من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار المؤمل بن جميل
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
قد مضى نسب أبي حفصة في أخبار مروان، وكان يحيى بن أبي حفصة يكنى أبا جميل. والمؤمّل بن جميل يكنى أبا جميل. وأم جميل أميرة بنت زياد بن هوذة بن شماس بن لؤيّ من بني أنف الناقة الذين يمدحهم الحطيئة.
وأم المؤمّل شريفة بنت المذلق بن الوليد بن طلبة بن قيس بن عاصم المنقريّ، وكان جميل يلقّب قتيل الهوى، ولقّب بذلك لقوله:
قلن: من ذا؟ فقلت: هذا اليمانيّ قتيل الهوى أبو الخطاب
قلن: باللّه أنت ذاك يقينالا تقل قول مازح لعاب
إن تكن أنت هو فأنت مناناخاليا كنت أو مع الأصحاب
أخبرني بذلك يحيى بن عليّ، إجازة عن محمد بن إدريس بن سليمان، عن أبيه، وحكى أبو أحمد - رحمه اللّه - عن محمد بهذا الإسناد: أن أبا جميل اشترى غلاما مدنيّا مغنيّا مجلوبا من مولّدي السّند على البراءة من كل عيب، يقال له المطرّز، فدعا أصحابا له ذات يوم، ودعا شيخين من أهل اليمامة مغنّيين، يقال لأحدهما السائب وللآخر شعبة، فلما أخذ القوم مجلسهم ومعهم المطرّز اندفع الشيخان فغنّيا، فقال المطرّز لأبي جميل مولاه: ويلك يا أبا جميل يابن الزّانية، أتدري ما فعلت ومن عندك؟ فقال له: ويلك! أجننت! ما لك! قال: أما أنا فأشهد أنك تأمن مكر اللّه حين أدخلت منزلك هذين.
قال: وبعثه يوما يدعو أصدقاء له، فوجدهم عند رجل من أهل اليمامة يقال له بهلول، وهو في بستان له، فقال لهم: مولاي أبو جميل قد أرسلني أدعوكم، وقد بلّغتكم رسالته، وإن شاورتموني أشرت عليكم، فقالوا: أشر علينا، قال: أرى ألا تذهبوا إليه، فمجلسكم واللّه أنزه من مجلسه وأحسن، فقالوا له: قد أطعناك، قال: وأخرى، قالوا: وما هي؟ قال: تحلفون عليّ ألّا أبرح، ففعلوا، فأقام عندهم.
وغضب عليه أبو جميل يوما فبطحه يضربه وهو يقول: ويلك أبا جميل! اتق اللّه فيّ، اللّه اللّه في أمري، أما علمت ويلك خبري قبل أن تشتريني! قال: وكان يبعثه إلى بئر لهم عذبة في بستان له يسقي منها لهم ماء، فكان يستقيه ثم يصبّه لجيران لهم في حيّهم، ثم يستقي مكانه من بئر لهم غليظة، فإذا أنكر مولاه قال له: سل الغلمان إذا أتيت البستان: هل استقيت منه؟ فيسألهم فيجده صادقا.
حدّثنا يحيى بن محمد بن إدريس، عن أبيه: أنّ يحيى بن أبي حفصة زوّج ابنه جميلا شريفة بنت المذلّق بن الوليد بن طلبة بن قيس بن عاصم، فولدت له المؤمّل بن جميل، وكان شاعرا ظريفا غزلا، وكان منقطعا إلى جعفر بن سليمان بالمدينة، ثم قدم العراق فكان مع عبد اللّه بن مالك، وذكره للمهديّ فحظي عنده، وهو الذي يقول في شكاة اشتكاها عبد اللّه بن مالك:
ظلّت عليّ الأرض مظلمةإذ قيل عبد اللّه قد وعكا
يا ليت ما بك بي وإن تلفتنفسي لذاك وقلّ ذاك لكا
وهو الذي يقول:
يا آح من حرّ الهوى إنمايعرف حرّ الحبّ من جرّبا
وذكر الأبيات التي تقدم ذكرها والغناء فيها.
صوت
إني وهبت لظالمي ظلميوغفرت ذاك له على علم
ما زال يظلمني وأرحمهحتّى رثيت له من الظّلم
الشعر لمساور الورّاق، والغناء لإبراهيم بن أبي العبيس، ثاني ثقيل بالوسطى، أخبرني بذلك ذكاء وغيره.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع