وخربت إلى اليوم. فمر بهم ابن بيض، فقال: كلّا، زعمت أني لا أعطى منيتي. قالوا: وأبيك لقد أعطيتها، فلو كنت تمنيت الجنة كان خيرا لك. قال: أنا أعلم بنفسي، لا أتمنى ما لست له بأهل، ولكني أرجو رحمة ربي عزوجلّ.

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا محمد بن زكرياء الغلّابيّ قال: قال ابن عائشة: خرج ابن بيض في سفر، فنزل بقوم، فلم يحسنوا ضيافته، وأتوه بخبز يابس، وألقوا لبغلته تبنا، فأعرض عنهم، وأقبل على بغلته، فقال:

أحسبيها ليلة أدلجتهافكلي إن شئت تبنا أو ذري
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
قد أتى ربّك خبز يابسفتعزّي معه واصطبري

حدّثنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخراز، قال: حدّثنا المدائني، قال: قال حمزة بن بيض يوما للفرزدق: أيّما أحب إليك، تسبق الخير أو يسبقك؟ قال: لا أسبقه ولا يسبقني، ولكن نكون معا. فأيّما أحب إليك، أن تدخل إلى بيتك، فتجد رجلا قابضا على حر امرأتك، أو تجد امرأتك قابضه على أيره؟ فقال: كلام لا بد من جوابه، والبادي أظلم، بل أجدها قابضة على أيره، قد أغبته عن نفسها.

نسخت من كتاب أبي إسحاق الشايمينيّ: قال ابن الأعرابي: وقع بين بني حنيفة بالكوفة، وبين بني تميم شر، حتى نشبت الحرب بينهم، فقال رجل لحمزة بن بيض: ألا تأتي هؤلاء القوم، فتدفعهم عن قومك، فإنك ذو بيان وعارضة؟ فقال:

ألا لا تلمني يا بن ماهان إننيأخاف على فخّارتي أن تحطّما
ولو أنني أبتاع في السوق مثلهاوجدّك ما باليت أن أتقدّما
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

قال: وكان لابن بيض صديق عامل من عمال ابن هبيرة، فاستودع رجلا ناسكا ثلاثين ألف درهم، واستودع مثلها رجلا نبيذيا، فأما الناسك فبنى بها داره، وتزوّج النساء، وأنفقها وجحده. وأما النبيذيّ فأدّى إليه الأمانة في ماله، فقال حمزة بن بيض فيهما:

ألا لا يغرّنك ذو سجدةيظل بها دائبا يخدع
كأن بجبهته جلبةيسبح طورا ويسترجع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
وما للتّقى لزمت وجههولكن ليغترّ مستودع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
فلا تنفرنّ من اهل النبيذوإن قيل يشرب لا يقلع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
فعندك علم بما قد خبرت إن كان علم بهم ينفع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
ثلاثون ألفا حواها السجودفليست إلى أهلها ترجع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
بنى الدار من غير ما مالهوأصبح في بيته أربع
مهائر من غير مال حواهيقاتون أرزاقهم جوّع

وأخبرني بهذا الخبر الحسين بن محمد بن زكريا الصّحّاف، قال: حدّثنا قعنب بن المحرز، قال: حدّثنا أبو عبيدة والأصمعي، وكيسان بن المعرف، فذكروا نحو هذا الخبر، إلا أنه حكى أن حمزة بن بيض هو الذي استودع الرجلين المال، وقال:

وأدى أخو الكأس ما عندهوما كنت في ردها أطمع

أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدّثنا عبد اللّه بن شبيب قال: حدّثني أحمد بن محمد، عن ابن داجة، قال: اختصم أبو الجون السّحيمي وحمزة بن بيض، إلى المهاجر بن عبد اللّه الكلابيّ، وهو على اليمامة، فوثب عليه حمزة وقال:

غمّضت في حاجة كانت تؤرقنيلو لا الذي قلت فيها قلّ تغميضي
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

فقال: وما الذي قلت لك؟ قال:

حلفت باللّه لي أن سوف تنصفنيفساغ في الحلق ربقي بعد تجريضي
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

قال: وأنا أحلف لأنصفنك. قال:

سل هؤلاء إلى ماذا شهادتهمأم كيف أنت وأصحاب المعاريض

قال: أوجعهم ضربا. فقال:

وسل سحيما إذا وافاك أجمعهمهل كان بالشر حوض قبل تحويضي

قال: فقضى له. فأنشأ السحيمي يقول:

أنت ابن بيض لعمري لست أنكرهحقا يقينا، ولكن من أبو بيض؟
إن كنت أنبضت لي قوسا لترمينيفقد رميتك رميا غير تنبيض
أو كنت خضخضت لي وطبا لتسقينيفقد سقيتك محضا غير ممخوض

قال: فوجم حمزة وقطع به. فقيل له: ويلك! مالك لا تجيبه؟ قال: وبم أجيبه؟ واللّه لو قلت له: عبد المطلب بن هاشم أبو بيض ما نفعني ذلك، بعد قوله: ولكن من أبو بيض؟

وأخبرني بهذا الخبر ابن دريد، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة بمثله. وقال فيه: إن المخاصم له أبو الحويرث السّحيمي.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرنا السّكن بن سعيد، عن محمد بن عباد، قال: دخل حمزة بن بيض على يزيد بن المهلب السجن، فأنشده:

أغلق دون السماح والجود والننجدة باب حديده أشب
ابن ثلاث وأربعين مضتلا ضرع واهن ولا نكب
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
لا بطر إن تتابعت نعموصابر في البلاء محتسب
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
برّزت سبق الجواد في مهلوقصّرت دون سعيك العرب

فقال: واللّه يا حمزة لقد أسأت، إذ نوّهت باسمي في غير وقت تنويه، ولا منزل لك، ثم رفع مقعدا تحته، فرمى إليه بخرقة مصرورة، وعليه صاحب خبر واقف، فقال: خذ هذا الدينار، فو اللّه ما أملك ذهبا غيره. فأخذه حمزة، وأراد أن يردّه، فقال له سرا: خذه ولا تخدع عنه. فقال حمزة: فلما قال لي: لا تخدع عنه، قلت: واللّه ما هذا بدينار، فقال لي صاحب الخبر: ما أعطاك يزيد؟ فقلت: أعطاني دينارا، فأردت أن أردّه عليه، فاستحييت منه. فلما صرت إلى منزلي حللت الصرة، فإذا فص ياقوت أحمر، كأنه سقط زند، فقلت: واللّه لئن عرضت هذا بالعراق، ليعلمنّ أني أخذته من يزيد، فيؤخذ مني، فخرجت به إلى خراسان، فبعته من رجل يهودي بثلاثين ألفا، فلما قبضت المال وصار الفص في يده، قال لي: واللّه لو أبيت إلا خمسين ألف درهم، لأخذته منك، فكأنما قذف في قلبي جمرة، فلما رأى تغير وجهي قال: إني رجل تاجر، ولست أشك أني قد غممتك. قلت: إي واللّه وقتلتني. فأخرج إليّ مائة دينار، فقال: أنفق هذه في طريقك، لتتوفر عليك تلك.

أخبرني الحسين بن يحيى قال: قال حماد بن إسحاق: قرأت على أبي: دخل حمزة بن بيض على يزيد بن المهلّب، وهو في حبس عمر بن عبد العزيز، فأنشده قوله فيه:

أصبح في قيدك السماحة والحامل للمعضلات والحسب
لا بطر إن تتابعت نعموصابر في البلاء محتسب
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

فقال له: ويحك أتمدحني على هذه الحال؟ قال: نعم، لئن كنت هكذا لطالما أثبت على الثناء، فأحسنت الثواب والرّفد، فهل بأس أن نسلفك الآن. قال: أما إذ جعلته سلفا فاقنع بما حضر، إلى أن يمكن قضاء دينك. وأمر غلامه، فدفع إليه أربعة آلاف درهم، وبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز، فقال: قاتله اللّه! يعطي في الباطل، ويمنع الحق، يعطي الشعراء، ويمنع الأمراء.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدّثنا عبد الأوّل بن مزيد، قال: حدّثنا العمري عن الهيثم بن عديّ، قال: أخبرني مخلد بن حمزة بن بيض قال: قدم أبي على يزيد بن المهلب وهو عند سليمان بن عبد الملك، فأدخله إليه، فأنشده:

ساس الخلافة والداك كلاهمامن بين سخطة ساخط أو طائع
أبواك ثم أخوك أصبح ثالثاوعلى جبينك نور ملك الرابع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
سرّيت خوف بني المهلّب بعدمانظروا إليك بسمّ موت ناقع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
ليس الذي ولاك ربّك منهمعند الإله وعندهم بالضائع

فأمر له بخمسين ألفا.

أخبرني عمي قال: حدّثنا عبد اللّه بن عمرو قال: حدّثني جعفر بن محمد العاصميّ قال: حدّثني عيينة بن المنهال قال: حدّثني الهيثم بن عديّ قال: حدّثني أبو يعقوب الثقفيّ قال: قال لي حمزة بن بيض: لما وفد الكميت بن زيد إلى مخلد بن يزيد بن المهلّب وهو يخلف أباه على خراسان، وكان واليها وله ثماني عشرة سنة، وقد مدحه بقصيدته التي أوّلها:

هلا سألت معالم الأطلال

وهي التي يقول فيها:

يمشين مشي قطا البطاح تأوّداقبّ البطون رواجح الأكفال
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «هلا سألت معالم الأطلال»

وقصيدته التي يقول فيها:

هلا سألت منازلا بالأبرق

أعطاه مئة ألف درهم، سوى العروض والحملان، فقدم الكوفة في هيئة لم ير مثلها، فقلت في نفسي: واللّه لأنا أولى من الكميت بما ناله من مخلد بن يزيد، وإني لحليفه وناصره في العصبية على الكميت، وعلى مضر جميعا. فهيأت لمخلد مديحا على رويّ قصيدتي الكميت وقافيتيهما، ثم شخصت إليه، فلما كان قبل خروجي إليه بيوم، أتتني جماعة من ربيعة في خمس ديات عليهم لمضر في البدو، فقالوا: إنك تأتي مخلدا وهو فتى العرب، ونحن نعلم أنك لا تؤثر على نفسك، ولكن إذا فرغ من أمرك، فأعلمه ممشانا إليك، ومسألتنا إياك كلامه، فنرجو أن تكون عند ظننا. فلما قدمت على مخلد خراسان أنزلني، وفرش لي، وأخدمني، وحملني، وكساني، وخلطني بنفسه، فكنت أسمر معه، فقال لي ليلة: أعليك دين يابن بيض؟ قلت: دعني من مسئلتك إياي عن الدين، إنك قد أعطيت الكميت عطية لست أرضى بأقل منها، وإلا لم أدخل الكوفة، ولم أعيّر بتقصيرك بي عنه. فضحك، ثم قال لي: بل أزيدك على ما أعطيت الكميت. فأمر لي بمئة ألف درهم، كما أعطي الكميت، وزادني عليه، وصنع بي في سائر الألطاف كما صنع به، فلما فرغت من حاجتي أتيته يوما ومعي تذكرة بحاجة القوم في الديات، فلما جلس أنشدته:

أتيناك في حاجة فاقضهاوقل مرحبا يجب المرحب
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
ولا تكلنّا إلى معشرمتى يعدوا عدة يكذبوا
فإنك في الفرع من أسرةلهم خضع الشرق والمغرب
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
وفي أدب منهم ما نشأتونعم لعمرك ما أدّبوا
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
بلغت لعشر مضت من سني- ك ما يبلغ السيد الأشيب
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
فهمّك فيها جسام الأموروهمّ لداتك أن يلعبوا
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

فقال: مرحبا بك وبحاجتك، فما هي؟ فأخرجت إليه رقعة القوم، وقلت: حمالات في ديات. فتبسم، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم. فقلت: أو غير ذلك أيها الأمير؟ قال: وما هو؟ قلت: أدلّ على قبر المهلّب، حتى أشكو إليه قطيعة ولده. فتبسم، ثم قال: زده يا غلام عشرة آلاف أخرى، فأبيت، وقلت: بل أدل على قبر المهلب، فقال: زده يا غلام عشرة آلاف أخرى، فما زلت أكررها ويزيدني عشرة آلاف، حتى بلغت سبعين ألفا. فخشيت واللّه أن يكون يلعب أو يهز أبي، فقلت: وصلك اللّه أيها الأمير، وآجرك، وأحسن جزاءك. فقال مخلد: أما واللّه لو أقمت على كلامك، ثم أتى ذلك على خراج خراسان لأعطيتكه.

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال: حدّثنا الزبير بن بكار قال: حدّثني النضر بن شميل، قال: دخلت على أمير المؤمنين المأمون بمرو وعليّ أطمار مترعبلة؛ فقال لي: يا نضر، تدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب؟ فقلت: إن حرّ مرو لا يدفع إلا بمثل هذه الأخلاق. فقال: لا. ولكنك رجل متقشّف. فتجارينا الحديث، فقال المأمون: حدّثني هشيم بن بشير، عن مجالد، عن الشعبيّ، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إذا تزوّج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز». هكذا قال: سداد بالفتح.

فقلت: صدق، يا أمير المؤمنين. حدّثني عوف الأعرابيّ عن الحسن، أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا تزوّج الرجل المرأة لدينها وجمالها، كان فيه سداد من عوز»، وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا، وقال: السّداد لحن يا نضر عندك؟

قلت: نعم هاهنا يا أمير المؤمنين؛ وإنما هشيم لحن، وكان لحانة، فقال: ما الفرق بينهما؟ قلت: السّداد: القصد في الدّين والطريقة والسبيل. والسّداد: البلغة، وكل ما سددت به شيئا فهو سداد. وقد قال العرجيّ:

أضاعوني وأيّ فتى أضاعواليوم كريهة وسداد ثغر
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «حمى ثغرا بخال عنبري»

قال: فأطرق المأمون مليّا، ثم قال: قبح اللّه من لا أدب له! ثم قال: أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب. قال: قلت: قول حمزة بن بيض يا أمير المؤمنين:

تقول لي والعيون هاجعة:أقم علينا يوما، فلم أقم
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
قالت: فأيّ الوجوه؟ قلت لها:لأيّ وجه إلا إلى الحكم؟
متى يقل حاجبا سرادقه:هذا ابن بيض بالباب، يبتسم
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
قد كنت أسلمت فيك مقتبلافهات إذ حلّ أعطني سلمي
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

فقال المأمون: للّه درّك، كأنما شق لك عن قلبي! فأنشدني أنصف بيت للعرب. قال: قلت: قول أبي عروبة المدني:

إني وإن كان ابن عمي عاتبالمزاحم من خلفه وورائه
ومفيده نصري وإن كنت امرأمتزحزحا عن أرضه وسمائه
وأكون والي سره وأصونهحتى يحين عليّ وقت أدائه
وإذا الحوادث أجحفت بسوامهقرنت صحيحتنا إلى جربائه
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني وإن كان ابن عمي كاشحا»
وإذا دعا باسمي ليركب مركباصعبا قعدت له على سيسائه
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني وإن كان ابن عمي كاشحا»
وإذا أتى من وجهه بطريفةلم أطّلع ممّا ورراء خبائه
وإذا ارتدى ثوبا جميلا لم أقل:يا ليت أن عليّ حسن ردائه
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني وإن كان ابن عمي كاشحا»

فقال: أحسنت يا نضر؛ أنشدني الآن أقنع بيت قالته العرب. فأنشدته قول ابن عبدل الأسديّ:

إني امرؤ لم أزل، وذاك من الل- ه قديما، أعلّم الأدبا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني امرؤ لم أزل وذاك من الله»
أقيم بالدار ما اطمأنت بي الدار وإن كنت مازحا طربا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني امرؤ لم أزل وذاك من الله»
لا أجتوي خلّة الصديق ولاأتبع نفسي شيئا إذا ذهبا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني امرؤ لم أزل وذاك من الله»
أطلب ما يطلب الكريم منالرّزق بنفسي وأجمل الطلبا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني امرؤ لم أزل وذاك من الله»
وأحلب الثرة الصفي ولاأجهد أخلاف غيرها حلبا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني امرؤ لم أزل وذاك من الله»
إني رأيت الفتى الكريم إذارغّبته في صنيعة رغبا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني امرؤ لم أزل وذاك من الله»
والعبد لا يطلب العلاء ولايعطيك شيئا إلا إذا رهبا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني امرؤ لم أزل وذاك من الله»
مثل الحمار الموقّع السّوء لايحسن مشيا إلا إذا ضربا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني امرؤ لم أزل وذاك من الله»
قد يرزق الخافض المقيم وماشد بعيس رحلا ولا قتبا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني امرؤ لم أزل وذاك من الله»
ويحرم الرزق ذو المطية والرحل ومن لا يزال مغتربا
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
ولم أجد عدّة الخلائق إلّاالدّين لما اعتبرت والحسبا

فقال: أحسنت يا نضر! وكتب لي إلى الحسن بن سهل بخمسين ألفا، وأمر خادما بإيصال رقعة، وتنجيز ما أمر به لي، فمضيت معه إليه، فلما قرأ التوقيع ضحك، وقال لي: يا نضر، أنت الملحّن لأمير المؤمنين؟ قلت: لا، بل لهشيم. قال: فذاك إذن، وأطلق لي الخمسين ألف درهم، وأمر لي بثلاثين ألفا.

أخبرني الحسين بن يحيى، قال: حدّثنا حماد عن أبيه، قال: بلغني أن حمزة بن بيض الحنفيّ كان يسامر عبد الملك بن بشر بن مروان، وكان عبد الملك يعبث به عبثا شديدا، فوجه إليه ليلة برسول، وقال: خذه على أي حال وجدته عليها، ولا تدعه يغيرها، وحلّفه على ذلك، وغلّظ الأيمان عليه. فمضى الرسول، فهجم عليه، فوجده يريد أن يدخل الخلاء، فقال: أجب الأمير. فقال: ويحك، إني أكلت طعاما كثيرا، وشربت نبيذا حلوا، وقد أخذني بطني. قال: واللّه لا تفارقني أو أمضي بك إليه، ولو سلحت في ثيابك. فجهد في الخلاص، فلم يقدر عليه، فمضى به إلى عبد الملك، فوجده قاعدا في طارمة له، وجارية جميلة كان يتحظاها جالسة بين يديه، تسجر الندّ في طارمته، فجلس يحادثه وهو يعالج ما هو فيه.

قال: فعرضت لي ريح، فقلت: أسرحها وأستريح، فلعل ريحها لا يتبين مع هذا البخور، فأطلقتها، فغلبت واللّه ريح الندّ وغمرته، فقال: ما هذا يا حمزة! قلت: عليّ عهد اللّه وميثاقه، وعليّ المشي والهدي إن كنت فعلتها.

وما هذا إلا عمل هذه الفاجرة. فغضب واحتفظ، وخجلت الجارية، فما قدرت على الكلام، ثم جاءتني أخرى فسّرحتها، وسطع واللّه ريحها. فقال: ما هذا ويلك! أنت واللّه الآفة. فقلت: امرأتي فلانة طالق ثلاثا إن كنت فعلتها. قال: وهذه اليمين لازمة لي إن كنت فعلتها، وما هو إلا عمل هذه الجارية، فقال: ويلك ما قصتك؟ قومي إلى الخلاء إن كنت تجدين حسّا، فزاد خجلها وأطرقت. وطمعت فيها، فسرّحت الثالثة، وسطع من ريحها ما لم يكن في الحساب، فغضب عبد الملك، حتى كاد يخرج من جلده، ثم قال: خذ يا حمزة بيد الزانية، فقد وهبتها لك، وامض فقد نغصت عليّ ليلتي.

فأخذت واللّه بيدها، وخرجت، فلقيني خادم له، فقال: ما تريد أن تصنع؟ قلت: أمضي بهذه. قال: لا تفعل، فو اللّه لئن فعلت ليبغضنك بغضا لا تنتفع به بعدها أبدا، وهذه مئة دينار، فخذها ودع الجارية، فإنه يتحظاها، وسيندم على هبته إياها لك. قلت: واللّه لا نقصتك من خمس مئة دينار. فلم يزل يزايدني حتى بلغ مئتي دينار، ولم تطب نفسي أن أضيعها، فقلت: هاتها، فأعطانيها، وأخذها الخادم.

فلما كان بعد ثلاث دعاني عبد الملك، فلما قربت من داره لقيني الخادم، فقال: هل لك في مئة دينار وتقول ما لا يضرك، ولعله أن ينفعك؟ قلت: وما ذاك؟ قال: إذا دخلت إليه ادّعيت عنده الثلاث الفسوات، ونسبتها إلى نفسك، وتنفح عن الجارية ما قرفتها به. قلت: هاتها. فدفعها إليّ، ودخلت على عبد الملك، فلما وقفت بين يديه قلت: ألي الأمان حتى أخبرك بخبر يسرك، وتضحك منه؟ قال: لك الأمان. قلت: أرأيت ليلة حضوري وما جرى؟ قال: نعم. فقلت: فعليّ وعليّ إن كان فسا تلك الفسوات غيري. فضحك حتى سقط على قفاه. ثم قال: ويلك! فلم لم تخبرني؟ قلت: أردت بذلك خصالا، منها أن قمت فقضيت حاجتي، وقد كان رسولك منعني منها، ومنها أني أخذت جاريتك، ومنها أن كافأتك على أذاك لي بمثله. فقال: فأين الجارية؟ قلت: ما برحت من دارك ولا خرجت حتى سلمتها إلى فلان الخادم، وأخذت مائتي دينار. فسرّ بذلك، وأمر لي بمئتي دينار أخرى، وقال: هذه لجميل فعلك بي، وتركك أخذ الجارية.

قال حمزة بن بيض: ودخلت إليه يوما وكان له غلام لم ير الناس أنتن إبطا منه، فقال لي: يا حمزة، سأبق غلامي حتى يفوح صنانكما، فأيكما كان صنانته أنتن، فله مئة دينار. فطمعت في المائة، ويئست منها لما أعلمه من نتن إبط الغلام، فقلت: أفعل. وتعادينا، فسبقني، فسلحت في يدي، ثم لطخت إبطي بالسّلاح، وقد كان عبد الملك جعل بيننا حكما يخبره بالقصة، فلما دنا الغلام منه فشمه، وثب، وقال: هذا واللّه لا يساجله شيء.

فصحت به: لا تعجل بالحكم، مكانك. ثم دنوت منه، فألقمت أنفه إبطي حتى علمت أنه قد خالط دماغه، وأنا ممسك لرأسه تحت يدي. فصاح: الموت واللّه! هذا بالكنف أشبه منه بالآباط! فضحك عبد الملك، ثم قال: أفحكمت له؟ قال: نعم. فأخذت الدنانير.

أخبرني عمي قال: حدّثني جعفر العاصميّ قال: حدّثنا عيينة بن المنهال، عن الهيثم بن عديّ، عن أبي يعقوب الثقفيّ، قال: قال حمزة بن بيض: دخلت يوما على مخلد بن يزيد، فقلت:

أنّ المشارق والمغارب كلهاتجبى وأنت أميرها وإمامها

فضحك ثم قال: مه؟ فقلت:

أغفيت قبل الصبح نوم مسهّدفي ساعة ما كنت قبل أنامها
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة

قال: ثم ماذا كان؟ قلت:

فرأيت أنك جدت لي بوصيفةموسومة حسن عليّ قيامها
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

قال: قد فعلت. فقلت:

وببدرة حملت إليّ وبغلةسفواء ناجية يصلّ لجامها

قال: قد حقق اللّه رؤياك. ثم أمر لي بذلك كله، وما علم اللّه أني رأيت من ذلك شيئا.

قال مؤلف هذا الكتاب: وقد روي هذا الخبر بعينه لابن عبدل الأسديّ، وذكرته في أخباره.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدّثنا أبو حاتم، قال: حدّثنا عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير، قال: حج حمزة بن بيض الحنفيّ، فقال له ابن عم له: أحجج بي معك. فأخرجه معه، فحوقل عليه بعد نشاطه، فقال ابن بيض فيه:

وذي سنة لم يدر ما السير قبلهاولم يعتسف خرقا من الأرض مجهلا
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
ولم يدر ما حلّ الحبال وعقدهاإذا البرد لم يترك لكفيه معملا
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
ولم يقر مأجورا ولا حج حجةفيضرب سهما أو يصاحب مكتلا
غدونا به كالبغل ينفض رأسهنشاطا بناه الخير حتى تفتّلا
ترى المحمل المحسورناء عرامهوبابا إذا أمسى من الشر مقفلا
وإن قلت ليلا: أين أنت لحاجةأجاب بأن لبيك عشرا وأقبلا
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
يسوق مطيّ القوم طورا وتارةيقود وإن شئنا حدا ثم جلجلا
فأجّلته خمسا وقلت له: انتظررويدا؛ وأجلنا المطيّ ليدبلا
فلما صدرنا عن زبالة وارتمتبنا العيس منها منقلا ثم منقلا
ترامت به الموماة حتى كأنمايسفّ بمعسول الخزيرة حنظلا
وحتّى نبا عن مزود القوم ضرسهوعادى من الجهد الثريد المرعبلا
وحتى لو ان الليث ليث خفيّةيحاوله عن نفسه ما تحلحلا
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
وحتى لو ان اللّه أعطاه سؤلهوقيل له: ما تشتهي؟ قال: محملا
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
فقلت له لما رأيت الذي بهوقد خفت أن ينضى لدينا ويهزلا
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
أطعني وكلّ شيئا، فقال معذّرامن الجهد: أطعمني ترابا وجندلا
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
فللموت خير منك جارا وصاحبافدعني فلا لبيك ثم تجدلا
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
وقال: أقلني عثرتي وارع حرمتيوقد فر مني مرتين ليقفلا
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
فقلت له: لا - والذي أنا أعبده -أقيلك حتى تمسح الركن أوّلا
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثني عبد اللّه بن عمرو بن سعد قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي، قال: حدثني أبو عمر العمري، قال: حدثني عطاء بن مصعب، عن عاصم بن الحدثان قال: قدم حمزة بن بيض على مخلد بن يزيد بن المهلب، فوعده أن يصنع به خيرا، ثم شغل عنه، فاختلف إليه مرارا، فلم يصل إليه، وأبطأت عليه عدته، فقال ابن بيض:

أمخلد إن اللّه ما شاء يصنعيجود فيعطي من يشاء ويمنع
وإنّى قد أملت منك سحابةفحالت سرابا فوق بيداء تلمع
فأجمعت صرما ثم قلت: لعلهيثوب إلى أمر جميل فيرجع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
فأيأسني من خير مخلد أنهعلى كل حال ليس لي فيه مطمع
يجود لأقوام يودون أنهمن البغض والشّنآن أمسى يقطّع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
ويبخل بالمعروف عمن يودّهفو اللّه ما أدري به كيف أصنع؟
أأصرمه فالصّرم شرّ مغبّةونفسي إليه بالوصال تطلّع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
وشتان بيني في الوصال وبينهعلى كل حال أستقيم ويظلع
وقد كان دهرا واصلا لي مودةويمنعني من صرف دهري أضرع
وأعقبني صرما على غير إحنةوبخلا وقدما كان لي يتبرع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
وغيّره ما غيّر الناس قبلهفنفسي بما يأتي به ليس تقنع
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

ثم كتبها في قرطاس وختمه، وبعث به مع رجل، فدفعه إلى غلامه، فدفعه الغلام إليه، فلما قرأه سأل الغلام: من صاحب الكتاب؟ قال: لا أعرفه. فأدخل إليه الرجل، فقال: من أعطاك هذا الكتاب؟ ومن بعث به معك؟ قال: لا أدري، ولكن من صفته كذا وكذا، ووصف صفة ابن بيض، فأمر به فضرب عشرين سوطا على رأسه، وأمر له بخمس مئة درهم، وكساه، وقال: إنما ضربناك أدبا لك، لأنك حملت كتابا لا تدري ما فيه، لمن لا تعرف، فإياك أن تعود لمثلها. قال الرجل: لا واللّه، أصلحك اللّه، لا أحمل كتابا لمن أعرف، ولا لمن لا أعرف. قال له مخلد: احذر، فليس كل أحد يصنع بك صنيعي؛ وبعث إلى ابن بيض، فقال له: أتعرف ما لحق صاحبك الرجل؟ قال: لا.

فحدثه مخلد بقصته، فقال ابن بيض: واللّه، أصلحك اللّه، لا تزال نفسه تتوق إلى العشرين سوطا مع الخمس مائة أبدا. فضحك مخلد، وأمر له بخمسة آلاف درهم، وخمسة أثواب، وقال: وأنت واللّه لا تزال نفسك تتوق إلى عتاب إخوانك أبدا. قال: أجل واللّه، ولكن من لي بمثلك يعتبني إذا استعتبته، ويفعل بي مثل فعلك؟ ثم قال:

وأبيض بهلول إذا جئت دارهكفاني وأعطاني الذي جئت أسأل
ويعتبني يوما إذا كنت عاتباوإن قلت، زدني: قال: حقّا سأفعل
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
تراه إذا ما جئته تطلب الندىكأنك تعطيه الذي جئت تسأل
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
فاللّه أبناء المهلّب فتيةإذا لقحت حرب عوان تأكّل
هم يصطلون الحرب والموت كانعبسمر القنا والمشرفية من عل
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
ترى الموت تحت الخافقات أمامهمإذا وردوا علّو الرماح وأنهلوا
يجودون حتى يحسب الناس أنهملجودهم نذر عليهم يحلّل
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
غيوث لمن يرجو نداهم وجودهمسمام لأقوام ذعاف يثمّل
وفى لي أبناء المهلّب إنهمإذا سئلوا المعروف لم يتسعلّوا
فذلك ميراث المهلّب إنهكريم نماه للمكارم أوّل
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
جرى وجرت آباؤه فتحرّزواعن الذمّ في عيطاء لا تتوقّل

فلما أنشده ابن بيض هذه الأبيات، أمر له بعشرة آلاف درهم، وعشرة أثواب، وقال: نزيدك ما زدتنا، ونضعف لك. فقال:

أمخلد لم تترك لنفسي بغيةوزدت على ما كنت أرجو وآمل
فكنت كما قد قال معن فإنهبصير بما قد قال إذ يتمثّل
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
وجدت كثير المال إذ ضنّ معدمايذمّ ويلحاه الصديق المؤمّل
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
وإن أحقّ الناس بالجود من رأىأباه جوادا للمكارم يجزل
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
تربّ الذي قد كان قدّم والدأغرّ إذا ما جئته يتهلل
وجدت يزيدا والمهلّب برّزافقلت: فإني مثل ذلك أفعل
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
ففزت كما فازا وجاوزت غايةيقصّر عنها السابق المتمهّل
فأنت غياث لليتامى وعصمةإليك جمال الطالبي الخير ترحل
أصاب الذي رجّى نداك مخيلةتصبّ عزاليها عليه وتهطل
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
ولم تلف إذ رجّوا نوالك باخلاتضن على المعروف والمال يعقل
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
وموت الفتى خير له من حياتهإذا كان ذا مال يضنّ ويبخل
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

فقال له مخلد: احتكم. فأبى، فأعطاه عشرة آلاف دينار وجارية وغلاما وبرذونا.

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعيّ قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخراز، عن المدائني، قال: كان حمزة بن بيض شاعرا ظريفا، فشاتم حماد بن الزبرقان، وكان من ظرفاء أهل الكوفة، وكلاهما صاحب شراب، وكان حماد يتّهم بالزندقة، فمشى الرجال بينهما حتى اصطلحا، فدخلا يوما على بعض ولاة الكوفة، فقال لابن بييض: أراك قد صالحت حمادا، فقال ابن بيض: نعم، أصلحك اللّه، على ألا آمره بالصلاة، ولا ينهاني عنها.

أخبرني محمد بن زكريا الصّحّاف قال: حدّثنا قعنب بن المحرز الباهليّ قال: حدّثني الهيثم بن عديّ قال: قدم حمزة بن بيض البصرة زائرا لبلال بن أبي بردة بن أبي موسى، وبينهما مودة منذ الصّبا، فطال مقامه عنده، فاشتاق إلى أهله وولده، فكتب إلى بلال:

كلّت رحالي وأعواني وأحراسيإلى الأمير وإدلاجي وإملاسي
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
إلى امرىء مشبع مجدا ومكرمةعادية فهو حال منهما كاسي
فلست منك ولا مما مننت بهمن فضل ودك كالمرميّ في راسي
إني وإياك والإخوان كلّهمفي العسر واليسر لو قيسوا بمقياس
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
وذاك مما ينوب الدهر من حدثكالورد في المثل المضروب والآس
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
يبيد هذا فيبلى بعد جدّتهغضّا وآخره رهن بإيناس
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
وأنت لي دائم باق بشاشتهيهتز في عود لا عشّ ولا عاسي

فعجل له بلال صلته، وسرّحه إلى الكوفة.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدّثنا إسحاق بن محمد النّخعيّ قال: حدّثنا أبو المعارك الضّبيّ قال: حدّثني أبو مسكين قال: دخل حمزة بن بيض على سليمان بن عبد الملك، فلما مثل بين يديه أنشأ يقول:

رأيتك في المنام شننت خزاعليّ بنفسجا وقضيت ديني
فصدق يا فدتك النفس رؤيارأتها في المنام لديك عيني
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة

فقال سليمان: يا غلام أدخله خزانة الكسوة، واشنن عليه كل ثوب خزّ بنفسجيّ فيها: فخرج كأنه مشجب. ثم قال له: كم دينك؟ قال: عشرة آلاف درهم. فأمر له بها.

صوت

من سره ضرب يرعبل بعضهبعضا كمعمعة الأباء المحرق
فليأت مأسدة تسنّ سيوفهابين المذاد وبين جزع الخندق
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، اقرأ القصيدة

ويروى: يمعمع بعضه بعضا. والمعمعة: وتسنّ: اختلاف الأصوات وشدّة زجلها. والمأسدة: الموضع الذي تجتمع فيه الأسد. وتسنّ: تحدّ. يقال: سيف مسنون. والمذاد: موضع بالمدينة. والخندق: يعني به الخندق الذي احتفره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه حول المدينة. والشعر لكعب بن مالك الأنصاريّ. والغناء لابن محرز: خفيف رمل، بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى، عن إسحاق وعمرو.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»