من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار عمارة بن الوليد ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عمارة بن الوليد، بن المغيرة، بن عبد اللّه، بن مخزوم، بن يقظة، بن مرّة، بن كعب، بن لؤيّ، بن غالب، وهو أحد أزواد الرّكب، ويقال له الوحيد، وكان أزواد الرّكب لا يمرّ عليهم أحد إلا قروه وأحسنوا ضيافته، وزوّدوه ما يحتاج إليه لسفره، وكان عمارة بن الوليد فخورا معنّا متعرّضا لكل ذي عارضة من قريش، فأخبرني عمّي قال: حدّثنا عبد اللّه بن شبيب، قال: حدثنا الزّبير بن بكّار، عن الحزاميّ، قال: مرّ عمارة بن الوليد بمسافر بن عمرو، فوقف عليه وهو منتش، فقال:
خلق البيض الحسان لناوجياد الرّيط والأزر
كابرا كنّا أحقّ بهحين صيغ الشّمس والقمر
فأجابه مسافر بن عمرو بن أميّة، فقال:
أعمار بن الوليد لقديذكر الشّاعر من ذكره
هل أخو كأس مخفّفهاوموقّ صحبه سكره
ومحيّيهم إذا شربواومقلّ فيهم هذره
خلق البيض الحسان لناوجياد الرّيط والحبره
كابرا كنّا أحقّ بهكلّ حيّ تابع أثره
أخبرني عمّي قال: حدثنا الكرانيّ، قال: حدّثنا العمريّ، عن الهيثم بن عديّ عن حمّاد الراوية: أنّ عمارة بن الوليد خطب امرأة من قومه فقالت: لا أتزوّجك أو تترك الشّراب والزّنا، قال: أما الزّنا فأتركه، وأما الشّراب فلا أتركه ولا أستطيع. ثم اشتدّ وجده بها فحلف ألّا يشرب، فتزوجها ومكث حينا لا يشرب، ثم إنه لبس ذات يوم حلّته وركب ناقته وخرج يسير، فمر بخمّار وعنده شرب يشربون، فدعوه فدخل عليهم وقد أنفدوا ما عندهم، فقال للخمّار: أطعمهم ويلك، فقال: ليس عندي شيء، فنحر لهم ناقته، فأكلوا منها، فقال: اسقهم، ولم يكن معهم شيء يشربون به، فسقاهم ببردته، ومكثوا أياما ذوات عدد، ثم خرج فأتى أهله، فلما رأته امرأته، قالت له: ألم تحلف ألّا تشرب؟ ولامته، فقال:
ولسنا بشرب أمّ عمرو إذا انتشواثياب النّدامى عندهم كالغنائم
ولكنّنا يا أمّ عمرو نديمنابمنزلة الرّيّان ليس بعائم
أسرّك لما صرّع القوم نشوةأن أخرج منها سالما غير غارم
خليّا كأنّي لم أكن كنت فيهموليس الخداع مرتضى في التّنادم
أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدثني محمد بن محمد بن قادم مولى بني هاشم، قال: حدثني عمي: أحمد بن جعفر، عن ابن دأب، قال: قدم رجل من تجار الروم بحلّة من لباس قيصر على أهل مكة، فأتى بها عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ، فعرضها عليه بمائة حقّ من الإبل، فاستغلاها، فأتى بها عمرو بن العاص، فقال له: هل أتيت بها أحدا؟
قال: نعم، عمارة بن الوليد فاستغلاها وقال: لن تعدم لها غويّا من بني سهم، قال: قد أخذتها، فاشتراها بمائة حقّ، يعني مائة بعير، ثم أقبل يخطر فيها حتى أتى بني مخزوم، فناداه عمارة: أتبيع الحلّة يا عمرو؟ فغضب والتفت إلى عمارة، فقال:
عليك بجزّ رأس أبيك إنّاكفيناك المسهّمة الرّقاقا
زووها عنكم وغلت عليكموأعطينا بها مائة حقاقا
وقلتم: لا نطيق ثياب سهموكلّ سوف يلبس ما أطاقا
قال: فغضب عمارة وقال: يا عمرو، ما هذا التّهوّر؟ إنك لست بعتبة بن ربيعة، ولا بأبي سفيان بن حرب، ولا الوليد بن المغيرة، ولا سهيل بن عمر، ولا أبيّ بن خلف، فقال عمرو: إلّا أكن بعضهم فإن كلّ واحد منهم خير ما فيه فيّ: من عتبة حلمه، ومن أبي سفيان رأيه، ومن سهيل جوده، ومن أبيّ بن خلف نجدته، وأما الوليد فو اللّه ما أحب أنّ فيّ كلّ ما فيه من خير وشر، ولكنك واللّه مالك عقل الوليد، ولا بأس الحارث بن هشام وخالد بن الوليد، ولا لسان أبي الحكم، يعني أبا جهل. وانصرف، فأمر عمارة بجزور فنحرت على طريق عمرو، وأقبل عمرو فقال: لمن هذه الجزور؟ قيل: لعمارة، فقال له: أطعمنا منها يا عمارة، فضحك منه، ثم قال:
عليك بجزر أير أبيك إناكفيناك المشاشة والعراقا
ومنسبة الأطايب من قريشولم تر كأسنا إلّا دهاقا
ونلبس في الحوادث كلّ زغفوعند الأمن أبرادا رقاقا
فوقع الشرّ بينهم، فقال عمرو:
لعمر أبيك والأخبار تنميلقد هيّجتني يابن الوليد
فلا تعجل عمارة إنّ سهمالمخزوم بن يقظة في العديد
وأورد يا عمارة إنّ عوديمن أعواد الأباطح خير عود
فأجابه عمارة، فقال:
ألا يا عمرو هل لك في قريشأب مثل المغيرة والوليد
وجدّ مثل عبد اللّه ينميإلى عمرو بن مخزوم بعود
إذا ما عدّت الأعواد نبعافمالي في الأباطح من نديد
وقد علمت سراة بني لؤيّبأنّي غير مؤتشب زهيد
وإني للمنابذ من قريششجا في الحلق من دون الوريد
أحوط ذمارهم وأكفّ عنهموأصبر في وغا اليوم الشّديد
وأبذل ما يضنّ به رجالوتطعمني المروءة في المزيد
وإنك من بني سهم بن عمرومكان الرّدف من عجز القعود
وكان أبوك جزّارا... وكانتله فأس وقدر من حديد
أخبرني عمّي قال: حدّثنا الكرانيّ، عن العمريّ، عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، أنّ عمر بن الخطاب قسم برودا في المهاجرين.
قال العمريّ: هكذا ذكر أبو عوانة، وقد حدثني الهيثم، عن أبي يعقوب الثّقفيّ، عن عبد الملك بن عمير، قال: أخبرني من شهد ذلك: أن عبد اللّه بن أبي ربيعة المخزوميّ بعث إلى عمر بن الخطاب بحلل من اليمن، فقال عمر: عليّ بالمحمّدين، فأتي بمحمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن طلحة بن عبيد اللّه، ومحمد بن عمرو بن حزم، ومحمد بن حاطب بن أبي بلتعة، ومحمد بن حطّاب أخي حاطب، وكلهم سمّاه النبي صلّى اللّه عليه وسلم محمدا، فأقبلوا، فاطّلع محمد بن حطّاب فيها، فقال له عمر: يا شيبة معمر - يعني عمّا له قتل يوم بدر - اكفف، وكان زيد بن ثابت الأنصاريّ عنده، فقال له عمر: أعطهم حلّة حلّة، فنظر إلى أفضلها، وكانت أمّ أحدهم عنده، فقال عمر: ما هذا؟ فقال: هذه لفلان، الذي هو ربيبه، فقال عمر: أردده، وتمثل بقول عمار بن الوليد:
أسرّك لمّا صرّع القوم نشوةأن اخرج منها سالما غير غارم
خليّا كأني لم أكن كنت فيهموليس الخداع مرتضى في التّنادم
وقال أبو عوانة:… من تصافي التنادم.
ثم أمر بالبرود فغطّيت بثوب، ثم خلطها، ثم قال: ليدخل كلّ امرىء يده فليأخذ حلّته وما قسم له.
صوت
قد يجمع المال غير آكلهويأكل المال غير من جمعه
فاقبل من الدّهر ما أتاك بهمن قرّ عينا بعيشه نفعة
لكلّ همّ من الهموم سعهوالصّبح والمسي لا فلاح معه
الشعر للأضبط بن قريع، والغناء لأحمد بن يحيى المكّي، ثقيل أول بالسّبابة في مجرى البنصر من روايته، وسمعناه يغني في طريقة خفيف رمل، فسألت عنه ذكاء وجه الرّزّة، فذكر أنه سمعه من محمد بن يحيى المكيّ في هذه الطريقة، ولم يعرف صانعه ولا سأل عنه.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع