تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

نسب الفرزدق وأخباره وذكر مناقضاته

ديوان الفرزدقفيه ٦٤٩ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

الفرزدق لقب غلب عليه، وتفسيره الرغيف الضخم الذي يجفّفه النساء للفتوت، وقيل: بل هو القطعة من العجين التي تبسط، فيخبز منها الرغيف، شبّه وجهه بذلك؛ لأنه كان غليظا جهما. واسمه همّام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم.

قال أبو عبيدة: اسم دارم بحر، واسم أبيه مالك عوف ويقال عرف. وسمّى دارم دارما لأن قوما أتوا أباه مالكا في حمالة فقال له: قم يا بحر فأتني بالخريطة - يعني خريطة كان له فيها مال - فحملها يدرم عنها ثقلا، والدّرمان: تقارب الخطو، فقال لهم: جاءكم يدرم بها، فسمى دارما، وسمي أبوه مالك عرفا لجوده.

وأم غالب ليلى بنت حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع.

وكان للفرزدق أخ يقال له هميم، ويلقب الأخطل، ليست له نباهة، فأعقب ابنا يقال له محمد، فمات والفرزدق حيّ فرثاه، وخبره يأتي بعد. وكان للفرزدق من الولد خبطة ولبطة وسبطة، هؤلاء المعروفون، وكان له غيرهم فماتوا، ولم يعرفوا. وكان له بنات خمس أو ست.

وأم الفرزدق - فيما ذكر أبو عبيدة - لينة بنت قرظة الضبية.

وكان يقال لصعصعة محي الموءودات؛ وذلك أنه كان مر برجل من قومه، وهو يحفر بئرا، وامرأته تبكي، فقال لها صعصعة: ما يبكليك؟ قالت: يريد أن يئد ابنتي هذه، فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: الفقر. قال: فإني اشتريها منك بناقتين يتبعهما أولادهما، تعيشون بألبانهما، ولا تئد الصبية، قال: قد فعلت، فأعطاه الناقتين وجملا كان تحته فحلا، وقال في نفسه: إن هذه لمكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب، فجعل على نفسه ألّا يسمع مموءودة إلا فداها، فجاء الإسلام وقد فدى ثلاثمائة موءودة، وقيل: أربعمائة.

أخبرني بذلك هاشم بن محمد الخزاعي، عن دماذ، عن أبي عبيدة.

وأخبرني بهذا الخبر محمد بن العباس اليزيديّ وعليّ بن سليمان الأخفش قالا: حدثنا أبو سعيد السكريّ، عن محمد بن حبيب، عن أبي عبيدة عن عقال بن شبة قال: قال صعصعة: خرجت باغيا ناقتين لي فارقتين - والفارق: التي تفرق إذا ضربها المخاض فتندّ على وجهها، حتى تنتج - فرفعت لي نار فسرت نحوها، وهممت بالنزول، فجعلت النار تضىء مرة، وتخبو أخرى، فلم تزل تفعل ذلك حتى قلت: اللهمّ لك عليّ إن بلّغتني هذه النار ألّا أجد أهلها يوقدون لكربة يقدر أحد من الناس أن يفرّجها إلا فرّجتها عنهم، قال: فلم أسر إلا قليلا حتى أتيتها، فإذا حيّ من بني أنمار بن الهجيم بن عمرو بن تميم، وإذا أنا بشيخ حادر أشعر يوقدها في مقدم بيته، والنساء قد اجتمعن إلى امرأة ماخض، قد حبستهنّ ثلاث ليال.

فسلّمت فقال الشيخ: من أنت؟ فقلت: أنا صعصعة بن ناجية بن عقال، قال: مرحبا بسيدنا، ففيم أنت يا بن أخي؟

فقلت: في بغاء ناقتين لي فارقتين عمّي عليّ أثرهما، فقال: قد وجدتهما بعد أن أحيا اللّه بهما أهل بيت من قومك، وقد نتجناهما، وعطفت إحداهما على الأخرى، وهما تانك في أدنى الإبل. قال: قلت: ففيم توقد نارك منذ الليلة؟ قال: أوقدها لامرأة ماخض قد حبستنا منذ ثلاث ليال، وتكلّمت النساء فقلن: قد جاء الولد، فقال الشيخ: إن كان غلاما فو اللّه ما أدري ما أصنع به، وإن كانت جارية فلا أسمعنّ صوتها - أي اقتلها - فقلت: يا هذا ذرها فإنها ابنتك، ورزقها على اللّه، فقال: اقتلنها، فقلت: أنشدك اللّه، فقال: إني أراك بها حفيّا، فاشترها مني، فقلت: إني أشتريها منك، فقال: ما تعطيني؟ قلت: أعطيك إحدى ناقتيّ قال: لا، قلت: فأزيدك الأخرى، فنظر إلى جملي الذي تحتي، فقال: لا، إلا أن تزيدني جملك هذا، فإني أراه حسن اللون شابّ السّن، فقلت: هو لك والناقتان على أن تبلغني أهلي عليه، قال: قد فعلت، فابتعتها منه بلقوحين وجمل، وأخذت عليه عهد اللّه وميثاقه ليحسننّ برّها وصلتها ما عاشت، حتى تبين منه، أو يدركها الموت، فلما برزت من عنده حدثتني نفسي وقلت: إن هذه لمكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب، فآليت ألّا يئد أحد بنتا له إلا اشتريتها منه بلقوحين وجمل، فبعث اللّه عزّ وجل محمدا عليه السلام، وقد أحييت مائة موءودة إلا أربعا، ولم يشاركني في ذلك أحد، حتى أنزل اللّه تحريمه في القرآن، وقد فخر بذلك الفرزدق في عدّة قصائد من شعره، ومنها قصيدته التي أوّلها:

أبي أحد الغيثين صعصعة الذيمتى تخلف الجوزاء والدّلو يمطر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وهم بين بيت الأكثرين مجاشع»
أجار بنات الوائدين ومن يجرعلى الفقر يعلم أنه غير مخفر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وهم بين بيت الأكثرين مجاشع»
على حين لا تحيا البنات وإذ همعكوف على الأصنام حو المدوّر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وهم بين بيت الأكثرين مجاشع»

- المدوّر: يعني الدّوّار الذي حول الصنم، وهو طوافهم -.

أنا ابن الذي ردّ المنية فضلهفما حسب دافعت عنه بمعور
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وهم بين بيت الأكثرين مجاشع»
وفارق ليل من نساء أتت أبيتمارس ريحا ليلها غير مقمر
فقالت: أجرلي ما ولدت فإننيأتيتك من هزلى الحمولة مقتر
هجفّ من العثو الرؤوس إذا بدتله ابنة عام يحطم العظم منكر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وهم بين بيت الأكثرين مجاشع»
رأس الأرض منها راحة فرمى بهاإلى خدد منها إلى شرّ مخفر
فقال لها: فيئي فإني بذمتيلبنتك جار من أبيها القنوّر

ووفد غالب بن صعصعة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأسلم وقد كان وفده أبوه صعصعة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره بفعله في الموءودات، فاستحسنه وسأله: هل له في ذلك من أجر؟ قال: نعم فأسلم وعمّر غالب، حتى لحق أمير المؤمنين عليّا صلوات اللّه عليه بالبصرة، وأدخل إليه الفرزدق، وأظنه مات في إمارة زياد وملك معاوية.

أخبرني محمد بن الحسين الكنديّ وهاشم بن محمد الخزاعيّ، وعبد العزيز بن أحمد عم أبي قالوا: حدثنا الرّياشيّ قال: حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي سوية، قال: حدثني عقال بن كسيب أبو الخنساء العنبريّ، قال: حدثني الطفيل بن عمرو الربعيّ، عن ربيعة بن مالك بن حنظلة، عن صعصعة بن ناجية المجاشعيّ جدّ الفرزدق قال: قدمت على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فعرض عليّ الإسلام، فأسلمت، وعلّمني آيات من القرآن، فقلت: يا رسول اللّه إني عملت أعمالا في الجاهلية هل لي فيها من أجر؟ فقال: وما عملت؟ فقلت: إني أضللت ناقتين لي عشراوين، فخرجت أبغيهما على جمل، فرفع لي بيتان في فضاء من الأرض، فقصدت قصدهما، فوجدت في أحدهما شيخا كبيرا، فقلت له: هل أحسست من ناقتين عشراوين؟ قال: وما نارهما؟ - يعني السّمة - فقلت: ميسم بني دارم، فقال: قد أصبت ناقتيك ونتجناهما، وظأرتا على أولادهما ونعش اللّه بهما أهل بيت من قومك من العرب من مضر، فبينا هو يخاطبني إذ نادته امرأة من البيت الآخر: قد ولدت، فقال: وما ولدت؟ إن كان غلاما فقد شركنا في قوتنا، وإن كانت جارية فادفنوها، فقالت: هي جارية: أفأئدها؟ فقلت: وما هذا المولود؟ قالت: بنت لي، فقلت: إني أشتريها منك، فقال: يا أخا بني تميم، أتقول لي: أتبيعني ابنتك وقد أخبرتك أني من العرب من مضر؟ فقلت: إني لا أشتري منك رقبتها، إنما أشتري دمها لئلا تقتلها، فقال: وبم تشتريها؟ فقلت: بناقتيّ هاتين وولديهما. قال: لا حتى تزيدني هذا البعير الذي تركبه: قلت: نعم، على أن ترسل معي رسولا فإذا بلغت أهلي رددت إليك البعير ففعل، فلما بلغت أهلي رددت إليه البعير، فلما كان في بعض الليل فكرت في نفسي فقلت: إن هذه مكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب، فظهر الإسلام وقد أحييت ثلاثمائة وستين موءودة، أشتري كلّ واحدة منهن بناقتين عشراوين وجمل، فهل لي في ذلك من أجر يا رسول اللّه؟ فقال عليه السلام: هذا باب من البر، ولك أجره إذ منّ اللّه عليك بالإسلام، قال عباد: ومصداق ذلك قول الفرزدق:

وجدّي الذي منع الوائداتوأحيا الوئيد فلم يوأد

أخبرني محمد بن يحيى، عن الغلّابيّ، عن العباس بن بكار، عن أبي بكر الهذليّ قال: وفد صعصعة بن ناجية جدّ الفرزدق على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في وفد من تميم، وكان صعصعة قد منع الوئيد في الجاهلية، فلم يدع تميما تئد، وهو يقدر على ذلك، فجاء الإسلام وقد فدى أربعمائة جارية، فقال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أوصني، فقال: أوصيك بأمك وأبيك وأخيك وأختك وإمائك، قال: زدني، قال: احفظ ما بين لحييك، وما بين رجليك.

ثم قال له عليه السلام: ما شيء بلغني عنك فعلته؟ قال: يا رسول اللّه رأيت الناس يموجون على غير وجه، ولم أدر أين الوجه، غير أني علمت أنهم ليسوا عليه، ورأيتهم يئدون بناتهم، فعلمت أنّ ربّهم لم يأمرهم بذلك، فلم أتركهم يئدون، وفديت من قدرت عليه.

وروى أبو عبيدة أنه قال للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: إني حملت حمالات في الجاهلية والإسلام، وعليّ منها ألف بعير، فأديت من ذلك سبعمائة، فقال له: إن الإسلام أمر بالوفاء، ونهى عن الغدر، فقال: حسبي حسبي، ووفّى بها.

وروي أنه إنما قال هذا القول لعمر بن الخطاب، وقد وفد إليه في خلافته.

وكان صعصعة شاعرا وهو الذي يقول: أنشدنيه محمد بن يحيى له:

إذا المرء عادى من يودّك صدرهوكان لمن عاداك خدنا مصافيا
فلا تسألن عما لديه فإنّههو الداء لا يخفي بذلك خافيا

أخبرني محمد بن يحيى، عن محمد بن زكريا؛ عن عبد اللّه بن الضحاك، عن الهيثم بن عديّ، عن عوانة قال: تراهن نفر من كلب ثلاثة على أن يختاروا من تميم وبكر نفرا ليسائلوهم، فأيّهم أعطى، ولم يسألهم عن نسبهم من هم؟ فهو أفضلهم، فاختار كل رجل منهم رجلا؛ والذين اختيروا عمير بن السليك، بن قيس بن مسعود الشيبانيّ، وطلبة بن قيس بن عاصم المنقريّ، وغالب بن صعصعة المجاشعيّ أبو الفرزدق، فأتوا ابن السّليك فسألوه مائة ناقة، فقال: من أنتم؟ فانصرفوا عنه.

ثم أتوا طلبة بن قيس، فقال لهم مثل قول الشيبانيّ، فأتوا غالبا، فسألوه، فأعطاهم مائة ناقة وراعيها، ولم يمألهم من هم فساروا بها ليلة، ثم ردّوها، وأخذ صاحب غالب الرّهن، وفي ذلك يقول الفرزدق:

وإذا ناحبت كلب على الناس أيّهمأحقّ بتاج الماجد المتكرّم
على نفر هم من نزار ذوي العلاوأهل الجراثيم التي لم تهدّم
فلم يجز عن أحسابهم غير غالبجرى بعنان كّل أبيض خضرم

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة، عن جهم السليطيّ، عن إياس بن شبة، عن عقال بن صعصعة، قال: أجدبت بلاد تميم، وأصابت بني حنظلة سنة في خلافة عثمان، فبلغهم خصب عن بلاد كلب بن وبرة، فانتجعتها بنو حنظلة، فنزلوا أقصى الوادي، وتسرّع غالب بن صعصعة فيهم وحده دون بني مالك بن حنظلة، ولم يكن مع بني يربوع من بني مالك غير غالب، فنحر ناقته فأطعمهم إيّاها، فلما وردت إبل سحيم بن وثيل الرّياحيّ حبس منها ناقة، فنحرها من غد، فقيل لغالب: إنما نحر سحيم مواءمة لك - أي مساواة لك - فضحك غالب، وقال: كلا، ولكنه امرؤ كريم، وسوف أنظر في ذلك، فلما وردت إبل غالب حبس منها ناقتين، فنحرهما، فأطعمهما بني يربوع، فعقر سحيم ناقتين، فقال غالب: الآن علمت أنه يوائمني، فقعر غالب عشرا، فأطعمها بني يربوع فعقر سحيم عشرا، فلما بلغ غالبا فعله ضحك، وكانت إبله ترد لخمس، فلما وردت عقرها كلها عن آخرها، فالمكثر يقول: كانت أربعمائة، والمقلّ يقول: كانت مائة، فأمسك سحيم حينئذ؛ ثم إنه عقر في خلافة عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه بكناسة الكوفة مائتي ناقة وبعير، فخرج الناس بالزنابيل والأطباق والحبال لأخذ اللحم، ورآهم عليّ عليه السلام، فقال: أيّها الناس لا يحل لكم، إنّما أهلّ بها لغير اللّه عزّ وجلّ. قال: فحدثني من حضر ذلك قال: كان الفرزدق يومئذ مع أبيه وهو غلام، فجعل غالب يقول: يا بنيّ، اردد عليّ، والفرزدق يردّها عليه، ويقول له: يا أبت اعقر، قال جهم: فلم يغن عن سحيم فعله، ولم يجعل كغالب إذا لم يطق فعله.

حدثني محمد بن يحيى عن محمد بن القاسم - يعني أبا العيناء - عن أبي زيد النحويّ، عن أبي عمرو قال: جاء غالب أبو الفرزدق إلى عليّ بن إبي طالب صلوات اللّه عليه بالفرزدق بعد الجمل بالبصرة، فقال: إن ابني هذا من شعراء مضر فاسمع منه، قال: علمه القرآن، فكان ذلك في نفس الفرزدق، فقيّد نفسه في وقت، وآلى: لا يحلّ قيده حتى يحفظ القرآن.

قال محمد بن يحيى: فقد صح لنا أن الفرزدق كان شاعرا موصوفا أربعا وسبعين سنة، وندع ما قبل ذلك، لأن مجيئة به بعد الجمل - على الاستظهار - كان في سنة ست وثلاثين، وتوفي الفرزدق في سنة عشر ومائة في أول خلافة هشام هو وجرير والحسن البصريّ وابن سيرين في ستة أشهر، وحكي ذلك عن جماعة، منهم الغلابيّ عن ابن عائشة عن أبيه.

أخبرني محمد بن يحيى الصوليّ عن الغلابي، عن ابن عائشة أيضا، عن أبيه قال: قال الفرزدق أيضا: كنت أجيد الهجاء في أيام عثمان، قال: ومات غالب أبو الفرزدق في أول أيام معاوية ودفن بكاظمة فقال الفرزدق يرثيه:

لقد ضمّت الأكفان من آل دارمفتى فائض الكفّين محض الضّرائب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألا أيها السؤال عن جلة القرى»

أخبرني حبيب المهلبيّ قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن عمران الضبيّ، قال: حدثني جعفر بن محمد العنبريّ، عن خالد بن أم كلثوم، قال: قيل للمفضل الضبي: الفرزدق أشعر أم جرير؟ قال الفرزدق: قال: قلت: ولم؟ قال: لأنه قال بيتا هجا فيه قبيلتين ومدح فيه قبيلتين وأحسن في ذلك فقال:

عجبت لعجل إذ تهاجي عبيدهاكما آل يربوع هجوا آل دارم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «قيل للمفضل الضبي: الفرزدق أشعر أم جرير؟ فقال: الفرزدق، فقيل له: ولِمَ؟ قال: لأنه قال بيتًا هجا به قبيلتين ومدح قبيلتين وأحسن في ذلك فقال:»

فقيل له: قد قال جرير:

إنّ الفرزدق والبعيث وأمّهوأبا البعيث لشرّ ما إستار
للشاعر جرير، من قصيدة «ما هاج شوقك من رسوم ديار»

فقال: وأيّ شيء أهون من أن يقول إنسان: فلان وفلان وفلان والناس كلهم بنو الفاعلة!.

أخبرني عبد اللّه بن مالك، قال: حدثنا محمد بن حبيب، قال: حدثني موسى بن طلحة، قال: قال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: كان الشعراء في الجاهلية من قيس، وليس في الإسلام مثل حظّ تميم في الشعر، وأشعر تميم جرير والفرزدق، ومن بني تغلب الأخطل.

قال يونس بن حبيب: ما ذكر جرير والفرزدق في مجلس شهدته قط فاتّفق المجلس على أحدهما، قال: وكان يونس فرزدقيّا.

أخبرني عمي، عن محمد بن رستم الطبريّ، عن أبي عثمان المازنيّ قال: مر الفرزدق بابن ميّادة الرمّاح والناس حوله وهو ينشد:

لو أنّ جميع الناس كانوا بربوةوجئت بجدّي ظالم وابن ظالم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
لظلّت رقاب الناس خاضعة لناسجودا على أقدامنا بالجماجم

فسمعه الفرزدق، فقال: أما واللّه يا بن الفارسية لتدعنّه لي أو لأنبشنّ أمّك من قبرها، فقال له ابن ميادة: خذه لا بارك اللّه لك فيه، فقال الفرزدق:

لو أنّ جميع النّاس كانوا بربوةوجئت بجدّي دارم وابن دارم
لظلّت رقاب الناس خاضعة لناسجودا على أقدامنا بالجماجم

أخبرني عمي، عن الكرانيّ، عن أبي فراس الهيثم بن فراس، قال: حدثني ورقة بن معروف، عن حماد الرواية قال: دخل جرير والفرزدق على يزيد بن عبد الملك وعنده بنيّة له يشمّها فقال جرير: ما هذه يا أمير المؤمنين عندك؟ قال: بنيّة لي، قال: بارك اللّه لأمير المؤمنين فيها. فقال الفرزدق: إن يكن دارم يضرب فيها فهي أكرم العرب، ثم أقبل يزيد على جرير فقال: مالك والفرزدق؟ قال: إنه يظلمني ويبغي عليّ، فقال الفرزدق: وجدت آبائي يظلمون آباءه فسرت فيه بسيرتهم، قال جرير: وأما واللّه لتردّنّ الكبائر على أسافلها سائر اليوم، فقال الفرزدق: أمّا بك يا حمار بني كليب فلا، ولكن إن شاء صاحب السرير، فلا واللّه ما لي كف ء غيره، فجعل يزيد يضحك.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، عن محمد بن حبيب، عن ابن الأعرابيّ، عن حماد الرواية قال: أنشدني الفرزدق يوما شعرا له ثم قال لي: أتيت الكلب - يعني جريرا - قلت: نعم، قال: أفأنا أشعر أم هو؟

قلت: أنت في بعض وهو في بعض، قال: لم تناصحني، قال: قلت: هو أشعر منك إذا أرخي من خناقة، وأنت أشعر منه إذا خفت أو رجوت، قال: قضيت لي واللّه عليه وهل الشعر إلا في الخبر والشّر.

قال: وروى عن أبي الزناد عن أبيه قال: قال لي جرير: يا أبا عبد الرحمن: أنا شعر أم هذا الخبيث - يعني الفرزدق - وناشدني لأخبرنّه، فقلت: لا واللّه ما يشاركك ولا يتعلق بك في النسيب قال: أوه قضيت واللّه له عليّ، أنا واللّه أخبرك: ما دهاني، إلّا أنّي هاجيت كذا وكذا شاعرا، فسمّى عددا كثيرا، وأنه تفرّد لي وحدي.

أخبرني عبد اللّه قال: قال المازنيّ: قال أبو علي الحرمازيّ: كان من خبر الفرزدق والنّوار ابنة أعين بن صعصعة بن ناجية بن عقال المجاشعيّ - وكانت ابنة عمه - أنه خطبها رجل من بني عبد اللّه بن دارم فرضيته، وكان الفرزدق وليّها، فأرسلت إليه أن زوّجني من هذا الرجل، فقال: لا أفعل أو تشهديني أنك قد رضيت بمن زوّجتك، ففعلت، فلما توثّق منها، قال: أرسلي إلى القوم فليأتوا، فجاءت بنو عبد اللّه بن دارم فشحنوا مسجد بني مجاشع وجاء الفرزدق، فحمد اللّه، وأثنى عليه ثم قال: قد علمتم أن النوار قد ولّتني أمرها، وأشهدكم أني قد زوجتها نفسي على مائة ناقة حمراء سوداء الحدقة. فنفرت من ذلك وأرادت الشخوص إلى ابن الزبير حين أعياها أهل البصرة ألّا يطلقوها من الفرزدق حتى يشهد لها الشهود، وأعياها الشهود أن يشهدوا لها اتّقاء الفرزدق، وابن الزبير يومئذ أمير الحجاز والعراق يدعي له بالخلافة - فلم تجد من يحملها، وأتت فتية من بني عديّ بن عبد مناة بن أدّ، يقال لهم بنو أمّ النّسير، فسألتهم برحم تجمعهم وإياها - وكانت بينها وبينهم قرابة - فأقسمت عليهم أمها: ليحملنها، فحملوها، فبلغ ذلك الفرزدق، فاستنهض عدّة من أهل البصرة فأنهضوه، وأوقروا له عدة من الإبل، وأعين بنفقة، فتبع النّوار، وقال:

أطاعت بني أم النّسير فأصبحتعلى شارف ورقاء صعب ذلولها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمري لقد أردى نوار وساقها»
وإنّ الذي أمسى يخبّب زوجتيكماش إلى أسد الشّرى يستبيلها

فأدركها وقد قدمت مكة، فاستجارت بخولة بنت منظور بن زبّان بن سيار الفزاري، وكانت عند عبد اللّه بن الزبير، فلما قدم الفرزدق مكة اشرأب الناس إليه، ونزل على بني عبد اللّه بن الزبير، فاستنشدوه، واستحدثوه ثم شفعوا له إلى أبيهم، فجعل يشفعهم في الظاهر، حتى إذا صار إلى خولة قلبته عن رأيه، فمال إلى النّوار، فقال الفرزدق في ذلك:

صوت

أمّا بنوه فلم تقبل شفاعتهموشفّعت بنت منظور بن زبّانا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وقال:»
ليس الشّفيع الذي يأتيك مؤتزرامثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وقال:»

لعريب في هذا البيت خفيف رمل.

قال: وسفر بينهما رجال من بني تميم كانوا بمكة، فاصطلحا على أن يرجعا إلى البصرة، ولا يجمعهما ظل ولاكنّ حتى يجمعا في أمرهما ذلك بني تميم، ويصيرا على حكمهم. ففعلا، فلما صارا إلى البصرة رجعت إليه النوار بحكم عشيرتها.

قال: وقال غير الحرمازيّ: إن ابن الزبير قال للفرزدق: جئني بصداقها وإلا فرّقت بينكما، فقال الفرزدق: أنا في بلاد غربة فكيف أصنع؟ قالوا له: عليك بسلم بن زياد، فإنه محبوس في السجن يطالبه ابن الزبير بمال، فأتاه فقصّ عليه قصته قال: كم صداقها؟ قال: أربعة آلاف درهم، فأمر له بها وبألفين للنفقة، فقال الفرزدق:

دعي مغلقي الأبواب دون فعالهمولكن تمشّي بي - هبلت - إلى سلم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «دعي مغلقي الأبواب دون فعالهم»
إلى من يرى المعروف سهلا سبيلهويفعل أفعال الرجال التي تنمي

قال: فدفعها إليه ابن الزبير، فقال الفرزدق:

هلمّي لابن عمك لا تكونيكمختار على الفرس الحمارا

قال: فجاء بها إلى البصرة - وقد أحبلها - فقال جرير في ذلك:

ألا تلكم عرس الفرزدق جامحاولو رضيت رمح استه لاستقرّت

فأجابه الفرزدق، وقال:

وأمّك لو لاقيتها بطمرّةوجاءت بها جوف استها لاستقرّت

وقال الفرزدق وهو يخاصم النوار:

تخاصمني وقد أولجت فيهاكرأس الضّبّ يلتمس الجراد

قال الحرمازيّ: ومكثت النّوار عنده زمانا، ترضى عنه أحيانا، وتخاصمه أحيانا، وكانت النّوار إمرأة صالحة، فلم تزل تشمئزّ منه، وتقول له: ويحك! أنت تعلم أنك إنما تزوجت بي ضغطة وعلى خدعة، ثم لا تزال في كلّ ذلك، حتى حلفت بيمين موثّقة، ثم حنثت. وتجنّبت فراشه، فتزوج عليها امرأة يقال لها جهيمة من بني النمر بن قاسط حلفاء لبني الحارث بن عباد بن ضبيعة وأمّها الخميصة من بني الحارث بن عباد، فنافرته الخميصة، واستعدت عليه فأنكرها الفرزدق، وقال: إنها مني بريء طالق وطلق ابنتها، وقال:

إن الخميصة كانت لي ولا بنتهامثل الهراسة بين النّعل والقدم
إذا أتت أهلها مني مطلّقةفلن أردّ عليها زفرة النّدم

جعل يأتي النوار وبه ردع الخلوق وعليه الأثر فقالت له النّوار: هل تزوجتها إلا هداديّة - تعني حيّا من أزد عمان - فقال الفرزدق في ذلك:

تريك نجوم الليل والشّمس حيّةكرام بنات الحارث بن عباد
أبوها الذي قاد النّعامة بعد ماأبت وائل في الحرب غير تماد
نساء أبوهنّ الأعزّ ولم تكنمن الأزد في جاراتها وهداد
ولم يك في الحيّ الغموض محلّهاولا في العمانيّين رهط زياد
عدلت بها ميل النّوار فأصبحتوقد رضيت بالنّصف بعد بعاد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أراها نجوم الليل والشمس حية»

قال: فلم تزل النوار ترققه، وتستعطفه، حتى أجابها إلى طلاقها، وأخذ عليها ألّا تفارقه ولا تبرح من منزله، ولا تتزوج رجلا بعده، ولا تمنعه من مالها ما كانت تبذله له، وأخذت عليه أن يشهد الحسن البصريّ على طلاقها، ففعل ذلك.

قال المازنيّ: وحدثني محمد بن روح العدوي عن أبي شفقل راوية الفرزدق قال: ما استصحب الفرزدق أحدا غيري وغير راوية آخر، وقد صحب النّوار رجال كثيرة، إلا أنهم كانوا يلوذون بالسّواري خوفا من أن يراهم الفرزدق، فأتيا الحسن فقال له الفرزدق: يا أبا سعيد، قال له الحسن: ما تشاء؟

قال: أشهد أن النّوار طالق ثلاثا، فقال الحسن: قد شهدنا، فلما انصرفنا قال: يا أبا شفقل، قد ندمت، فقلت له: واللّه إني لأظن أن دمك يترقرق، أتدري من أشهدت؟ واللّه لئن رجعت لترجمن بأحجارك، فمضى وهو يقول:

ندمت ندامة الكسعيّ لمّاغدت منّي مطلّقة نوار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ندمت ندامة الكسعي لما»
ولو أنّي ملكت يدي وقلبيلكان عليّ للقدر الخيار
وكانت جنّتي فخرجت منهاكآدم حين أخرجه الضّرار
وكنت كفاقىء عينيه عمدافأصبح ما يضيء له النهار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ندمت ندامة الكسعي لما»

وأخبرني بخبره مع النّوار أحمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني محمد بن يحيى، عن أبيه يحيى بن علي بن حميد: أنّ النّوار لمّا كرهت الفرزدق حين زوّجها نفسه لجأت إلى بني قيس بن عاصم المنقري ليمنعوها فقال الفرزدق فيهم:

بني عاصم لا تجنبوها فإنكمملاجىء للسوآت دسم العمائم
بني عاصم لو كان حيّا أبوكمللام بنيه اليوم قيس بن عاصم

فبلغهم ذلك الشعر، فقالوا: واللّه لئن زدت على هذين البيتين لنقتلنك غيلة، وخلّوه والنوار وأرادت منافرته إلى ابن الزبير، فلم يقدر أحد على أن يكريها خوفا منه. ثم إن قوما من بني عديّ يقال لهم بنو أم النّسير أكروها، فقال الفرزدق:

ولو لا أن يقول بنو عديّألم تك أمّ حنظلة النّوار
أتتكم يا بني ملكان عنّيقواف لا تقسّمها التّجار

وقال فيهم أيضا:

لعمري لقد أردى النّوار وساقهاإلى البور أحلام خفاف عقولها
أطاعت بني أمّ النّسير فأصبحتعلى قتب يعلو الفلاة دليلها
وقد سخطت منّي النّوار الذي ارتضىبه قبلها الأزواج خاب رحيلها
وإن امرأ أمسى يخبّب زوجتيكساع إلى أسد الشرى يستبيلها
ومن دون أبواب الأسود بسالةوبسطة أيد يمنع الضّيم طولها
وإنّ أمير المؤمنين لعالمبتأويل ما وصّى العباد رسولها
فدونكها يا بن الزبير فإنهامولّعة يوهي الحجارة قيلها
وما جادل الأقوام من ذي خصومةكورهاء مشنوء إليها حليلها

فلما قدمت مكة نزلت على تماضر بنت منظور بن زبّان زوجة عبد اللّه بن الزبير، ونزل الفرزدق بحمزة بن عبد اللّه بن الزبير، ومدحه بقوله:

أمسيت قد نزلت بحمزة حاجتيإن المنوّه باسمه الموثوق
بأبي عمارة خير من وطىء الحصاوجرت له في الصالحين عروق
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أصبحت قد نزلت بحمزة حاجتي»
بين الحواريّ الأعزّ وهاشمثم الخليفة بعد والصّدّيق

غنّى في هذه الأبيات ابن سريج رملا بالبنصر.

قال: فجعل أمر النّوار يقوى، وأمر الفرزدق يضعف، فقال:

أمّا بنوه فلم تقبل شفاعتهموشفّعت بنت منظور بن زبّانا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وقال:»

وقال ابن الزبير للنّوار: إن شئت فرّقت بينكما، وقتلته، فلا يهجونا أبدا، وإن شئت سيّرته إلى بلاد العدو، فقالت: ما أريد واحدة منهما، فقال لها: فإنه ابن عمك وهو فيك راغب، فأزوّجك إياه، قالت: نعم، فزوجها منه، فكان الفرزدق يقول: خرجنا ونحن متباغضان، فعدنا متحابين.

قال: وكان الفرزدق قال لعبد اللّه بن الزبير - وقد توجه الحكم عليه - إنما تريد أن أفارقها فتثب عليها، وكان ابن الزبير حديدا، فقال له: هل أنت وقومك إلا جالية العرب؟.

ثم أمر به فأقيم، وأقبل على من حضر، فقال: إن بني تميم كانوا وثبوا على البيت قبل الإسلام بمائة وخمسين سنة، فاستلبوه، فاجتمعت العرب عليها لما انتهكت منه ما لم ينتهكه أحد قط، فأجلتها من أرض تهامة، قال: فلقي الفرزدق بعض الناس، فقال: إيه يعيرنا ابن الزبير بالجلاء! اسمع، ثم قال:

فإن تغضب قريش أو تغضّبفإنّ الأرض توعبها تميم
هم عدد النجوم وكلّ حيّسواهم لا تعدّ له نجوم
ولو لا بيت مكة ما ثويتمبها صحّ المنابت والأروم
بها كثر العديد وطاب منكموغيركم أخيذ الريش هيم
فمهلا عن تعلّل من غدرتمبخونته وعذّبه الحميم
أعبد اللّه مهلا عن أذاتيفإني لا الضعيف ولا الشوم
ولكنّي صفاة لم تدنّستزلّ الطير عنها والعصوم
أنا ابن العاقر الخور الصّفايابضوّي حين فتّحت العكوم

قال: فبلغ هذا الشّعر ابن الزبير، وخرج للصلاة فرأى الفرزدق في طريقه، فغمز عنقه، فكاد يدقها، ثم قال:

لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزاولو رضيت رمح استه لاستقرّت

وقال: هذا الشعر لجعفر بن الزبير.

وقيل: إن الذي كان تقرّر عليه عشرة آلاف درهم، وإنّ سلم بن زياد أمر له بعشرين ألف درهم مهرا ونفقة، فقبضها، فقالت له زوجته أمّ عثمان بنت عبد اللّه بن عمرو بن أبي العاص الثقفيّة: أتعطي عشرين ألف درهم وأنت محبوس؟ فقال:

ألا بكرت عرسي تلوم سفاهةعلى ما مضى مني وتأمر بالبخل
فقلت لها - والجود منّي سجيّة -:وعل يمنع المعروف سوّاله مثلي؟
ذريني فإنّي غير تارك شيمتيولا مقصر طول الحياة عن البذل
ولا طارد ضيفي إذا جاء طارقاوقد طرق الأضياف شيخي من قبلي
أأبخل؟ إن البخل ليس بمخلديولا الجود يدنيني إلى الموت والقتل
أبيع بني حرب بآل خويلد!وما ذاك عند اللّه في البيع بالعدل؟
وليس ابن مروان الخليفة مشبهالفحل بني العوّام، قبّح من فحل
فإن تظهروا لي البخل آل خويلدفما دأبكم دأبي ولا شكلكم شكلي
وإن تقهروني حين غابت عشيرتيفمن عجب الأيام أن تقهروا مثلي

فلما اصطلحا، ورضيت به، ساق إليها مهرها، ودخل بها، وأحبلها قبل أن يخرج من مكة.

ثم خرجا وهما عديلان في محمل.

وأخبرني أبو خليفة، عن محمد بن سّلام، عن إبراهيم بن حبيب بن الشّهيد بنحو من هذه القصة.

قال عمر بن شبّة: قال الفرزدق في خبره:

يا حمز هل لك في ذي حاجة عرضتأنضاؤه بمكان غير ممطور
فأنت أحرى قريش أن تكون لهاوأنت بين أبي بكر ومنظور
بين الحواريّ والصدّيق في شعبثبتن في طنب الإسلام والخير
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يا حمز هل لك في ذي حاجة غرضت»

أخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا محمد بن سلّام قال: حدثنا عبد القاهر بن السّريّ السلمي، قال: كان فتى من بني حرام شويعر هجا الفرزدق، قال: فأخذناه، فأتينا به الفرزدق وقلنا: هذا بين يديك فإن شئت فاضرب، وان شئت فاحلق، فلا عدوى عليك ولا قصاص، قد برئنا إليك منه، فخلّى سبيله وقال:

فمن يك خائفا لأذاة شعريفقد أمن الهجاء بنو حرام
هم قادوا سفيههم وخافواقلائد مثل أطواق الحمام

قال ابن سلّام: وحدثني عبد القاهر قال: مرّ الفرزدق بمجلسنا مجلس بني حرام ومعنا عنبسة مولى عثمان بن عفان، فقال: يا أبا فراس، متى تذهب إلى الآخرة؟ قال: وما حاجتك إلى ذاك يا أخي؟ قال: أكتب معك إلى أبي، قال: أنا لا أذهب إلى حيث أبوك، أبوك في النار، أكتب إليه مع ريالويه واصطقانوس.

أخبرني الحسن بن يحيى، عن حماد، عن أبيه قال: أخبرني مخبر، عن خالد بن كلثوم الكلبيّ، قال: مررت بالفرزدق، وقد كنت دوّنت شيئا من شعره وشعر جرير، وبلغه ذلك، فاستجلسني، فجلست إليه، وعذت باللّه من شره، وجعلت أحدثه حديث أبيه وأذكر له ما يعجبه، ثم قلت له: إني لأذكر يوم لقّبك بالفرزدق، قال: وأي يوم؟ قلت: مررت به وأنت صبيّ، فقال له بعض من كان يجالسه: كأنّ ابنك هذا الفرزدق دهقان الحيرة في تيهه وأبّهته، فسمّاك بذلك، فأعجبه هذا القول، وجعل يستعيد، ثم قال: أنشدني بعض أشعار ابن المراغة فيّ، فجعلت أنشده، حتى انتهيت، ثم قال: فأنشد نقائضها التي أجبته بها، فقلت: ما أحفظها، فقال: يا خالد، أتحفظ ما قاله فيّ ولا تحفظ نقائضه؟ واللّه لأهجونّ كلبا هجاء يتصل عاره بأعقابها إلى يوم القيامة، إن لم تقم حتى تكتب نقائضها أو تحفظها وتنشدينها، فقلت: أفعل فلزمته شهرا، حتى حفظت نقائضها، وأنشدته إياها خوفا من شره.

أخبرني عبد اللّه بن مالك قال: حدثنا محمد بن حبيب، قال: حدثني الأصمعي قال: تزوج الفرزدق حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس الشيباني، وخاصمته النّوار وأخذت بلحيته، فجاذبها وخرج عنها مغضبا وهو يقول:

قامت نوار إليّ تنتف لحيتيتنتاف جعدة لحية الخشخاش
كلتاهما أسد إذا ما أغضبتوإذا رضين فهنّ خير معاش

قال: والخشخاش رجل من عنزة، وجعدة امرأته، فجاءت جعدة إلى النّوار، فقالت: ما يريد مني الفرزدق؟

أما وجد لامرأته أسوة غيري.

وقال الفرزدق للنوار يفضّل عليها حدراء.

لعمري لأعرابيّة في مظلّةتظلّ بروقي بيتها الريح تخفق
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمري لأعرابية في مظلة»
أحبّ إلينا من ضناك ضفنّةإذا وضعت عنها المراويح تعرق
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمري لأعرابية في مظلة»
كريم غزال أو كدرّة غائصتكاد - إذا مرت - لها الأرض تشرق

فلما سمعت النوار ذلك أرسلت إلى جرير، وقالت للفرزدق: واللّه لأخزينّك يا فاسق فجاء جرير، فقالت له: أما ترى ما قال الفاسق، وشكته إليه، وأنشدته شعره، فقال جرير: أنا أكفيك، وأنشأ يقول:

ولست بمطي الحكم عن شفّ منصبولا عن بنات الحنظليّين راغب
وهنّ كماء المزن يشفى به الصّدىوكانت ملاحا غيرهنّ المشارب
لقد كنت أهلا أن يسوق دياتكمإلى آل زيق أن بعيبك عائب
وما عدلت ذات الصليب ظعينةعتيبة والرّدفان منها وحاجب
أأهديت يا زيق بن بسطام طبيةإلى شرّ من تهدى إليه القرائب
ألا ربّما لم نعط زيقا بحكمهوأدّى إلينا الحكم والغلّ لازب
للشاعر جرير، من قصيدة «لست بمعطي الحكم عن شف منصب»
حوينا أبا زيق وزيقا وعمّهوجدّه زيق قد حوتها المقانب
للشاعر جرير، من قصيدة «لست بمعطي الحكم عن شف منصب»

فأجابه الفرزدق فقال:

تقول كليب حين مثّت سبالهاوأعشب من مروتها كلّ جانب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تقول كليب حين مثت سبالها»
لسوّاق أغنام رعتهنّ أمّهإلى أن علاها الشيب فوق الذوائب
ألست إذا القعساء مرت براكبإلى آل بسطام بن قيس بخاطب
وقالوا: سمعنا أنّ حدراء زوّجتعلى مائة شمّ الذّرى والغوارب
فلو كنت من أكفاء حدراء لم تلمعلى دارميّ بين ليلى وغالب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تقول كليب حين مثت سبالها»
فنل مثلها من مثلهم ثم أمّهمبملكك من مال مراح وعازب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تقول كليب حين مثت سبالها»
وإني لأخشى إن خطبت إليهمعليك الذي لاقى يسار الكواعب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تقول كليب حين مثت سبالها»
ولو تنكح الشّمس النجوم بناتهانكحنا بنات الشمس قبل الكواكب

وفي المناقضات التي دارت بين الفرزدق وجرير حول زواج بنت زيق، قال جرير أبياته التي أولها:

يا زيق أنكحت قينا في استه حمميا زيق ويحك من أنكحت يا زيق
أين الألى أنزلوا النعمان ضاحيةأم أين أبناء شيبان الغرانيق؟
يا ربّ قائلة بعد البناء بها:لا الصهر راض ولا ابن القين معشوق
غاب المثنّى فلم يشهد نجيّكماوالحوفزان ولم يشهدك مفروق

والفرزدق يقول لجرير:

إن كان أنفك قد أعياك محملهفاركب أتانك ثم اخطب إلى زيق

أخبرني الحسن بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، عن الهيثم بن عدي، عن زكريا بن ثباة الثقفي قال: أنشدني الفرزدق قصيدته التي رثى فيها ابنه، فلما انتهى إلى قوله:

بفي الشّامتين الصّخر إن كان مسّنيرزيّة شبل مخدر في الضّراغم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بفي الشامتين الصخر إن كان مسني»

فلما فرغ قال: يا أبا يحيى، أرأيت ابني؟ قلت: لا، قال: واللّه ما كان يساوي عباءته.

قال إسحاق: حدثني أبو محمد العبديّ، عن اليربوعيّ، عن أبي نصر قال: قدم لبطة بن الفرزدق الحيرة، فمر بقوم من بني تغلب فاستقراهم فقروه، ثم قالوا له: من أنت؟ قال: ابن شاعركم ومادحكم، وأنا واللّه ابن الذي يقول فيكم:

أضحى لتغلب من تميم شاعريرمي الأعادي بالقريض الأثقل
إن غاب كعب بني جعيل عنهموتنمّر الشعراء بعد الأخطل
يتباشرون بموته ووراءهممنّي لهم قطع العذاب المرسل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أمسى لتغلب من تميم شاعر»

فقالوا له: فأنت ابن الفرزدق إذا، قال: أنا هو، فتنادوا: يا آل تغلب، اقضوا حق شاعركم والذائد عنكم في ابنه، فجعلوا له مائة ناقة، وساقوها إليه، فانصرف بها.

أخبرنا أبو خليفة، عن محمد بن سلّام قال: أتى الفرزدق عبد اللّه بن مسلم الباهليّ فسأله فثقل عليه الكثير، وخشية في القليل، وعنده عمرو بن عفراء الضّبيّ رواية الفرزدق وقد كان هجاه جرير لروايته للفرزدق في قوله:

ونبّئت جوّابا وسلما يسبّنيوعمرو بن عفري. لا سلام على عمرو

فقال ابن عفراء للباهليّ: لا يهولنّك أمره، أنا أرضيه عنك فأرضاه بدون ما كان همّ له به، فأعطاه ثلاثمائة درهم، فقبلها الفرزدق ورضي عنه، فبلغه بعد ذلك صنيع عمرو فقال:

ستعلم يا عمرو بن عفري من الذييلام إذا ما الأمر غبّت عواقبه
نهيت ابن عفرى أن يعفّر أمّهكعفر السّلا إذ جرّرته ثعالبه
فلو كنت ضبّيا صفحت ولو سرتعلى قدمي حيّاته وعقاربه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ستعلم يا عمرو بن عفرا من الذي»
ولكن ديافيّ أبوه وأمّهبحوران يعصرن السليط أقاربه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ستعلم يا عمرو بن عفرا من الذي»
ولما رأى الدّهنا رمته جبالهاوقالت ديافيّ مع الشام جانبه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ستعلم يا عمرو بن عفرا من الذي»
فإن تغضب الدهنا عليك فما بهاطريق لمرتاد تقاد ركائبه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ستعلم يا عمرو بن عفرا من الذي»
تضنّ بمال الباهليّ كأنماتضنّ على المال الذي أنت كاسبه
وإنّ امرأ يغتابني لم أطألهحريما ولا ينهاه عنّي أقاربه
كمحتطب يوما أساود هضبةأتاه بها في ظلمة الليل حاطبه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ستعلم يا عمرو بن عفرا من الذي»
أحين التقى ناباي وابيضّ مسحليوأطرق إطراق الكرى من يجانبه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ستعلم يا عمرو بن عفرا من الذي»

فقال ابن عفراء، وأتاه في نادي قومه: أجهد جهدك، هل هو إلا أن تسبني، واللّه لا أدع لك مساءة إلا أتيتها، ولا تأمرني بشيء إلا اجتنبته ولا تنهاني عن شيء إلا ركبته، قال: فاشهدوا أني أنهاه أن ينيك أمه، فضحك القوم وخجل ابن عفري.

أخبرنا أبو خليفة، عن محمد بن سلام، قال: حدثنا شعيب بن صخر قال: تزوج ذبيان بن أبي ذبيان العدوي من بلعدوية، فدعا الناس في وليمته، فدعا ابن أبي شيخ الفقيميّ، فألقى الفرزدق عنده، فقال له: يا أبا فراس، انهض، قال: إنه لم يدعني، قال: إن ابن ذبيان يؤتى وإن لم يدع، ثم لا تخرج من عنده إلا بجائزة فأتياه، فقال الفرزدق حين دخل:

كم قال لي ابن أبي شيخ وقلت له:كيف السّبيل إلى معروف ذبيان
إنّ القلوص إذا ألقت جآجئهاقدامّ بابك لم نرحل بحرمان

قال: أجل يا أبا فراس فدخل فتغدى عنده، وأعطاه ثلاثمائة درهم.

أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلّام قال: حدثني أبو بكر المدنيّ قال: دخل الفرزدق المدينة فوافق فيها موت طلحة بن عبد الرحمن بن عوف الزّهريّ - وكان سيدا سخيّا شريفا - فقال: يا أهل المدينة، أنتم أذل قوم للّه، قالوا: وما ذاك يا أبا فراس؟ قال: غلبكم الموت على طلحة حتى أخذه منكم.

وأتى مكة، فأتى عمرو بن عبد اللّه بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحيّ - وهو سيد أهل مكة يومئذ - وليس عنده نقد حاضر، وهو يتوقع أعطيته وأعطية ولده وأهله، فقال: واللّه يا أبا فراس، ما وافقت عندنا نقدا، ولكن عروضا إن شئت، فعندنا رقيق فرهة، فإن شئت أخذتهم، قال: نعم، فأرسل له بوصفاء من بنيه وبني أخيه، فقال: هم لك عندنا حتى تشخص، وجاءه العطاء، فأخبره الخبر وفداهم، فقال الفرزدق ونظر إلى عبد العزيز بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد وكان يطوف بالبيت الحرام يتبختر:

تمشي تبختر حول البيت منتخبالو كنت عمرو بن عبد اللّه لم تزد

أخبرنا أبو خليفة، عن محمد بن سلام، قال: حدثنا عامر بن أبي عامر - وهو صالح بن رستم الخراز - قال: أخبرني أبو بكر الهذلي قال: إنا لجلوس عند الحسن إذ جاء الفرزدق يتخطى حتى جلس إلى جنبه، فجاء رجل، فقال: يا أبا سعيد: الرجل يقول: لا واللّه، بلى واللّه في كلامه، قال: لا يريد اليمين، فقال الفرزدق: أو ما سمعت ما قلت في ذلك؟ قال الحسن: ما كلّ ما قلت سمعوا فما قلت؟ قال: قلت:

ولست بمأخوذ بلغو تقولهإذا لم تعمّد عاقدات العزائم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تحن بزوراء المدينة ناقتي»

قال: فلم ينشب أن جاء رجل آخر، فقال: يا أبا سعيد. نكون في هذه المغازي فنصب المرأة لها زوج، أفيحلّ غشيانها وإن لم يطلّقها زوجها؟ فقال الفرزدق: أو ما سمعت ما قلت في ذلك؟ قال الحسن: ما كلّ ما قلت سمعوا فما قلت؟ قال: قلت:

وذات حليل أنكحتنا رماحناحلالا لمن يبني بها لم تطلّق

قال أبو خليفة: أخبرني محمد بن سلام، وأخبرني محمد بن جعفر قالا: أتى الفرزدق الحسن، فقال: إني هجوت إبليس فاسمع؟ قال لا حاجة لنا بما تقول، قال: لتسمعنّ أو لأخرجنّ، فأقول للناس: إن الحسن ينهى عن هجاء إبليس، قال: اسكت فإنك بلسانه تنطق.

قال محمد بن سلام: أخبرني سلام أبو المنذر، عن علي بن زيد قال: ما سمعت الحسن متمثلا شعرا قط إلا بيتا واحدا وهو قوله:

الموت باب وكلّ الناس داخلهفليت شعري بعد الباب ما الدّار؟
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «الموت باب وكل الناس داخله»

قال: وقال لي يوما: ما تقول في قول الشاعر:

لو لا جرير هلكت بجيلةنعم الفتى وبئست القبيلة

أهجاه أم مدحه؟ قلت: مدحه وهجا قومه، قال: ما مدح من هجي قومه.

وقال جرير بن حازم: ولم أسمعه ذكر شعرا قط إلا:

ليس من مات فاستراح بميتإنما الميت ميّت الأحياء
للشاعر ابن الرعلاء، من قصيدة «ربما ضربة بسيف صقيل»

وقال رجل لابن سيرين وهو قائم يستقبل القبلة يريد أن يكبّر: أيتوضّأ من الشعر؟ فانصرف بوجهه إليه فقال:

ألا أصبحت عرس الفرزدق ناشزاولو رضيت رمح استه لاستقرّت

ثم كبر.

قال ابن سلّام: وكان الفرزدق أكثرهم بيتا مقلّدا - والمقلّد: المغني المشهور الذي يضرب به المثل - من ذلك قوله:

فيا عجبا حتى كليب تسبنيكأنّ أباها نهشل أو مجاشع

وكان يداخل الكلام، وكان ذلك يعجب أصحاب النحو، من ذلك قوله يمدح هشام بن إسماعيل المخزوميّ خال هشام بن عبد الملك:

وأصبح ما في الناس إلا مملّكاأبو أمه حيّ أبوه يقاربه

وقوله:

تاللّه قد سفهت أميّة رأيهافاستجهلت سفهاؤها حلماءها

وقوله:

ألستم عائجين بنا لعنّانرى العرصات أو أثر الخيام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألستم عائجين بنا لعنا»
فقالوا: إن فعلت فأغن عنادموعا غير راقئة السّجام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألستم عائجين بنا لعنا»

وقوله:

فهل أنت إن ماتت أتانك راحلإلى آل بسطام بن قيس فخاطب

وقوله:

فنل مثلها من مثلهم ثم دلّهمعلى دارميّ بين ليلى وغالب

وقوله:

تعال فإن عاهدتني لا تخوننينكن مثل من - يا ذئب - يصطحبان

وقوله:

إنا وإياك إن بلّغن أرحلناكمن بواديه بعد المحل ممطور

وقوله:

بنى الفارق أمّك وابن أروىبه عثمان مروان المصابا

وقوله:

إلى ملك ما أمّه من محاربأبوه ولا كانت كليب تصاهره
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إلى ملك ما أمه من محارب»

وقوله:

إليك أمير المؤمنين رمت بناهموم المنا والهوجل المتعسّف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لنا ما تمنينا من العيش ما دعا»
وعضّ زمان يا بن مروان لم يدعمن المال إلا مسحتا أو مجلّف

وقوله:

ولقد دنت لك بالتخلّف إذ دنتمنها بلا بخل ولا مبذول
وكأنّ لون رضاب فيها إذ بدابرد بفرع بشامة مصقول

وقوله فيها لمالك بن المنذر:

إنّ ابن ضبّاري ربيعة مالكاللّه سيف صنيعة مسلول
ما نال من آل المعلّى قبلهسيف لكل خليفة ورسول
ما من يدي رجل أحقّ بما أتىمن مكرمات عطاية الأخطار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم»
من راحتين يزيد يقدح زندهكفّاهما ويشدّ عقد جوار

وقوله:

إذا جئته أعطاك عفوا ولم يكنعلى ماله حال الندى منك سائله
لدى ملك لا تنصف النعل ساقهأجل لا، وإن كانت طوالا حمائله

وقوله:

والشيب ينهض في الشباب كأنهليل يسير بجانبيه نهار

قال أبو خليفة: أخبرنا محمد بن سلام قال: حدثني شعيب بن صخر، عن محمد بن زياد، وأخبرني به الجوهري وجحظة عن ابن شبّة، عن محمد بن سلام، وكان محمد في زمام الحجاج زمانا قال: انتهيت إلى الفرزدق بعد موت الحجاج بالّردم وهو قائم والناس حوله ينشد مديح سليمان بن عبد الملك:

وكم أطلقت كفاك من غلّ بائسومن عقدة ما كان يرجى انحلالها
كثيرا من الأيدي التي قد تكتّفتفككت وأعناقا عليها غلالها

قال: قلت: أنا واللّه أحدهم، فأخذ بيدي وقال: أيها الناس سلوه عما أقول واللّه ما كذبت قط.

أخبرني جحظة قال: حدثني ابن شبة، عن محمد بن سلّام فذكر مثله وقال فيه: واللّه ما كذبت قط ولا أكذب أبدا.

قال أبو خليفة: قال ابن سلام: وسمعت الحارث بن محمد بن زياد يقول: كتب يزيد بن المهلب لما فتح جرجان إلى أخيه مدركة أو مروان: أحمل إليّ الفرزدق، فإذا شخص فأعط أهله كذا وكذا؛ ذكر عشرة آلاف درهم، فقال له الفرزدق: ادفعها إليّ، قال: اشخص وأدفعها إلى أهلك، فأبى، وخرج وهو يقول:

دعاني إلى جرجان والرّيّ دونهلآتيه إنّي إذا لزءور
لآتي من آل المهّلب ثائرابأعراضهم والدّائرات تدور
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «دعاني إلى جرجان والري دونه»
سآبى وتأبى لي تميم وربماأبيت فلم يقدر عليّ أمير
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «دعاني إلى جرجان والري دونه»

قال أبو خليفة: قال ابن سلّام: وسمعت سلمة بن عيّاش قال: حبست في السجن، فإذا فيه الفرزدق قد حبسه مالك بن المنذر بن الجارود، فكان يريد أن يقول البيت فيقول صدره وأسبقه إلى القافية، ويجيء إلى القافية فأسبقه إلى الصدر، فقال لي: ممّن أنت؟

قلت: من قريش قال: كلّ أير حمار من قريش، من أيّهم أنت؟ قلت: من بني عامر بن لؤي، قال: لئام واللّه أذلة، جاورتهم فكانوا شرّ جيران، قلت: ألا أخبرك بأذلّ منهم وألأم؟ قال: من؟ قلت: بنو مجاشع، قال: ولم ويلك! قلت: أنت سيدهم وشاعرهم وابن سيدهم، جاءك شرطي مالك، حتى أدخلك السجن، لم يمنعوك. قال: قاتلك اللّه.

قال أبو خليفة: قال ابن سلّام:

وكان مسلمة بن عبد الملك على العراق بعد قتل يزيد بن المهلب فلبث بها غير كثير، ثم عزله يزيد بن عبد الملك، واستعمل عمر بن هبيرة على العراق فأساء عزل مسلمة، فقال الفرزدق وأنشدنيه يونس:

ولت بمسلمة الركاب مودّعافارعي فزارة لا هناك المرتع
فسد الزمان وبدّلت أعلامهحتى أميّة عن فزارة تنزع
ولقد علمت إذا فزارة أمّرتأن سوف تطمع في الإمارة أشجع
وبحقّ ربك ما لهم ولمثلهمفي مثل ما نالت فزارة مطمع
عزل ابن بشر وابن عمرو قبلهوأخو هراة لمثلها يتوقّع

ابن بشر: عبد الملك بن بشر بن مروان، كان على البصرة، أمّره عليها مسلمة. وابن عمرو: سعيد بن حذيفة بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وأخو هراة: عبد العزيز بن الحكم بن أبي العاص.

ويروى للفرزدق في ابن هبيرة:

أمير المؤمنين وأنت عفّكريم لست بالطّبع الحريص
أولّيت العراق ورافديهفزاريّا أحذّ يد القميص
ولم يك قبلها راعي مخاضلتأمنه على وركي قلوص
تفنّن بالعراق أبو المثنّىوعلّم أهله أكل الخبيص

وأنشدني له يونس:

جهّز فإنك ممتار ومبتعثإلى فزارة عيرا تحمل الكمرا
إنّ الفزاريّ لو يعمى فأطعمهأير الحمار طبيب أبرأ البصرا
إن الفزاريّ لا يشفيه من قرمأطايب العير حتى ينهش الذّكرا
يقول لمّا رأى ما في إنائهم:للّه ضيف الفزاريين ما انتظرا

فلما قدم خالد بن عبد اللّه القسريّ واليا على ابن هبيرة حبسه في السجن، فنقب له سرب، فخرج منه، فهرب إلى الشام، فقال فيه الفرزدق يذكر خروجه:

ولما رأيت الأرض قد سدّ ظهرهاولم تر إلا بطنها لك مخرجا
دعوت الذي ناداه يونس بعد ماثوى في ثلاث مظلمات ففرّجا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لما رأيت الأرض قد سد ظهرها»
فأصبحت تحت الأرض قد سرت ليلةوما سار سار مثلها حين أدلجا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لما رأيت الأرض قد سد ظهرها»
خرجت ولم تمنن عليك شفاعةسوى ربذ التقريب من آل أعوجا
أغرّ من الحوّ اللهاميم إذ جرىجرى بك محبوك القرى غير أفحجا
جرى بك عريان الحماتين ليلهبه عنك أرخى اللّه ما كان أشرجا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لما رأيت الأرض قد سد ظهرها»
وما احتال محتال كحيلته التيبها نفسه تحت الصّريمة أو لجا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لما رأيت الأرض قد سد ظهرها»
وظلماء تحت الأرض قد خضت هولهاوليل كلون الطيلسانيّ أدعجا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لما رأيت الأرض قد سد ظهرها»
هما ظلمتا ليل وأرض تلاقتاعلى جامع من همّه ما تعوّجا

: فحدثني جابر بن جندل قال: فقيل لابن هبيرة: من سيد العراق؟ قال: الفرزدق هجاني أميرا ومدحني سوقة وقال الفرزدق لخالد القسري حين قدم العراق أميرا لهشام:

ألا قطع الرحمن ظهر مطيّةأتتنا تمطّى من دمشق بخالد
وكيف يؤمّ المسلمين وأمّهتدين بأنّ اللّه ليس بواحد
بنى بيعة فيها الصّليب لأمّةوهدم من كفر منار المساجد

وقال أيضا:

نزلت بجيلة واسطا فتمكّنتونفت فزارة عن قرار المنزل

وقال أيضا:

لعمري لئن كانت بجيلة زانهاجرير لقد أخزى بجيلة خالد

فلما قدم العراق خالد أميرا أمّر على شرطة البصرة مالك بن المنذر بن الجارود، وكان عبد الأعلى بن عبد اللّه بن عامر يدّعي على مالك قرية، فأبطلها خالد، وحفر النهر الذي سماه المبارك، فاعترض عليه الفرزدق، فقال:

أهلكت مال اللّه في غير حقّهعلى النّهر المشؤوم غير المبارك
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أهلكت مال الله في غير حقه»
وتضرب أقواما صحاحا ظهورهموتترك حقّ اللّه في ظهر مالك
أإنفاق مال اللّه في غير كنههومنعا لحقّ المرملات الضرائك؟
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أهلكت مال الله في غير حقه»

أخبرني عبد اللّه بن مالك قال: حدثنا محمد بن حبيب، عن الأصمعيّ قال: قال أعين بن لبطة: دخل الفرزدق على الحجاج لما تزوج حدراء يستميحه مهرها، فقال له: تزوّجت أعرابية على مائة بعير، فقال له عنبسة بن سعيد: إنما هي فرائض قيمتها ألفا درهم، - الفريضة عشرون درهما - فقال له الحجاج: ليس غيرها، يا كعب، أعط الفرزدق ألفي درهم.

قال: وقدم الفضيل العنزيّ بصدقات بكر بن وائل، فاشترى الفرزدق مائة بعير بألفين وخمسمائة درهم على أن يثبتها له في الديوان، قال الفرزدق: فصليت مع الحجاج الظهر حتى إذا سلّم، خرجت فوقفت في الدار فرآني، فقال مهيم، فقلت: إن الفضيل العنزي قدم بصدقات بكر بن وائل، وقد اشتريت منه مائة بعير بألفين وخمسمائة درهم على أن تحتسب له في الديوان، فإن رأى الأمير أن يأمر لي بإثباتها له فعل، فأمر أبا كعب أن يثبت للفضيل ألفين وخمسمائة درهم، ونسي ما كان أمر له به، قال: فلما جاء الفرزدق بالإبل قالت له النوار: خسرت صفقتك، أتتزوج أعرابية نصرانية سوداء مهزولة خمشاء الساقين على مائة من الإبل؟ فقال يعرّض بالنّوار وكانت أمها وليدة:

لجارية بين السّليل عروقهاوبين أبي الصّهباء من آل خالد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا شئت غناني من العاج قاصف»
أحقّ بإغلاء المهور من التيربت تتردّى في حجور الولائد

فأبت النوار عليه أن يسوقها كلها، فحبس بعضها، وامتار عليه ما يحتاج إليه أهل البادية، ومضى ومعه دليل يقال له أوفى بن خنزير، قال أعين: فلما كان في أدنى الحي رأوا كبشا مذبوحا، فقال الفرزدق: يا أوفى، هلكت واللّه حدراء، قال: وما علمك بذلك؟ قال: ويقال: إن أوفى قال للفرزدق: يا أبا فراس لن ترى حدراء، فمضوا حتى وقفوا على نادي زيق، وهو جالس، فرحب به، وقال له: انزل فإن حدراء قد ماتت، وكان زيق نصرانيا فقال: قد عرفنا أن نصيبك من ميراثها في دينكم النصف، وهو لك عندنا، فقال له الفرزدق: واللّه لا أرزؤك منه قطميرا، فقال زيق: يا بني دارم، ما صاهرنا أكرم منكم في الحياة ولا أكرم منكم شركة في الممات، فقال الفرزدق:

عجبت لحادينا المقحّم سيرهبنا موجعات من كلال وظلّعا
ليدنينا ممن إلينا لقاؤهحبيب ومن دار أردنا لتجمعا
ولو نعلم الغيب الذي من أمامنالكرّبنا الحادي المطيّ فأسرعا
يقولون: زر حدراء والتّرب دونهاوكيف بشيء وصله قد تقطّعا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «عجبت لحادينا المقحم سيره»
يقول ابن خنزير: بكيت ولم تكنعلى امرأة عيني إخال لتدمعا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «عجبت لحادينا المقحم سيره»
وأهون رزء لامرىء غير جازعرزيئة مرتج الروادف أفرعا
ولست - وإن عزّت - عليّ بزائرترابا على مرموسة قد تضعضعا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «عجبت لحادينا المقحم سيره»

وقيل إن النّوار كانت استعانت بأم هاشم لا بتماضر، وأم هاشم أخت تماضر؛ لأن تماضر ماتت عند عبد اللّه بعد أن ولدت له خبيبا وثابتا ابنى عبد اللّه بن الزبير، وتزوّج بعدها أختها أم هاشم، فولدت له هاشما وحمزة وعبّادا، وفي أم هاشم يقول الفرزدق:

تروّحت الرّكبان يا أمّ هاشموهنّ مناخات لهن حنين
وحبّسن حتّى ليس فيهن نافقلبيع ولا مركوبهن سمين

أخبرنا عبد اللّه قال: حدثنا محمد بن حبيب قال: حدثني الأصمعيّ قال: نشزت رهيمة بنت غنيّ بن درهم النّمريّة بالفرزدق فطلّقها، وقال يهجوها بقوله:

لا ينكحن بعدي فتى نمريةمرمّلة من بعلها لبعاد
وبيضاء زعراء المفارق شختةمولّعة في خضرة وسواد
لها بشر شئن كأن مضمّهإذا عانقت بعلا مضمّ قتاد
قرنت بنفسي الشؤم في ورد حوضهافجرّعته ملحا بماء رماد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لا تنكحن بعدي فتى نمرية»
وما زلت - حتى فرّق اللّه بينناله الحمد - منها في أذىّ وجهاد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لا تنكحن بعدي فتى نمرية»
تجدّد لي ذكرى عذاب جهنّمثلاثا تمسّيني بها وتغادي
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لا تنكحن بعدي فتى نمرية»

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني الحسين بن موسى قال: قال المدائني: لقي الفرزدق جارية لبني نهشل، فجعل ينظر إليها نظرا شديدا، فقالت له: مالك تنظر؟ فو اللّه لو كان لي ألف حر ما طمعت في واحد منها، قال: ولم يا لخناء؟ قالت: لأنك قبيح المنظر سيء المخبر فيما أرى، فقال: أما واللّه لو جربتني لعفّى خبري على منظري، قال: ثم كشف لها عن مثل ذراع البكر، فتضبّعت له عن مثل سنام البكر فعالجها، فقالت: أنكاح بنسيئة؟ هذا شر القضية، قال: ويحك، ما معي إلا جبتي، أفتسلبينني إياها ثم تسنّمها، فقال:

أولجت فيها كذراع البكرمد ملك الرأس شديد الأسر
زاد على شبر ونصف شبركأنني أولجته في جمر
يطير عنه نفيان الشّعرنفى شعور الناس يوم النحر

قال: فحملت منه، ثم ماتت، فبكاها وبكى ولده منها.

وغمد سلاح قد رزئت فلم أنحعليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي جوفه من دارم ذو حفيظةلو أنّ المنايا أنسأته لياليا
ولكنّ ريب الدهر يعثر بالفتىفلم يستطع ردّا لما كان جائيا
وكم مثله في مثلها قد وضعتهوما زلت وثّابا أجرّ المخازيا

فقال جرير يعيره:

وكم لك يا بن القين إنّ جاء سائلمن ابن قصير الباع مثلك حامله
وآخر لم تشعر به قد أضعتهوأوردته رحما كثيرا غوائله

أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال: حدثنا محمد بن موسى، قال: حدثني محمد بن سليمان الكوفي عن أبيه قال: تزوج الفرزدق ظبية ابنة حالم من بني مجاشع بعد أن أسنّ، فضعف، وتركها عند أمها بالبادية سنة، ولم يكن صداقها عنده، فكتب إلى أبان بن الوليد البجليّ - وهو على فارس عامل لخالد بن عبد اللّه القسريّ - فأعطاه ما سأل وأرضاه، فقال يمدحه:

فلو جمعوا من الخلّان ألفافقالوا: أعطنا بهم أبانا
لقلت لهم: إذا لغبنتمونيوكيف أبيع من شرط الزمانا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لو جمعوا من الخلان ألفا»
خليل لا يرى المائة الصّفاياولا الخيل الجياد ولا القيانا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لو جمعوا من الخلان ألفا»
عطاء دون أضعاف عليهاويطعم ضيفه العبط السّمانا

العبط: الإبل التي لا وجع بها.

فما أرجو لظبية غير ربّيوغير أبي الوليد بما أعانا
أعان بهجمة أرضت أباهاوكانت عنده غلقا رهانا

وقال أيضا في ذلك:

لقد طال ما استودعت ظبية أمّهاوهذا زمان ردّ فيه الودائع

وقال حين أراد أن يبني بها:

أبادر سؤّالا بظبية أننيأتتني بها الأهوال من كل جانب
بمالئة الحجلين لو أنّ ميّتاولو كان في الأموات تحت النصائب
دعته لألقى التّرب عند انتفاضه- ولو كان تحت الراسيات الرواسب -

فلما ابتنى منها عجز عنها فقال:

يا لهف نفسي على نعظ فجعت بهحين التقى الرّكب المحلوق والرّكب

وقال جرير:

وتقول ظبية إذ رأتك محوقلا- حوق الحمار - من الخبال الخابل
إنّ البليّة وهي كلّ بليةشيخ يعلّل عرسه بالباطل
لو قد علقت من المهاجر سلّمالنجوت منه بالقضاء الفاصل

قال: فنشزت فيه، ونافرته إلى المهاجر، وبلغه قول جرير فقال المهاجر: لو أتتني بالملائكة معها لقضيت للفرزدق عليها.

قال: وكان للفرزدق ابنة يقال لها مكية، وكانت زنجية، وكان إذا حمي الوطيس، وبلغ منه الهجاء يكتنى بها، ويقول:

ذاكم إذا ما كنت ذا محميّهبدارميّ أمّه ضبّيه
صمحمح يكنى أبا مكّية

وقال في أمها:

يا ربّ خود من بنات الزّنجتحمل تنّورا شديد الوهج
أقعب مثل القدح الخلنجيزداد طيبا عند طول الهرج
مخجتها بالأير أيّ مخج

فقالت له النوار: ريحها مثل ريحك.

وقال في أم مكية يخاطب النّوار:

فإن يك خالها من آل كسرىفكسرى كان خيرا من عقال
وأكثر جزية تهدى إليهوأصبر عند مختلف العوالي

قال: وكانت أم النّوار خراسانية، فقال لها في أم مكية:

أغزك منها أدمة عربيّةعلت لونها إن البجاديّ أحمر

حدثني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا السكن بن سعيد، عن محمد بن عباد، عن ابن الكلبي قال: دخل الفرزدق على سعيد بن العاص وهو والي المدينة لمعاوية فأنشده:

نرى الغرّ الجحاجح من قريشإذا ما الخطب في الحدثان غالا
وقوفا ينظرون إلى سعيدكأنهم يرون به هلالا

وعنده كعب بن جعيل، فلما فرغ من إنشاده قال كعب: هذه واللّه رؤياي البارحة، رأيت كأنّ ابن مرّة في نواحي المدينة وأنا أضم ذلاذلي خوفا منه، فلما خرج الفرزدق خرج مروان في أثره فقال: لم ترض أن تكون قعودا حتى جعلتنا قياما في قولك:

قياما ينظرون إلى سعيدكأنهم يرون به هلالا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا رفعوا سمعت لهم عجيجا»

فقال له: يا أبا عبد الملك إنك من بينهم صافن، فحقد عليه مروان ذلك، ولم تطل الأيام حتى عزل سعيد، وولّي مروان فلم يجد على الفرزدق متقدّما حتى قال قصيدته التي قال فيها:

هما دلّتاني من ثمانين قامةكما انقضّ باز أقتم الريش كاسره
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فلم أر منزولا به بعد هجعة»
فلما استوت رجلاي في الأرض قالتاأحيّ يرجّى أم قتيل نحاذره
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فلم أر منزولا به بعد هجعة»
فقلت: ارفعا الأمراس لا يشعروا بناوأقبلت في أعقاب ليل أبادره
أبادر بوّابين لم يشعروا بناوأحمر من ساج تلوح مسامره

فقال له مروان: أتقول هذا بين أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، أخرج عن المدينة فذلك قول جرير:

تدلّيت تزني من ثمانين قامةوقصّرت عن باع الندى والمكارم
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»

أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الرياشي، عن محمد بن سلّام، قال:

دخل الفرزدق المدينة هاربا من زياد، وعليها سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس أميرا من قبل معاوية، فدخل على سعيد، ومثل بين يديه، وهو معتم، وفي مجلس سعيد الحطيئة وكعب بن جعيل التغلبي، وصاح الفرزدق: أصلح اللّه الأمير، أنا عائذ باللّه وبك، أنا رجل من تميم، ثم أحد بني دارم، أنا الفرزدق بن غالب، قال: فأطرق سعيد مليّا، فلم يجبه، فقال الفرزدق: رجل لم يصب دما حراما، ولا مالا حراما، فقال سعيد: إن كنت كذلك فقد أمنت، فأنشده:

إليك فررت منك ومن زيادولم أحسب دمي لكما حلالا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا رفعوا سمعت لهم عجيجا»
ولكنّي هجوت وقد هجانيمعاشر قد رضخت لهم سجالا
فإن يكن الهجاء أحلّ قتليفقد قلنا لشاعرهم وقالا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا رفعوا سمعت لهم عجيجا»
أرقت فلم أنم ليلا طويلاأراقب هل أرى النّسرين زالا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وكوم تنعم الأضياف عينا»
عليك بني أمية فاستجرهموخذ منهم لما تخشى حبالا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وكوم تنعم الأضياف عينا»
فإنّ بني أمية في قريشبنوا لبيوتهم عمدا طوالا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وكوم تنعم الأضياف عينا»
ترى الغرّ الجحاجح من قريشإذا ما الأمر في الحدثان غالا
قياما ينظرون إلى سعيدكأنّهم يرون به هلالا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا رفعوا سمعت لهم عجيجا»

قال: فلما قال هذا البيت، قال الحطيئة لسعيد: هذا واللّه الشعر، لا ما كنت تعلّل به منذ اليوم، فقال كعب بن جعيل: فضلته على نفسك، فلا تفضله على غيرك، قال: بلى واللّه إنه ليفضلني وغيري، يا غلام، أدركت من قبلك، وسبقت من بعدك، ولئن طال عمرك لتبرزنّ.

ثم عبث الحطيئة بالفرزدق، فقال: يا غلام، أنجدت أمّك؟ قال: لا بل أبي، أراد الحطيئة: إن كانت أمك أنجدت فقد أصبتها فولدتك إذ شابهتني في الشعر، فقال الفرزدق: لا بل أبي، فوجده لقنا.

أخبرني ابن دريد قال: قال لنا أبو حاتم: قال الأصمعي:

ومن عبثات الفرزدق أنه لقي مخنّثا فقال له: من أين راحت عمتنا؟ فقال له المخنث: نفاها الأغر بن عبد العزيز يريد قول جرير:

نفاك الأغرّ ابن عبد العزيزوحقّك تنفى من المسجد
للشاعر جرير، من قصيدة «زار الفرزدق أهل الحجاز»

أخبرنا ابن دريد عن الرياشيّ، عن النضر بن شميل قال: قال جرير: ما قال لي ابن القين بيتا إلا وقد اكتفأته، أي قلبته إلا قوله:

ليس الكرام بناحليك أباهمحتى يرد إلى عطية تعتل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن استراقك يا جرير قصائدي»

فإني لا أدري كيف أقول فيها.

وأخبرني ابن دريد قال: حدثنا السكن بن سعيد، عن محمد بن عباد، عن ابن الكلبيّ، عن عوانة بن الحكم، قال: بينما جرير واقف في المربد وقد ركبه الناس وعمر بن لجأ مواقفه فأنشده عمر جواب قوله:

يا تيم تيم عديّ لا أبالكملا يقذفنّكم في سوأة عمر
للشاعر جرير، من قصيدة «هاج الهوى وضمير الحاجة الذكر»
أحين صرت سماما يا بني لجأوخاطرت بي عن أحسابها مضر

فقال عمر جواب هذا:

لقد كذبت وشرّ القول أكذبهما خاطرت بك عن أحسابها مضر
للشاعر عمر بن لجأ التيمي، اقرأ القصيدة
ألست نزوة خوّار على أمة؟لا يسبق الحلبات اللؤم والخور

وقد كان الفرزدق رفده بهذين البيتين في هذه القصيدة، فقال جرير لما سمعها: قبحا لك يا بن لجأ، أهذا شعرك، كذبت واللّه ولو متّ، هذا شعر حنظلى، هذا شعر العزيز يعني الفرزدق فأبلس عمر فما ردّ جوابا.

وخرج غنيم بن أبي الرّقراق حتى أتى الفرزدق، فضحك، وقال: إيه يا بن أبي الرقراق، وإن عندك لخبرا، قلت: خزي أخوك ابن قتب، فحدثته، فضحك، حتى فحص برجليه، ثم قال في ساعته:

وما أنت إن قرما تميم تسامياأخا التّيم إلا كالوشيظة في العظم
فلو كنت مولى الظلم أو في ثيابهظلمت ولكن لا يدي لك بالظّلم

فلما بلغ هذان البيتان جريرا قال: ما أنصفني في شعر قط قبل هذا يعني قوله: إن قرما تميم تساميا

أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا الرياشيّ قال: كان الفرزدق مهيبا تخافه الشعراء، فمر يوما بالشمردل، وهو ينشد قصيدته حتى بلغ إلى قوله:

وما بين من لم يعط سمعا وطاعةوبين تميم غير حزّ الغلاصم

قال: واللّه لتتركنّ هذا البيت أو لتتركنّ عرضك، قال: خذه على كره مني، فهو في قصيدة الفرزدق التي أولها قوله:

تحنّ بزوراء المدينة ناقتي

قال: وكان الفرزدق يقول: خير السرقة ما لا يجب فيه القطع يعني سرقة الشعر.

أخبرنا ابن دريد عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، عن الضحاك بن بهلول الفقيميّ قال: بينما أنا بكاظمة وذو الرّمة ينشد قصيدته التي يقول فيها:

أحين أعاذت بي تميم نساءهاوجرّدت تجريد اليماني من الغمد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أتوعدني قيس ودون وعيدها»

إذا راكبان قد تدلّيا من نعف كاظمة متقنعان، فوقفا، فلما وفرغ ذو الرمة حسر الفرزدق عن وجهه، وقال: يا عبيد، اضممها إليك - يعني راويته - وهو عبيد أخو بني ربيعة ابن حنظلة، فقال ذو الرمة: نشدتك اللّه يا أبا فراس إن فعلت، قال: دع ذا عنك، فانتحلها في قصيدته وهي أربعة أبيات:

أحين أعاذت بي تميم نساءهاوجرّدت تجريد اليماني من الغمد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أتوعدني قيس ودون وعيدها»
ومدت بضبعيّ الرّباب ومالكوعمرو، وشالت من ورائي بنو سعد
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي أطلالا كحاشية البرد»
ومن آل يربوع زهاء كأنهدجى الليل محمود النّكاية والورد
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي أطلالا كحاشية البرد»
وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّهضربناه فوق الأنثيين على الكرد

أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة قال: اجتمع الفرزدق، وجرير وكثير وابن الرّقاع عند سليمان بن عبد الملك، فقال: أنشدونا من فخركم شيئا حسنا، فبدرهم الفرزدق، فقال:

وما قوم إذا العلماء عدّتعروق الأكرمين إلى التراب
بمختلفين إن فضّلتموناعليهم في القديم ولا غضاب
ولو رفع السحاب إليه قوماعلونا في السماء إلى السحاب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وما أحد إذا الأقوام عدوا»

فقال سليمان: لا تنطقوا، فو اللّه ما ترك لكم مقالا.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك قال: حدثنا محمد بن عمران الضبي، عن سليمان بن أبي سليمان الجوزجاني قال: غاب الفرزدق فكتبت النوار تشكو إليه مكية وكتب إليه أهله يشكون سوء خلقها وتبذّيها عليهم فكتب إليهم:

كتبتم عليها أنها ظلمتكمكذبتم وبيت اللّه بل تظلمونها
فإلّا تعدّوا أنها من نسائكمفإنّ ابن ليلى والد لا يشينها
وإنّ لها أعمام صدق وأخوةوشيخا إذا شاءت تنمّر دونها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «كتبتم زعمتم أنها ظلمتكم»

قال: وكان للفرزدق ثلاثة أولاد يقال لواحد منه لبطة، والآخر حبطة، والثالث، سبطة، وكان لبطة من العققة فقال له الفرزدق:

أإن أرعشت كفّا أبيك وأصبحتيداك يدي ليث فإنك جادبه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أأن أرعشت كفا أبيك وأصبحت»
إذا غالب ابن بالشباب أبا لهكبيرا فإن اللّه لا بدّ غالبه
رأيت تباشير العقوق هي التيمن ابن امرىء ما إن يزال يعاتبه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أأن أرعشت كفا أبيك وأصبحت»
ولما رآني قد كبرت وأننيأخو الحي واستغنى عن المسح شاربه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أأن أرعشت كفا أبيك وأصبحت»
أصاخ لغربان النّجيّ وإنهلأزور عن بعض المقالة جانبه

قال أبو عبيدة في «كتاب النقائض»: قال رؤبة بن العجاج: حج سليمان بن عبد الملك، وحجت معه الشعراء، فمر بالمدينة منصرفا، فأتي بأسرى من الروم نحو أربعمائة، فقعد سليمان، وعنده عبد اللّه بن حسن بن حسن - عليهم السلام - وعليه ثوبان ممصّران، وهو أقربهم منه مجلسا، فأدنوا إليه بطريقهم، وهو في جامعة، فقال لعبد اللّه بن حسن: قم، فاضرب عنقه فقام، فما أعطاه أحد سيفا، حتى دفع إليه حرسيّ سيفا كليلا، فضربه، فأبان عنقه وذراعه، وأطنّ ساعده وبعض الغلّ، فقال له سليمان: واللّه ما ضربته بسيفك ولكن بحسبك، وجعل يدفع الأسرى إلى الوجوه، فيقتلونهم، حتى دفع إلى جرير رجلا منهم، فدست إليه بنو عبس سيفا قاطعا في قراب أبيض، فضربه، فأبان رأسه، ودفع إلى الفرزدق أسير، فدست إليه القيسيّة سيفا كليلا، فضرب به الأسير ضربات، فلم يصنع شيئا، فضحك سليمان وضحك الناس معه. وقيل: إن سليمان لما دفع إليه الأسير دفع إليه سيفا، وقال: اقتله به، فقال: لا، بل أقتله بسيف مجاشع، واخترط سيفه، فضربه، فلم يغن شيئا، فقال سليمان: أما واللّه لقد بقى عليك عارها وشنارها، فقال جرير قصيدته التي يهجوه فيها، وأولها:

ألا حيّ ربع المنزل المتقادموما حلّ مذ حلّت به أمّ سالم
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»

منها:

ألم تشهد الجونين والشّعب ذا الغضىوكرّات قيس يوم دير الجماجم؟
تحرّض يا بن القين قيسا ليجعلوالقومك يوما مثل يوم الأراقم
بسيف أبي رغوان سيف مجاشعضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»
ضربت به عند الإمام فأرعشتيداك وقالوا: محدث غير صارم
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»

فقال الفرزدق يجيب جريرا عن قوله:

وهل ضربة الرّوميّ جاعلة لكمأبا عن كليب أو أبا مثل دارم
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتهاوتقطع أحيانا مناط التمائم
ولا تقتل الأسرى ولكن نفكّهمإذا أثقل الأعناق حمل المغارم

وقال يعرّض بسليمان، ويعيّره نبوّ سيف ورقاء بن زهير العبسي عن خالد بن جعفر، وبنو عبس هم أخوال سليمان:

فإن يك سيف خان أو قدر أبىبتعجيل نفس حتفها غير شاهد
فسيف بني عبس وقد ضربوا بهنبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن يك سيف خان أو قدر أبى»
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتهاوتقطع أحيانا مناط القلائد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إن يك سيف خان أو قدر أبى»

وأولها:

تباشر يربوع بنبوة ضربةضربت بها بين الطّلا والمحارد
ولو شئت قدّ السيف ما بين عنقهإلى علق بين الحجابين جامد

وقيل: إن الفرزدق قال لسليمان: يا أمير المؤمنين، هب لي هذا الأسير، فوهبه له، فأعتقه، وقال الأبيات التي منها:

ولا نقتل الأسرى ولكن نفكّهمإذا أثقل الأعناق حمل المغارم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ود جرير اللؤم لو كان عانيا»

ثم أقبل على راويته، فقال: كأني بابن المراغة، وقد بلغه خبري، فقال:

بسيف أبي رغوان سيف مجاشعضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»
ضربت به عند الإمام فأرعشتيداك وقالوا محدث غير صارم
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»

فما لبثنا إلا أياما يسيرة، حتى جاءتنا القصيدة، وفيها البيتان، فعجبنا من فطنة الفرزدق: وقال أيضا في ذلك:

أيعجب النّاس أن أضحكت خيرهمخليفة اللّه يستسقى به المطر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أيعجب الناس أن أضحكت خيرهم»
فما نبا السيف عن جبن وعن دهشعند الإمام ولكن أخّر القدر
ولو ضربت به عمدا مقلّدهلخرّ جثمانه ما فوقه شعر
وما يقدّم نفسا قبل ميتتهاجمع اليدين ولا الصّمصامة الذكر

وأخبرني عبد اللّه بن مالك قال: حدثنا محمد بن حبيب، عن أبي عبيدة، قال: هجا الفرزدق خالدا القسريّ وذكر المبارك: النهر الذي حفره بواسط، فبلغه ذلك، وكتب خالد إلى مالك بن المنذر أن احبس الفرزدق فإنه هجا نهر أمير المؤمنين بقوله:

وأهلكت مال اللّه في غير حقّهعلى نهرك المشؤوم غير المبارك

الأبيات، فأرسل مالك إلى أيوب بن عيسى الضّبيّ، فقال: ائتني بالفرزدق، فلم يزل يعمل فيه حتى أخذه، فطلب إليهم أن يمروا به على بني حنيفة، فقال الفرزدق: ما زلت أرجو أن أنجو حتى جاوزت بني حنيفة، فلما قيل لمالك: هذا الفرزدق انتفخ وريد مالك غضبا، فلما أدخل عليه قال:

أقول لنفسي حين غصّت بريقهاألا ليت شعري مالها عند مالك؟
لها عنده أن يرجع اللّه روحهاإليها وتنجو من جميع المهالك
وأنت ابن حبّاري ربيعة أدركتبك الشمس والخضراء ذات الحبائك

فسكن مالك، وأمر به إلى السجن، فقال يهجو أيوب بن عيسى الضّبّي:

فلو كنت قيسيّا إذا ما حبستنيولكنّ زنجيّا غليظا مشافره
متتّ له بالرّحم بيني وبينهفألفيته مني بعيدا أواصره
وقلت: امرؤ من آل ضبة فاعتزىلغيرهم لون استه ومحاجره
فسوف يرى النوبيّ ما اجترحت لهيداه إذا ما الشّعر عيّت نوافره
ستلقي عليك الخنفساء إذا فستعليك من الشعر الذي أنت حاذره
وتأتي ابن زبّ الخنفساء قصيدةتكون له مني عذابا يباشره
تعذرت يا بن الخنفساء ولم تكنلتقبل لابن الخنفساء معاذره
فإنكما يا بني يسار نزوتماعلى ثفرها ما حنّ للزيت عاصره
لزنجّية بظراء شققّ بظرهازحير بأيوب شديد زوافره

ثم مدح خالد بن عبد اللّه ومالك بن المنذر وهو محبوس مديحا كثيرا، فأنشدني يونس في كلمة له طويلة.

يا مال هل هو مهلكي ما لم أقلوليعلمنّ من القصائد قيلي
يا مال هل لك في كبير قد أتتتسعون فوق يديه غير قليل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إني حلفت بصارع لابن له»
فتجير ناصيتي وتفرج كربتيعني وتطلق لي يداك كبولي
ولقد بنى لكم المعلّى ذروةرفعت بناءك في أشمّ طويل
والخيل تعلم في جذيمة أنهاتردى بكل سميدع بهلول
فاسقوا فقد ملأ المعلّى حوضكمبذنوب ملتهم الرّباب سجيل

وقال يمدح مالكا وكانت أم مالك هذا بنت مالك بن مسمع:

وقرم بين أولاد المعلّىوأولاد المسامعة الكرام
تخمّط في ربيعة بين بكروعبد القيس في الحسب اللّهام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «نمتك قروم أولاد المعلى»

فلما لم تنفعه مديحة مالك، قال يمدح هشام بن عبد الملك، ويعتذر إليه:

ألكني إلى راعي البريّة والذيله العدل في الأرض العريضة نوّرا
فإن تنكروا شعري إذا خرجت لهبوادر لو يرمى بها لتفقّرا
ثبير ولو مست حراء لحرّكتبه الراسيات الصّمّ حتى تكوّرا
إذا قال غاو من معدّ قصيدةبها حرب كانت وبالا مدمّرا
أينطقها غيري وأرمى بجرمهافكيف ألوم الدّهر أن يتغيّرا
لئن صبرت نفسي لقد أمرت بهوخير عباد اللّه من كان أصبرا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألكني إلى راعي الخليفة والذي»
وكنت ابن أحذار ولو كنت خائفالكنت من العصماء في الطود أحذرا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألكني إلى راعي الخليفة والذي»
ولكن أتوني آمنا لا أخافهمنهارا وكان اللّه ما شاء قدّرا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألكني إلى راعي الخليفة والذي»

أخبرني أبو خليفة، عن محمد بن سلام قال: حدثني أبو يحيى قال: قال الفرزدق لابنه لبطة وهو محبوس اشخص إلى هشام، وأمدحه بقصيدة، وقال: استعن بالقيسية، ولا يمنعك قولي فيهم فإنهم سيغضبون لك وقال:

بكت عين محزون ففاض سجامهاوطالت ليالي ساهر لا ينامها
فإن تبك لا تبك المصيبات إذ أتىبها الدهر والأيام جمّ خصامها
ولكنما تبكي تهتّك خالدمحارم منّا لا يحل حرامها
فقل لبني مروان: ما بال ذمّةوحرمة حقّ ليس يرعى ذمامها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بكت عين محزون فطال انسجامها»
أنقتل فيكم أن قتلنا عدوّكمعلى دينكم والحرب باق قتامها
للشاعر نصر بن سيار، اقرأ القصيدة
أتاك بقتل ابن المهلّب خالدوفينا بقيّات الهدى وإمامها
فغيّر - أمير المؤمنين - فإنهايمانية حمقاء وأنت هشامها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بكت عين محزون فطال انسجامها»
أرى مضر المضرين قد ذلّ نصرهاولكن عسى أن لا يذلّ شآمها
فمن مبلغ بالشام قيسا وخندفاأحاديث ما يشفى ببرء سقامها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بكت عين محزون فطال انسجامها»
أحاديث منا نشتكيها إليهمومظلمة يغشى الوجوه قتامها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بكت عين محزون فطال انسجامها»
فإن من بها لم ينكر الضّيم منهمفيغضب منها كهلها وغلافها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بكت عين محزون فطال انسجامها»
نمت مثلها من مثلهم وتنكلّوافيعلم أهل الجور كيف انتقامها
بغلباء من جمهورنا مضريّةيزايل فيها أذرع القوم هامها
وبيض على هام الرجال كأنّهاكواكب يحولها لسار ظلامها
غضبنا لكم يا آل مروان فاغضبواعسى أنّ أرواحا يسوغ طعامها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بكت عين محزون فطال انسجامها»
ولا تقطعوا الأرحام منا فإنهاذنوب من الأعمال يخشى أثامها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بكت عين محزون فطال انسجامها»
ألم تك في الأرحام منّا ومنكمحواجز أيام عزيز مرامها
فترعى قريش من تميم قرابةونجزي بأيام عزيز مرامها
لقد علمت أبناء خندف أنناذراها وأنا عزّها وسنامها
وقد علم الأحياء من كل موطنإذا عدّت الأحياء أنا كرامها
وأنّا إذا الحرب العوان تضرّمتنليها إذا ما الحرب شبّ ضرامها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بكت عين محزون فطال انسجامها»
قوام قوى الإسلام والأمر كلّهوهل طاعة إلا تميم قوامها
تميم التي تخشى معدّ وغيرهاإذا ما أبي أن يستقيم همامها
إلى اللّه تشكو عزّنا الأرض فوقهاوتعلم أنا ثقلها وغرامها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بكت عين محزون فطال انسجامها»
شكتنا إلى اللّه العزيز فأسمعتقريبا، وأعيا من سواه كلامها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بكت عين محزون فطال انسجامها»
نصول بحول اللّه في الأمر كلّهإذا خيف من مصدوعة ما التآمها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «بكت عين محزون فطال انسجامها»

فأعانته القيسية وقالوا: كلما كان ناب من مضر أو شاعر أو سيد وثب عليه خالد.

وقال الفرزدق أبياتا كتب بها إلى سيد بن الوليد الأبرش وكلم له هشاما:

إلى الأبرش الكلبيّ أسندت حاجةتواكلها حيّا تميم ووائل
على حين أن زلت بي النعل زلّةفأخلف ظنّي كلّ حاف وناعل
فدونكها يا بن الوليد فإنهامفضّلة أصحابها في المحافل
ودونكها يا بن الوليد فقم بهافقام امرىء في قومه غير خامل

فكلم هشاما وأمر بتخليته فقال يمدح الأبرش:

لقد وثب الكلبيّ وثبة حازمإلى خير خلق اللّه نفسا وعنصرا
إلى خير أبناء الخليفة لم يجدلحاجته من دونها متأخّرا
أبى حلف كلب في تميم وعقدهاكما سنّت الآباء أن يتغيّرا

وكان هذا الحلف حلفا قديما بين تميم وكلب في الجاهلية، وذلك قول جرير بن الخطفى في الحلف:

تميم إلى كلب وكلب إليهمأحقّ وأدنى من صداء وحميرا

وقال الفرزدق:

أشدّ حبال بين حيّين مرّةحبال أمرّت من تميم ومن كلب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أوصي تميماً إن قضاعة ساقها»
وليس قضاعيّ لدينا بخائفولو أصبحت تغلي القدور من الحرب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أوصي تميماً إن قضاعة ساقها»

وقال أيضا:

ألم تر قيسا قيس عيلان شمّرتلنصري وحاطتني هناك قرومها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألم تر قيسا قيس عيلان شمرت»
فقد حالفت قيس على النأي كلّهمتميما فهم منها ومنها تميمها
وعادت عدوّي إن قيسا لأسرتيوقومي إذا ما الناس عدّ صميمها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألم تر قيسا قيس عيلان شمرت»

أخبرني ابن دريد: قال حدثني أبو حاتم، عن أبي عبيدة، قال: بينما الفرزدق جالس بالبصرة أيام زياد في سكّة ليس لها منفذ إذ مرّ به رجلان من قومه كانا في الشرطة وهما راكبان، فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن أفزّعه - وكان جبانا - فحرّكا دابّتيهما نحوه فأدبر مولّيا فعثر من طرف برده فشقه، وانقطع شسع نعله، وانصرفا عنه، وعرف أنهما هزئا منه فقال:

لقد خار إذ يجري عليّ حمارهضرار الخنا والعنبريّ بن أخوقا
وما كنت لو خوّفتماني كلاكمابأمّيكما عريانتين لأفرقا
ولكنما خوّفتماني بخادرشتيم إذا ما صادف القرن مزّقا

أخبرني عبد اللّه بن مالك، قال: حدثنا محمد بن موسى، قال: حدثنا القحذمي عن بعض ولد قتيبة بن مسلم عن ابن زالان المازنيّ، قال: حدثني الفرزدق، قال: لما طردني زياد أتيت المدينة وعليها مروان بن الحكم، فبلغه أني خرجت من دار ابن صياد، وهو رجل يزعم أهل المدينة أنه الدّجال، فليس يكلمه أحد، ولا يجالسه أحد، ولم أكن عرفت خبره، فأرسل إليّ مروان فقال: أتدري ما مثلك؟ حديث تحدث به العرب: أن ضبعا مرت بحي قوم، وقد رحلوا، فوجدت مرآة، فنظرت وجهها فيها، فلما نظرت قبح وجهها ألقتها، وقالت: من شرّ ما اطّرحك أهلك، ولكن من شر ما اطّرحك أميرك، فلا تقيمنّ بالمدينة بعد ثلاثة أيام، قال: فخرجت أريد اليمن، حتى إذا صرت بأعلى ذي قسيّ - وهو طريق اليمن من البصرة - فإذا رجل مقبل، فقلت: من أين أوضع الراكب؟ قال: من البصرة، قلت: فما الخبر وراءك؟ قال: أتانا أن زيادا مات بالكوفة، قال: فنزلت عن راحلتي، فسجدت، وقلت: لو رجعت، فمدحت عبيد اللّه بن زياد، وهجوت مروان بن الحكم، فقلت:

وقفت بأعلى ذى قسيّ مطيّتىأمثّل في مروان وابن زياد
فقلت: عبيد اللّه خيرهما لناوأدناهما من رأفة وسداد

ومضيت لوجهي، حتى وطئت بلاد بني عقيل فوردت ما بين مياههم فإذا بيت عظيم وإذا فيه امرأة سافرة لم أركحسنها وهيئتها قط، فدنوت، فقلت: أتأذنين في الظل؟ قالت: أنزل فلك الظّل والقرى، فأنخت، وجلست إليها، قال: فدعت جارية لها سوداء كالراعية، فقالت: ألطفيه شيئا واسعى إلى الرّاعي، فردّي عليّ شاة، فاذبيحها له، وأخرجت إليّ تمرا وزبدا، قال: وحادثتها فو اللّه ما رأيت مثلها قطّ، ما أنشدتها شعرا إلا أنشدتني أحسن منه، قال: فأعجبني المجلس والحديث إذ أقبل رجل بين بردين، فلما رأته رمت ببرقعها على وجهها، وجلس وأقبلت عليه بوجهها وحديثها، فدخلني من ذلك غيظ، فقلت للحين: هل لك في الصراع؟ فقال: سوأة لك، إنّ الرجل لا يصارع ضيفه، قال: فألححت عليه، فقالت له: ما عليك لو لا عبت ابن عمك؟ فقام، وقمت، فلما رمى ببرده، إذا خلق عجيب، فقلت: هكلت وربّ الكعبة، فقبض على يدي، ثم اختلجني إليه، فصرت في صدره، ثم حملني، قال: فو اللّه ما اتّقيت الأرض إلا بظهر كبدي وجلس على صدري، فما ملكت نفسي أن ضرطت ضرطة منكرة، قال: وثرت إلى جملي فقال: أنشدك اللّه، فقالت المرأة: عافاك اللّه الظلّ والقرى، فقلت: أخزى اللّه ظلّكم وقراكم، ومضيت، فبينا أسير إذ لحقني الفتى على نجيب يجنب بختيّا برحله وزمامه، وكان رحله من أحسن الرحال، فقال: يا هذا، واللّه ما سرني ما كان، وقد أراك أبدعت أي كلّت ركابك، فخذ هذا النجيب، وإيّاك أن تخدع عنه، فقد واللّه أعطيت به مائتي دينار قلت: نعم آخذه، ولكن أخبرني من أنت؟

ومن هذه المرأة؟ قال: أنا توبة بن الحميّر، وتلك ليلى الأخيليّة، وقد أخبرني بهذا الخبر عمي.

قال: حدثني القاسم بن محمد الأنباريّ، قال: حدثني أحمد بن عبيد، عن الأصمعيّ، قال: كانت امرأة من عقيل يقال لها ليلى، يتحدث إليها الشباب، فدخل الفرزدق إليها، فجعل يحادثها، وأقبل فتى من قومها، كانت تألفه، ودخل إليها فأقبلت عليه بحديثها، وتركت الفرزدق، فغاظه ذلك، فقال للرّجل: أتصارعني؟ قال: ذلك إليك، فقام إليه الرجل فلم يلبث أن أخذ الفرزدق مثل الكرة فصرعه، وجلس على صدره، فضرط الفرزدق، فوثب عنه الرجل خجلا، وقال له الرجل: يا أبا فراس، هذا مقام العائذ بك، واللّه ما أردت بك ما جرى، فقال: ويحك، ما بي أن صرعتني، ولكن كأني بابن الأتان جرير، وقد بلغه خبري هذا، فقال يهجوني:

جلست إلى ليلى لتحظى بقربهافخانك دبر لا يزال يخون
فلو كنت ذا حزم شددت وكاءهاكما شدّ خرتا للدّلاص قيون

قالوا: فو اللّه ما مضت أيام حتى بلغ جريرا الخبر، فقال فيه هذين البيتين.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، قال: حدثني محمد بن موسى، قال: حدثني القحذميّ، قال: حدثني بعض أصحابنا، عن عبد اللّه بن زالان التميميّ راوية الفرزدق، أن الفرزدق قال: أصابنا بالبصرة مطر جود ليلا، فإذا أنا بأثر دوابّ قد خرجت ناحية البرّية، فظننت قوما قد خرجوا لنزهة، فقلت: خليق أن تكون معهم سفرة وشراب.

فقصصت أثرهم، حتى وقفت إلى بغال عليها رحائل موقوفة على غدير، فأغذذت السير نحو الغدير، فإذا نسوة مستنقعات في الماء، فقلت: لم أر كاليوم قط، ولا يوم دارة جلجل، وانصرفت مستحييا منهن، فنادينني: باللّه يا صاحب البغلة، ارجع نسألك عن شيء، فانصرفت إليهن، وهن في الماء إلى حلوقهن، فقلن: باللّه إلا ما خبرتنا بحديث دارة جلجل، فقلت: إن امرأ القيس كان عاشقا لابنة عم له يقال لها عنيزة، فطلبها زمانا، فلم يصل إليها، وكان في طلب غرّة من أهلها؛ ليزورها، فلم يقض له، حتى كان يوم الغدير، وهو يوم دارة جلجل، وذلك أن الحي احتملوا، فتقدم الرجال، وتخلف النساء والخدم والثّقل، فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلف بعد ما سار مع قومه غلوة، فكمن في غيابة من الأرض، حتى مر به النساء فإذا فتيات، وفيهن عنيزة، فلما وردن الغدير قلن: لو نزلنا فذهب عنا بعض الكلال، فنزلن إليه، ونحيّن العبيد عنهن، ثم تجردن فاغتمسن في الغدير، كهيئتكن الساعة، فأتاهن امرؤ القيس محتالا كنحو ما أتيتكن، وهن غوافل، فأخذ ثيابهن، فجمعها - ورمى الفرزدق بنفسه عن بغلته فأخذ بعض أثوابهن، فجمعها، ووضعها على صدره - وقال لهن كما أقول لكن: واللّه لا أعطي جارية منكن ثوبها، ولو أقامت في الغدير يومها، حتى تخرج مجردة، قال الفرزدق: فقالت إحداهن، وكانت أمجنهن: ذلك كان عاشقا لابنة عمه، أفعاشق أنت لبعضنا؟ قال: لا واللّه، ما أعشق منكن واحدة، ولكن أشتهيكن، قال: فنعرن، وصفّقن بأيديهن، وقلن: خذ في حديثك، فلست منصرفا إلا بما تحب، قال الفرزدق في حديث امرىء القيس: فتأبين ذلك عليه حتى تعالى النهار، ثم خشين أن يقصّرن دون المنزل الذي أردنه، فخرجت إحداهن، فوضع لها ثوبها ناحيه! فأخذته فلبسته، ثم تتابعن على ذلك حتى بقيت عنيزة، فناشدته اللّه أن يطرح إليها ثوبها، فقال: دعينا منك؛ فأنا حرام إن أخذت ثوبك إلا بيدك، فخرجت فنظر إليها مقبلة ومدبرة، فوضع لها ثوبها، فأخذته، وأقبلن عليه يلمنه، ويعذلنه، ويقلن: عرّيتنا، وحبستنا، وجوّعتنا، قال: فإن نحرت لكنّ مطيتي أتأكلن منها؟ قلن: نعم، فاخترط سيفه، فعقرها، ونحرها، وكشطها، وصاح بالخدم، فجمعوا له حطبا، فأجّج نارا عظيمة، ثم جعل يقطّع لهنّ من سنامها وأطايبها وكبدها، فيلقيها على الجمر، فيأكلن، ويأكل معهن، ويشرب من ركوة كانت معه ويغنيهن، وينبذ إلى العبيد والخدم من الكباب، حتى شبعن، وطربن، فلما أراد الرّحيل قالت إحداهن: أنا أحمل طنفسته، وقالت الأخرى: أنا أحمل رحله، وقالت الأخرى: أنا أحمل حشيّته وأنساعه، فتقسّمن متاع راحلته بينهن، وبقيت عنيزة لم يحمّلها شيئا، فقال لها امرؤ القيس: يا بنة الكرام، لا بد لك أن تحمليني معك؛ فإني لا أطيق المشي، وليس من عادتي، فحملته على غارب بعيرها، فكان يدخل رأسه في خدرها، فيقبّلها، فإذا امتنعت مال حدجها، فتقول: يا مرأ القيس، عقرت بعيري، فانزل، فذلك قوله:

تقول وقد مال الغبيط بنا معا:عقرت بعيري يا مرأ القيس فانزل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل ( معلقة )»

فلما فرغ الفرزدق من الحديث قالت تلك الماجنة: قاتلك اللّه، ما أحسن حديثك يا فتى وأظرفك، فمن أنت؟

قال: قلت: من مضر، قالت: ومن أيها؟ فقلت: من تميم، قالت: ومن أيها؟ قلت: إلى ههنا انتهى الكلام، قالت: إخالك واللّه الفرزدق قلت: الفرزدق شاعر وأنا راوية، قالت: دعنا من توريتك على نسبك، أسألك باللّه، أنت هو؟ قال: أنا هو واللّه، قالت: فإن كنت أنت هو فلا أحسبك مفارقا ثيابنا إلا عن رضا، قلت: أجل، قالت: فاصرف وجهك عنا ساعة وهمست إلى صويحباتها بشيء لم أفهمه، فغططن في الماء، فتوارين، وأبدين رؤوسهن، وخرجن، ومع كل واحدة منهن ملء كفيها طينا، وجعلن يتعادين نحوي، فضربن بذلك الطين والحمأة وجهي، وملأن عيني وثيابي، فوقعت على وجهي، فصرت مشغولا بعيني وما فيها، وشددن على ثيابهن، فأخذنها، وركبت الماجنة بغلتي، وتركتني منبطحا بأسوأ حال وأخزاها وهي تقول: زعم الفتى أنه لا بد أن ينيكنا، فما زلت من ذلك المكان حتى غسلت وجهي وثيابي، وجففتها، وانصرفت عند مجيء الظلام إلى منزلي على قدمي، وبغلتي قد وجهن بها إلى منزلي مع رسول لهن، وقلن: قل له تقول لك أخواتك: طلبت منّا ما لم يمكننا، وقد وجهنا إليك بزوجتك، فنكها سائر ليلتك وهذا كسر درهم لحمّامك إذا أصبحت، فكان إذا حدث بهذا الحديث يقول: ما منيت بمثلهن.

أخبرني عبد اللّه بن مالك، قال: حدثنا أبو مسلم الحرّانيّ، قال: حدثني الأصمعيّ، قال: حدثنا العلاء بن أسلم، قال: لما مات زياد رثاه مسكين الدّراميّ، فقال الفرزدق:

أمسكين أبكى اللّه عينيك إنماجرى في ضلال دمعها إذ تحدّرا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أمسكين أبكى الله عينيك إنما»
بكيت امرأ من آل ميسان كافراككسرى على عدّانه أو كقيصرا
أقول له لمّا أتاني نعيّهبه لا بطبي بالصّريمة أعفرا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أمسكين أبكى الله عينيك إنما»

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، عن أبي مسلم الحرّاني، قال: حدثنا الأصمعي، قال: حدثنا العلاء بن أسلم، قال: لما أراد المهلب الخروج إلى الأزارقة لقي الفرزدق جريرا، فقال له: يا أبا فراس، هل لك أن تكلم المهلب، حتى يضع عني البحث، وأعطيك ألف درهم، فكلم المهلب، فأجابه فلامه جذيع، رجل من عشيرته، وشكا ذلك إلى خيرة امرأة المهلب وقال لها: لا يزال الآن الرجل يجيء فيسأل في عشيرته وصديقه، فلامته خيرة بنت ضمرة القشيرية، فقال المهلب. إنما اشتريت عرضي منه، فبلغ ذلك الفرزدق، فقال يهجو جذيعا.

إن تبن دارك يا جذيع فما بنىلك يا جذيع أبوك من بنيان
وأبوك ملتزم السفينة عاقدخصييه فوق بنائق التّبّان
ويظلّ يدفع باسته متقاعسافي البحر معتمدا على السّكان
لا تحسبنّ دارهما جمّعتهاتمحو مخازيك التي بعمان

وقال يهجو خيرة.

ألا قشر الإله بني قشيركقشر عصا المنقّح من معال
أرى رهطا لخيرة لم يؤوبوابسهم في اليمين ولا الشمال
إذا رهزت رأيت بني قشيرمن الخيلاء منتفشي السّبال

فغضب بنو المهلب لما هجا جذيعا وخيرة، فنالوا منه، فهجاهم، فقال:

وكائن للمهلّب من نسيبيرى بلبانة أثر الزّيار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وجدنا الأزد من بصل وثوم»
بخارك لم يقد فرسا ولكنيقود السّاج بالمسد المغار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وجدنا الأزد من بصل وثوم»
عميّ بالتّنائف حين يضحيدليل الّليل في اللجج الغمار
وما للّه يسجد إذ يصلّيولكن يسجدون لكل نار

فلما وليّ يزيد بن المهلب خراسان والعراق بعد أبيه - ولّاه سليمان بن عبد الملك - خاف الفرزدق من بني المهلّب، فقال يمدحهم:

فلأمدحنّ بني المهلّب مدحةغرّاء قاهرة على الأشعار
مثل النجوم أمامها قمراؤهاتجلو العمى وتضيء ليل السّاري
ورثوا الطّعان عن المهلّب والقرىوخلائقا كتدفّق الأنهار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لأمدحن بني المهلب مدحة»
كان المهلّب للعراق وقايةوحيا الرّبيع ومعقل الفرّار
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهمخضع الرّقاب نواكس الأبصار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم»
ما زال مذ شدّ الإزار بكفهودنا فأدرك خمسة الأشبار
أيزيد إنك للمهلب أدركتكفّاك خير خلائق الأخيار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم»

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، قال: حدثنا محمد بن حبيب، قال: حدثني الأصمعي، قال: لما قدم يزيد بن المهلب واسطا قال لأمية بن الجعد - وكان صديق الفرزدق -: إنّي لأحب أن تأتيني بالفرزدق، فقال للفرزدق: ماذا فاتك من يزيد أعظم الناس عفوا، وأسخى الناس كفّا، قال: صدقت، ولكن أخشى أن آتيه فأجد العمانيّة ببابه فيقوم إليّ رجل منهم فيقول: هذا الفرزدق الذي هجانا، فيضرب عنقي، فيبعث إليه يزيد، فيضرب عنقه، ويبعث إلى أهلي ديتي، فإذا يزيد قد صار أوفى العرب، وإذا الفرزدق فيما بين ذلك قد ذهب، قال: لا واللّه لا أفعل، فأخبر يزيد بما قال، فقال: أمّا إذ قد وقع هذا بنفسه فدعه لعنه اللّه.

قال ابن حبيب: وحدثنا يعقوب بن محمد الزهريّ عن أبيه عن جده قال: دخل الفرزدق مع فتيان من آل المهلب في بركة يتبرّدون فيها، ومعهم ابن أبي علقمة الماجن، فجعل يتفلّت إلى الفرزدق، فيقول: دعوني أنكحه، حتى لا يهجونا أبدا، وكان الفرزدق من أجبن الناس، فجعل يستغيث، ويقول: ويلكم! لا يمسّ جلده جلدي، فيبلغ ذلك جريرا، فيوجب عليّ أنه قد كان منه الذي يقول، فلم يزل يناشدهم حتى كفوه عنه.

أخبرني عبيد اللّه قال: حدثني محمد بن حبيب قال: حدثني موسى بن طلحة قال: لمّا ولي خالد بن عبد اللّه العراق، فقدمها وكان من أشد خلق اللّه عصبيّة على نزار فقال لبطة بن الفرزدق: فلبس أبي من صالح ثيابه؛ وخرج يريد السلام عليه، فقلت له: يا أبت، إن هذا الرجل يمانيّ، وفيه من العصبية ما قد علمت، فلو دخلت إليه فأنشدته مدائحك أهل اليمن لعل اللّه أن يأتيك منه بخير، فإنك قد كبرت على الرحلة، فجعل لا يردّ عليّ شيئا؛ حتى دفعنا إلى البواب؛ فأذن له؛ فدخل؛ وسلم؛ فاستجلسه؛ ثم قال: إيه يا أبا فراس، أنشدنا مما أحدثت، فأنشدته:

يختلف الناس ما لم نجتمع لهمولا خلاف إذا ما أجمعت مضر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يختلف الناس ما لم نجتمع لهم»
فينا الكواهل والأعناق تقدمهافيها الرؤوس وفيها السّمع والبصر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يختلف الناس ما لم نجتمع لهم»
ولا نحالف غير اللّه من أحدإلا السيوف إذا ما اغرورق النظر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يختلف الناس ما لم نجتمع لهم»
ومن يمل يمل المأثور قلّتهبحيث يلقى حفافي رأسه الشعر
أما الملوك فإنا لا نلين لهمحتى يلين لضرس الماضغ الحجر
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يختلف الناس ما لم نجتمع لهم»

ثم قام، فخرجنا، قلت: أهكذا أوصيتك؟ قال: اسكت، لا أمّ لك فما كنت قطّ أملأ لقلبه مني الساعة.

أخبرني عبد اللّه: قال حدثني محمد بن حبيب، عن موسى بن طلحة قال: كان الفرزدق في حلقة في المسجد الجامع، وفيها المنذر بن الجارود العبديّ، فقال المنذر: من الذي يقول:

وجدنا في كتاب بني تميمأحقّ الخيل بالركض المعار
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «ألا بان الخليط ولم يزاروا»

فقال الفرزدق: يا أبا الحكم هو الذي يقول:

أشارب قهوة وخدين زيروعبديّ لفسوته بخار
وجدنا الخيل في أبناء بكروأفضل خيلهم خشب وقار

قال: فخجل المنذر، حتى ما قدر على الكلام.

أخبرني عبد اللّه بن مالك: قال: حدثني محمد بن موسى قال: حدثنا الأصمعيّ قال: دخل الفرزدق على بعض خلفاء بني مروان ففاخره قوم من الشعراء فأنشأ يقول:

ما حملت ناقة من معشر رجلامثلى إذا الريح لفّتني على الكور
أعزّ قوما وأوفى عند مكرمةلمعظم من دماء القوم مهجور

فقال له: إيه، فقال:

إلّا قريشا فإنّ اللّه فضّلهاعلى البريّة بالإسلام والخير
تلقى وجوه بني مروان تحسبهاعند اللقاء مشوفات الدّنانير

ففضّله عليهم، ووصله.

قال ابن حبيب: وكان الفرزدق يهاجي الأشهب بن رميلة النهشليّ وبني فقيم، فأرفث بهم، فاستعدوا عليه زيادا، فحدثني جابر بن جندل: قال: فأتى عيسى بن حصيلة بن مغيث بن نصر بن خالد السّلمي ثم من بني بهز، فقال: يا أبا حصيلة، إن هذا الرجل قد أخافني؛ وقد لفظني جميع من كنت أرجو، قال: فمرحبا بك يا أبا فراس، فكان عنده ليالي، ثم قال: إني أريد أن ألحق بالشام، قال: إن أقمت ففي الرّحب والسّعة، وإن شخصت فهذه ناقة أرحبيّة أمتّعك بها، وألف درهم، فركب الناقة، وخرج من عنده ليلا، فأرسل عيسى معه من أجازه من البيوت؛ فأصبح وقد جاوز مسيرة ثلاث، فقال يمدحه:

كفاني بها البهزيّ حملان من أبىمن الناس، والجاني تخاف جرائمه
فتى الجود عيسى والمكارم والعلاإذا المال لم ينفع بخيلا كرائمه
ومن كان يا عيسى يؤنّب ضيفهفضيفك يا عيسى هنيء مطاعمه
وقال: تعلّم أنها أرحبيّةوأنّ لك الليل الذي أنت جاشمه
فأصبحت والملقى ورائي وحنبلوما صدرت حتى علا النجم عاتمه
تزاور في آل الحقيق كأنهاظليم تبارى جنح ليل نعائمه
رأت دون عينيها ثويّة فانجلىلها الصبح عن صعل أسيل مخاطمه

وقال:

تداركني أسباب عيسى من الرّدىومن يك مولاه فليس بواحد
نمته النواصي من سليم إلى العلاوأعراق صدق بين نصر وخالد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «حباني بها البهزي نفسي فدائه»
سأثني بما أوليتني وأربّهإذا القوم عدّوا فضلهم في المشاهد

فلما بلغ زيادا شخوصه أتبعه عليّ بن زهدم الفقيميّ: أحد بني مؤلة فلم يلحقه فقال الفرزدق:

فإنك لو لا قيتني يا بن زهدملأبت شعاعيّا على غير تمثال

فأتى بكر بن وائل، فجاورهم، فأمن، فقال:

وقد مثلت أين المسير فلم تجدلعوذتها كالحيّ بكر بن وائل
وسارت إلى الأجفان خمسا فأصبحتمكان الثريا من يد المتناول
وما ضرها إذ جاورت في بلادهابني الحصن ما كان اختلاف القبائل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تبغت جوارا في معد فلم تجد»

الحصن بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.

وهرب الفرزدق من زياد، فأتى سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، وهو على المدينة لمعاوية بن أبي سفيان، فأمنه سعيد، فبلغ الفرزدق أن زيادا قال: لو أتاني أمّنته، وأعطيته، فقال في كلمة له:

دعاني زياد للعطاء ولم أكنلآتيه ما ساق ذو حسب وقرا
وعند زياد لو أراد عطاءهمرجال كثير قد يرى بهم فقرا
قعود لدى الأبواب طلّاب حاجةعوان من الحاجات أو حاجة بكرا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تذكر هذا القلب من شوقه ذكرا»
فلما خشيت أن يكون عطاؤهأداهم سودا أو محدرجة سمرا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تذكر هذا القلب من شوقه ذكرا»
نميت إلى حرف أضرّ بنيّهاسرى الليل واستعراضها البلد القفرا

فلما اطمأن عند سعيد بن العاصي بالمدينة قال:

ألا من مبلغ عنّي زيادامغلغلة يخبّ بها البريد
بأنّ قد فررت إلى سعيدولا يسطاع ما يحمي سعيد
فررت إليه من ليث هزبرتفادى عن فريسته الأسود
فإن شئت انتميت إلى النصارىوناسبني وناسبت اليهود
وإن شئت انتسبت إلى فقيموناسبني وناسبت القرود
وأبغضهم إليّ بنو فقيمولكن سوف آتي ما تريد

فأقام الفرزدق بالمدينة؛ فكان يدخل بها على القيان. فقال:

إذا شئت غنّاني من العاج قاصفعلى معصم ريّان لم يتخدّد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا شئت غناني من العاج قاصف»
لبيضاء من أهل المدينة لم تعشببؤس ولم تتبع حمولة مجحد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا شئت غناني من العاج قاصف»
وقامت تخشّيني زيادا وأجفلتحواليّ في بردي يمان ومجسد
فقلت: دعيني من زياد فإنّنيأرى الموت وقّاعا على كل مرصد

فلما هلك زياد رثاه مسكين بن عامر بن شريح بن عمرو بن عدي بن عدس بن عبد اللّه بن دارم، فقال:

رأيت زيادة الإسلام ولّتجهارا حين فارقها زياد

فبلغ ذلك الفرزدق، فقال:

أمسكين أبكى اللّه عينيك إنّماجرى في ضلال دمعها فتحدّرا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أمسكين أبكى الله عينيك إنما»
أتبكي امرأ من آل ميسان كافراككسرى على عدّاته أو كقيصرا
أقول له لما أتاني نعيّه:به لا بظبي بالصّريمة أعفرا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أمسكين أبكى الله عينيك إنما»

فقال مسكين:

ألا أيها المرء الذي لست قائماولا قاعدا في القوم إلّا انبرى ليا
فجئني بعمّ مثل عمّي أو أبكمثل أبي أو خال صدق كخاليا
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «أَلا أَيها المرء الذي لست قاعداً»
بعمرو بن عمرو أوزارة ذي الندىسموت به حتى فرعت الرّوابيا

فأمسك الفرزدق عنه، وكان يقول: نجوت من أن يهجوني مسكين، فإن أجبته ذهبت بشطر فخري، وإن أمسكت عنه كانت وصمة على مدى الدهر.

أخبرني أبو خليفة، فقال: أخبرنا ابن سلام، قال: حدثني الحكم بن محمد المازني، قال: كان تميم بن زيد القضاعي، ثمّ أحد بني القين بن جسر غزا الهند في جيش، فجمّرهم؛ وفي جيشه رجل يقال له حبيش، فلما طالت غيبته على أمه اشتاقته، فسألت عمن يكلم لها تميم بن زيد أن يقفل ابنها، فقيل لها: عليك بالفرزدق، فاستجيري بقبر أبيه، فأتت قبر غالب بكاظمة، حتى علم الفرزدق مكانها.

ثمّ أتته، وطلبت إليه حاجتها، فكتب إلى تميم بن زيد هذه الأبيات:

هب لي حبيشا واتخذ فيه منّةلغصّة أمّ ما يسوغ شرابها
أتتني فعادت يا تميم بغالبوبالحفرة السافي عليها ترابها
تميم بن زيد لا تكوننّ حاجتيبظهر فلا يخفى عليّ جوابها

فلما أتاه كتابه لم يدر ما اسمه حبيش أو حنيش، فأخرج «ديوانه»، وأقفل كل حبيش وحنيش في جيشه، وهم عدّة، وأنفذهم إلى الفرزدق.

قال أبو خليفة: قال ابن سلّام، وحدّثني أبو يحيى الضبي، قال: ضرب مكاتب لبنى منقر بساطا على قبر غالب أبي الفرزدق؛ فقدم الناس على الفرزدق، فأخبروه بمكانه عند قبر أبيه.

ثم قدم عليه فقال:

بقبر ابن ليلى غالب عذت بعد ماخشيت الرّدى أو أن أردّ على قسر
فأخبرني قبر ابن ليلى فقال لي:فكاكك أن تأتي الفرزدق بالمصر

فقال الفرزدق: صدق أبي؛ أنخ؛ ثمّ طاف له في النّاس؛ حتى جمع له مكاتبته وفضلا.

وكان نفيع ذو الأهدام: أحد بني جعفر بن كلاب يتعصب لجرير بمدحه قيسا؛ فهجاه الفرزدق، فاستجارت أمه بقبر غالب؛ وعاذت من هجاء الفرزدق؛ فقال:

ونبّئت ذا الأهدام يعوى ودونهمن الشّام زرّاعاتها وقصورها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فرب ربيع بالبلاليق قد رعت»
على حين لم أترك على الأرض حيّةولا نابحا إلا استقرّ عقورها
كلاب نبحن الحيّ من كل جانبفعاد عواء بعد نبح هريرها
عجوز تصلي الخمس عاذت بغالبفلا والذي عاذت به لا أضيرها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «مكان ابنها إذ هاجني بعوائه»
لئن نافع لم يرع أرحام أمّهوكانت كدلو لا يزال يعيرها
لبئس دم المولود بلّ ثيابهاعشيّة نادى بالغلام بشيرها
وإنّي على إشفاقها من مخافتيوإن عقّها بي نافع لمجيرها
ولو أنّ أمّ الناس حوّاء جاورتتميم بن مرّ لم تجد من يجيرها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولم تك تخشى جعفر أن يصيبها»

وهذا البيت يروى لغيره في غير هذه القصيدة.

أخبرني عبد اللّه بن مالك، قال: حدثنا محمد بن حبيب، قال: حدثنا أحمد بن حاتم المعروف بابن نصر، عن الأصمعيّ، قال: كان عبد اللّه بن عطية راوية الفرزدق وجرير، قال: فدعاني الفرزدق يوما، فقال: إني قلت بيت شعر والنّوار طالق إن نقضه ابن المراغة، قلت: ما هو؟ قال: قلت:

فإني أنا الموت الذي هو نازلبنفسك فانظر كيف أنت تحاوله

ارحل إليه بالبيت، قال: فرحلت إلى اليمامة، قال: ولقيت جريرا بفناء بيته يعبث بالرمل، فقلت: إن الفرزدق قال بيتا، وحلف بطلاق النوار أنك لا تنقضه، قال: هيه، أظنّ واللّه ذلك؟ ما هو؟ ويلك، فأنشدته إياه، فجعل يتمرغ في الرمل، ويحثوه على رأسه وصدره، حتى كادت الشمس تغرب، ثم قال: أنا أبو حزرة، طلقت امرأة الفاسق، وقال:

أنا الدهر يفني الموت والدهر خالدفجئني بمثل الدهر شيئا يطاوله
للشاعر جرير، من قصيدة «ألم تر أن الجهل أقصر باطله»

ارحل إلى الفاسق، قال: فقدمت على الفرزدق، فأنشدته إياه، وأعلمته بما قال، فقال: أقسمت عليك لما سترت هذا الحديث.

أخبرني عبد اللّه، قال: أخبرني محمد بن حبيب، قال: حدثنا الأصمعي وأبو عبيدة، قال: دخل الفرزدق على بلال بن أبي بردة وعنده ناس من اليمامة، فضحكوا فقال: يا أبا فراس أتدري ممّ ضحكوا؟ قال: لا، قال: من جفائك، قال: أصلح اللّه الأمير، حججت، فإذا أنا برجل منهم على عاتقه الأيمن صبي، وعلى عاتقه الأيسر صبي؛ وإذا امرأة آخذه بمئزره؛ وهو يقول:

أنت وهبت زائدا ومزيداوكهلة أولج فيها الأجردا

والمرأة تقول من خلفه: إذا شئت، فسألت: ممن هو؟ فقيل: من الأشعريين، أفأنا أجفى أم ذلك؟ فقال بلال: لا حيّاك اللّه، قد علمت أنهم لن يفلتوا منك.

أخبرني عبد اللّه بن مالك، قال: حدثني محمد بن حبيب، قال: حدثنا موسى بن طلحة، عن أبي زيد الأنصاريّ، قال: ركب الفرزدق بغلته، فمر بنسوة؛ فلما حاذاهنّ لم تتمالك البغلة أن ضرطت، فضحكن منه، فالتفت إليهنّ، فقال: لا تضحكن، فما حملتني أنثى إلا ضرطت، فقالت له إحداهن: ما حملتك أنثى أكثر من أمك، فأراها قاست منك ضراطا كثيرا، فحرك بغلته، وهرب منهن، وبهذا الإسناد قال:

أتى الفرزدق الحسن البصري؛ فقال: إني قد هجوت إبليس، فقال: كيف تهجوه وعن لسانه تنطق؟.

وبهذا الإسناد قال حمزة بن بيض للفرزدق: يا أبا فراس، أسألك عن مسألة، قال: سل عما أحببت، قال: أيما أحبّ إليك؟ أتسبق الخير أم يسبقك؟ قال: إن سبقني فاتني، وإن سبقته فتّه، ولكن نكون معا، لا يسبقني، ولا أسبقه، ولكن أسألك عن مسألة. قال ابن بيض: سل، قال: أيما أحبّ إليك؟ أن تنصرف إلى منزلك، فتجد امرأتك قابضة على أير رجل، أم تراه قابضا على هنها، قال: فتحير، وكان قد نهي عنه، فلم يقبل.

أخبرني عبد اللّه قال: حدثني محمد بن عمران الضبي، قال: حدثني الأصمعي، قال: اجتمع الفرزدق وجرير عند بشر بن مروان فرجا أن يصلح بينهما حتى يتكافّا، فقال لهما: ويحكما! قد بلغتما من السن ما قد بلغتما، وقربت آجالكما؛ فلو اصطلحتما ووهب كلّ واحد منكما لصاحبه ذنبه، فقال جرير: أصلح اللّه الأمير، إنه يظلمني، ويتعدى عليّ، فقال الفرزدق: أصلح اللّه الأمير إني وجدت آبائي يظلمون آباءه. فسلكت طريقهم في ظلمه، فقال بشر: عليكما لعنة اللّه، لا تصطلحان واللّه أبدا.

وأخبرني عبد اللّه بن مالك، قال: حدثنا محمد بن عمران الضبيّ، قال: حدثنا الأصمعيّ: قال الفرزدق: ما أعياني جواب أحد ما أعياني جواب دهقان مرة قال لي: أنت الفرزدق الشاعر؟ قلت: نعم؛ قال: أفأموت إن هجوتني؟ قلت: لا، قال: أفتموت عيشونة ابنتي؟ قلت: لا، قال: فرجلي إلى عنقي في حر أمّك، قال: قلت: ويلك! لم تركت رأسك؟ قال: حتى أنظر أي شيء تصنع؟.

أخبرني عبد اللّه، قال: حدثنا محمد بن حبيب عن الأصمعي، قال: مرّ الفرزدق بمأجل فيه ماء، فأشرع بغلته فيه، فقال له مجنون بالبصرة: يقال له حربيش: نحّ بغلتك، جذ اللّه رجليك، قال: ولم؟ ويلك، قال: لأنك كذوب الحنجرة، زاني الكمرة، فقال الفرزدق لبغلته: عدس ومضى، وكره أن يسمع قوله الناس.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، عن ابن حبيب، عن سعدان بن المبارك، قال: قيل للفرزدق: ما اختيارك في شعرك للقصار؟ قال: لأني رأيتها أثبت في الصدور، وفي المحافل أجول؛ قال: وقيل للحطيئة: ما بال قصارك أكثر من طوالك؟ قال: لأنها في الآذان أولج، وفي أفواه الناس أعلق.

أخبرني عبد اللّه بن حبيب، عن سعدان بن المبارك، قال: قيل لعقيل بن علّفة: مالك تقصّر في هجائك؟ قال: حسبك من القلادة ما أحاط بالرقبة.

أخبرني عبد اللّه، عن محمد بن علي بن سعيد الترمذي، عن أحمد بن حاتم: أبي نصر، قال: قال الجهم بن سويد بن المنذر الجرمي للفرزدق: أما وجدت أمّك اسما لك إلا الفرزدق الذي تكسره النساء في سويقها؟ قال: والعرب تسمى خبز الفتوت الفرزدق فأقبل الفرزدق على قوم معه في المجلس. فقال: ما اسمه؟ فلم يخبروه باسمه، فقال: واللّه لئن لم تخبروني لأهجونكم كلكم، قال: الجهم بن سويد بن المنذر، فقال الفرزدق: أحقّ الناس ألا يتكلّم في هذا أنت؛ لأن اسمك اسم متاع المرأة، واسم أبيك اسم الحمار واسم جدك اسم الكلب.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، عن الزبير عن عمه عن بعض القرويين، قال: قدم علينا الفرزدق، فقلنا له: قدم علينا جرير، فأنشدنا قصيدة يمدح بها هؤلاء القوم، ومضى يريدهم، فقال: أنشدونيها، فأنشدناه قصيدة كثيّر التي يقول فيها.

وما زالت رقاك تسلّ ضغنيوتخرج من مكامنها ضبابي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «فَلَوْلا الله ثُمَّ نَدَى ابنِ لَيْلَى»
ويرقيني لك الحاوون حتىأجابك حية تحت الحجاب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «فَلَوْلا الله ثُمَّ نَدَى ابنِ لَيْلَى»

قال: فجعل وجهه يتغير، وعندنا كانون، ونحن في الشتاء، فلما رأينا ما به قلنا: هوّن عليك يا أبا فراس، فإنما هي لابن أبي جمعة، فانثنى سريعا ليسجد، فأصاب ناحية الكانون وجهه فأدماه.

أخبرني عبد اللّه بن مالك، عن محمد بن موسى، قال: أخبرني القحذميّ، قال: لقي الفرزدق الحسين بن علي عليهما السلام متوجها إلى الكوفة خارجا من مكة في اليوم السادس من ذي الحجة فقال له الحسين - صلوات اللّه عليه وآله -: ما وراءك؟ قال: يا بن رسول اللّه، أنفس الناس معك، وأيديهم عليك؛ قال: ويحك، معي وقر بعير من كتبهم يدعونني، ويناشدونني اللّه، قال: فلما قتل الحسين - صلوات اللّه عليه - قال الفرزدق: انظروا فإن غضبت العرب لابن سيّدها وخيرها فاعلموا أنه سيدوم عزّها، وتبقى هيبتها، وإن صبرت عليه، ولم تتغير لم يزدها اللّه إلا ذلّا إلى آخر الدهر، وأنشد في ذلك:

فإن أنتم لم تثأروا لابن خيركمفألقوا السلاح واغزلوا بالمغازل

أخبرنا عبد اللّه بن مالك: قال: أخبرني أبو مسلم؛ قال: حدثني الأصمعي، قال: أنشد الراعي الفرزدق أربع قصائد، فقال له الفرزدق: أعيدها عليك، لقد أتى علي زمان، ولو سمعت ببيت شعر وأنا أهوي في بئر ما ذهب عني.

أخبرني عبد اللّه بن مالك قال حدثني أبو مسلم الحرانيّ عن الأصمعيّ، قال: تغدّى الفرزدق عند صديق له. ثم انصرف فمر ببني أسد، فحدثهم ساعة ثم استسقى ماء، فقال فتى منهم: أو لبنا، فقال: لبنا، فقام إلى عسّ، فصب فيه رطلا من خمر، ثم حلب، وناوله إياه، فلما كرع فيه انتفخت أوداجه، واحمر وجهه ثم رد العسّ، وقال: جزاك اللّه خيرا، فإني ما علمتك تحب أن تحفي صديقك، وتخفي معروفك ثم مضى.

وأخبرنا عبد اللّه بن مالك، عن محمد بن موسى، عن القحذميّ، قال: كان الفرزدق أراد امرأة شريفة على نفسها، فامتنعت عليه، وتهددها بالهجاء والفضيحة، فاستغاثت بالنّوار امرأته، وقصّت عليها القصة، فقالت لها: واعديه ليلة، ثم أعلميني، ففعلت، وجاءت النوار، فدخلت الحجلة مع المرأة، فلما دخل الفرزدق البيت أمرت الجارية، فأطفأت السراج، وغادرت المرأة الحجلة، واتبعها الفرزدق، فصار إلى الحجلة، وقد انسلّت المرأة خلف الحجلة، وبقيت النوار فيها، فوقع بالنّوار وهو لا يشك أنها صاحبته، فلما فرغ قالت له: يا عدو اللّه، يا فاسق، فعرف نغمتها، وأنه خدع، فقال لها: وأنت هي يا سبحان اللّه! ما أطيبك حراما، وأردأك حلالا.

أخبرني عبد اللّه بن مالك. قال: حدثني محمد بن موسى، قال: حدثني القحذمي قال: استعمل الحجاج الخيار بن سبرة المجاشعي على عمان، فكتب إليه الفرزدق يستهديه جارية فكتب إليه الخيار:

كتبت إليّ تستهدي الجواريلقد أنعظت من بلد بعيد

فأجابه الفرزدق:

ألا قال الخيار وكان جهلاقد استهدى الفرزدق من بعيد
فلو لا أن أمك كان عمّيأباها كنت أخرس بالنشيد
وأنّ أبي لعمّ أبيك لحّاوأنك حين أغضب من أسودي
إذا لشددت شدّة أعوجيّيدقّ شكيم مجدول الحديد

أخبرنا عبد اللّه بن مالك عن الأصمعي قال: سمع الفرزدق رجلا يقرأ: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ

غفور رحيم فقال: لا ينبغي أن يكون هذا هكذا، قال: فقيل له: إنما هو عَزِيزٌ حَكِيمٌ

قال: هكذا ينبغي أن يكون.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، قال: حدثنا أبو مسلم، قال: حدثنا الأصمعي: قال: مرّ أسماء بن خارجة الفزاريّ على الفرزدق، وهو يهنأ بعيرا له بنفسه، فقال له أسماء: يا فرزدق كسد شعرك، واطرحتك الملوك، فصرت إلى مهنة إبلك، فقد أمرت لك بمائة بعير، فقال الفرزدق فيه يمدحه:

إنّ السّماح الذي في الناس كلهمقد حازه اللّه للمفضال أسماء
يعطي الجزيل بلا منّ يكدّرهعفوا ويتبع آلاء بنعماء
ما ضرّ قوما إذا أمسى يجاورهمألّا يكونوا ذوي إبل ولا شاء

أخبرني عبد اللّه بن مالك عن محمد بن موسى بن طلحة، قال: قال أبو عبيدة: دخل الفرزدق على بلال بن أبي بردة، فأنشده قصيدته المشهورة فيهم التي يقول فيها:

فإن أبا موسى خليل محمدوكفّاه يمنى للهدى وشمالها

فقال ابن أبي بردة: هلكت واللّه يا أبا فراس، فارتاع الشيخ، وقال: كيف ذاك؟ قال ذهب شعرك، أين مثل شعرك في سعيد، وفي العباس بن الوليد، وسمّى قوما فقال: جئني بحسب مثل أحسابهم، حتى أقول فيك كقولي فيهم، فغضب بلال حتى درّت أوداجه ودعي له بطست فيه ماء بارد، فوضع يده فيها، حتى سكن، فكلمه فيه جلساؤه وقالوا: قد كفاك الشيخ نفسه وقلّ ما يبقى حتى يموت، فلم يحل عليه الحول حتى مات.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، عن محمد بن موسى، عن سعيد بن همام اليماميّ، قال: شرب الفرزدق شرابا باليمامة وهو يريد العراق، فقال لصاحب له: إنّ الغلمة قد آذتني فأكسبني بغيّا، قال: من أين أصيب لك ها هنا بغيا؟ قال: فلا بد لك من أن تحتال، قال: فمضى الرجل إلى القرية، وترك الفرزدق ناحية؛ فقال: هل من امرأة تقبّل، فإن معي امرأتي وقد أخذها الطّلق فبعثوا معه امرأة، فأدخلها الفرزدق، وقد غطّاه، فلما دنت منه واثبها. ثمّ ارتحل مبادرا، وقال: كأني بابن الخبيثة يعني جريرا لو قد بلغه الخبر قد قال:

وكنت إذا حللت بدار قومرحلت بخزية وتركت عارا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي الديار بسعد إني»

قال: فبلغ جريرا الخبر، فهجاه بهذا الشعر.

وأخبرنا عبد اللّه بن مالك، عن محمد بن موسى، قال: قال أبو نهشل: حدثنا بعض أصحابنا: قال: وقف الفرزدق على الشمردل، وهو ينشد قصيدة له، فمر هذا البيت في بعض قوله:

وما بين من لم يعط سمعا وطاعةوبين جرير غير حزّ الحلاقم

فقال الفرزدق: يا شمردل، لتتركن هذا البيت لي أو لتتركن عرضك؛ قال: خذه، لا بارك اللّه لك فيه فهو في قصيدته التي ذكر فيها قتيبة بن مسلم، وهي التي أولها قوله:

تحنّ إلى زورا اليمامة ناقتيحنين عجول تبتغي البوّرائم

أخبرنا عبد اللّه بن مالك قال: حدثنا محمد بن حبيب، عن الأصمعيّ، قال: جاءت امرأة إلى قبر غالب أبي الفرزدق؛ فضربت عليه فسطاطا. فأتاها فسألها عن أمرها. فقالت: إني عائذة بقبر غالب من أمر نزل بي، قال لها: وما هو، قد ضمنت خلاصك منه، قالت: إن ابنا لي أغزى إلى السّند مع تميم بن زيد؛ وهو واحدي قال: انصرفي، فعليّ انصرافه إليك إن شاء اللّه، قال: وكتب من وقته إلى تميم بقوله:

تميم بن زيد لا تكوننّ حاجتيبظهر فلا يخفى عليّ جوابها
وهب لي حبيشا واتّخذ قيه منّةلحرمة أمّ ما يسوغ شرابها
أتتني فعاذت يا تميم بغالبوبالحفرة السّافي عليها ترابها

قال: فعرض تميم جميع من معه من الجند، فلم يدع أحدا اسمه حبيش، ولا حنيش إلا وصله، وأذن له في الانصراف إلى أهله.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، قال: أخبرنا محمد بن حبيب، عن الأصمعي، قال: مرّ الفرزدق بصديق له، فقال له: ما تشتهي يا أبا فراس؟ قال: أشتهي شواء رشراشا، ونبيذا سعيرا، وغناء يفتق السمع.

الرشراش: الرّطب، والسّعير: الكثير.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك. قال: حدثنا محمد بن حبيب: قال: حدثني السعديّ، عن أبي مالك الزيدي.

قال: أتينا الفرزدق لنسمع منه شيئا، فجلسنا ببابه ننتظر، إذ خرج علينا في ملحفة. فقال لنا: يا أعداء اللّه، ما اجتماعكم ببابي؟ واللّه لو أردت أن أزني ما قدرت.

أخبرني عبد اللّه بن مالك، قال: حدثنا أبو مسلم، قال حدثنا الأصمعي عن هشام بن القاسم، قال: قال الفرزدق: قد علم الناس أني فحل الشعراء، وربما أتت عليّ الساعة لقلع ضرس من أضراسي أهون عليّ من قول بيت شعر.

حدثنا عبد اللّه بن مالك عن أبي مسلم، عن الأصمعي، قال: كان الفرزدق وأبو شقفل راويته في المسجد؛ فدخلت امرأة، فسألت عن مسألة، وتوسّمت؛ فرأت هيئة أبي شقفل، فسألته عن مسألتها، فقال الفرزدق:

أبو شقفل شيخ عن الحق جائربباب الهدى والرّشد غير بصير

فقالت المرأة: سبحان اللّه؟ أتقول هذا لمثل هذا الشيخ؟ فقال أبو شقفل: دعيه فهو أعلم بي.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، قال: حدثنا محمد بن موسى، قال: حدثنا المدائنيّ، قال: خرج الفرزدق حاجا، فمر بالمدينة، فأتى سكينة بنت الحسين صلوات اللّه عليه وآله، فقالت: يا فرزدق. من أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: كذبت؛ أشعر منك الذي يقول:

بنفسي من تجنبه عزيزعليّ ومن زيارته لمام
للشاعر جرير، من قصيدة «متى كان الخيام بذي طلوح»
ومن أمسي وأصبح لا أراهويطرقني إذا هجع النيام
للشاعر جرير، من قصيدة «متى كان الخيام بذي طلوح»

فقال: واللّه لو أذنت لي لأسمعتك أحسن منه. فقالت: أقيموه: فأخرج. ثم عاد إليها في اليوم الثاني. فقالت له: يا فرزدق. من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: كذبت: أشعر منك الذي يقول:

لو لا الحياء لها جني استعبارولزرت قبرك والحبيب يزار
لا يلبث القرفاء أن يتفرّقواليل يكرّ عليهم ونهار
كانت إذا هجر الضجيع فراشهاكتم الحديث وعفّت الأسرار

قال: أفأسمعك أحسن منه؟ قالت: اخرج.

ثم عاد إليها في اليوم الثالث وعلى رأسها جارية كأنها ظبية، فاشتد عجبه بها. فقالت: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: كذبت. أشعر منك الذي يقول:

إنّ العيون التي في طرفها مرضقتلننا ثم لم يحيين قتلانا
للشاعر خلفان بن مصبح، من قصيدة «هذا الربيع بنور الحسن وافانا»
يصرعن ذا اللّبّ حتى لا حراك لهوهنّ أضعف خلق اللّه أركانا
للشاعر حمدون بن الحاج السلمي، اقرأ القصيدة

ثم قالت: قم فاخرج. فقال لها: يا بنت رسول اللّه، إن لي عليك لحقّا. إذ كنت إنما جئت مسلّما عليك، فكان من تكذيبك إيّاي وصنيعك بي حين أردت أن أسمعك شيئا من شعري ما ضاق به صدري. والمنايا تغدو وتروح، ولا أدري، لعلي لا أفارق المدينة حتى أموت. فإن متّ فمري من يدفنني في حر هذه الجارية التي على رأسك، فضحكت سكينة، حتى كادت تخرج من ثيابها، وأمرت له بالجارية، وقالت: أحسن صحبتها؛ فقد آثرتك بها على نفسي، قال: فخرج وهو آخذ بريطتها.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، قال: حدثنا محمد بن موسى، قال: حدثنا المدائني قال: وقد الحتات عمّ الفرزدق على معاوية، فخرجت جوائزهم، فانصرفوا، ومرض الحتات، فأقام عند معاوية حتى مات، فأمر معاوية بماله، فأدخل بيت المال، فخرج الفرزدق إلى معاوية، وهو غلام، فلما أذن للناس دخل بين السماطين، ومثل بين يدي معاوية، فقال:

أبوك وعمّي يا معاوي ورّثاتراثا فيحتاز التّراث أقاربه
فما بال ميراث الحتات أكلتهوميراث حرب جامد لي ذائبه؟
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أبوك وعمي يا معاوي أورثا»
فلو كان هذا الأمر في جاهليّةعلمت من المولى القليل حلائبه
ولو كان هذا الأمر في ملك غيركملأدّاه لي أو غصّ بالماء شاربه

فقال له معاوية: من أنت؟ قال: أنا الفرزدق قال: ادفعوا إليه ميراث عمه الحتات، وكان ألف دينار، فدفع إليه.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، عن أبي حمزة الأنصاري، قال: أخبرنا أبو زيد، قال: قال أبو عبيدة.

انصرف الفرزدق من عند بعض الأمراء في غداة باردة، وأمر بجزور، فنحرت ثمّ قسّمت، فأغفل امرأة من بني فقيم، نسيها، فرجزت به، فقالت:

فيشلة هدلاء ذات شقشقمشرفة اليافوخ والمحوّق
مدمجة ذات حفاف أخلقنيطت بحقوي قطم عشنّق
أولجتها في سبّة الفرزدق

قال أبو عبيدة: فبلغني أنه هرب منها، فدخل في بيت حمّاد بن الهيثم، ثمّ إن الفرزدق قال فيها بعد ذلك:

قتلت قتيلا لم ير الناس مثلهأقلّبه ذا تؤمتين مسوّرا
حملت عليه حملتين بطعنةفغادرته فوق الحشايا مكوّرا
ترى جرحه من بعد ما قد طعنتهيفوح كمثل المسك خالط عنبرا
وما هو يوم الزحف بارز قرنهولا هو ولّى يوم لاقى فأدبرا
بني دارم ما تأمرون بشاعربرود الثّنايا ما يزال مزعفرا
إذا ما هو استلقى رأيت جهازهكمقطع عنق الناب أسود أحمرا
وكيف أهاجي شاعرا رمحه استهأعدّ ليوم الروع درعا ومجمرا

فقالت المرأة: ألا لا أرى الرجال يذكرون منّي هذا، وعاهدت اللّه ألا تقول شعرا.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك بن مسلم، عن الأصمعيّ قال: مرّ الفرزدق يوما في الأزد، فوثب عليه ابن أبي علقمة لينكحه، وأعانه على ذلك سفهاؤهم، فجاءت مشايخ الأزد وأولو النّهى منهم، فصاحوا بابن أبي علقمة وبأولئك السفهاء، فقال لهم ابن أبي علقمة: ويلكم! أطيعوني اليوم، واعصوني الدهر؛ هذا شاعر مضر ولسانها، قد شتم أعراضكم، وهجا ساداتكم، واللّه لا تنالون من مضر مثلها أبدا، فحالوا بينه وبينه، فكان الفرزدق يقول بعد ذلك: قاتله اللّه. إي واللّه، لقد كان أشار عليهم بالرأي.

أخبرني عبد اللّه بن مالك، قال: حدثنا محمد بن حبيب، قال: قال الكلبي: قال إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص. وأخبرنا بهذا الخبر محمد بن العباس اليزيديّ والأخفش جميعا، عن السكريّ، عن ابن حبيب، عن أبي عبيدة والكلبيّ: قال: وأخبرنا به إبراهيم بن سعدان، عن أبيه، عن أبي عبيدة، قالوا جميعا: قدم الفرزدق المدينة في إمارة أبان بن عثمان، فأتى الفرزدق وكثّير عزة، فبينا هما يتناشدان الأشعار إذ طلع عليهما غلام شخت رقيق الأدمة، في ثوبين ممصرين، فقصد نحونا، فلم يسلم، وقال: أيكم الفرزدق؟

فقلت مخافة أن يكون من قريش: أهكذا تقول لسيد العرب وشاعرها؟ فقال: لو كان كذلك لم أقل هذا، فقال له الفرزدق: من أنت لا أمّ لك، قال: رجل من الأنصار، ثم من بني النجار، ثم أنا ابن أبي بكر بن حزم، بلغني أنك تزعم أنك أشعر العرب، وتزعمه مضر، وقد قال شاعرنا حسان بن ثابت شعرا، فأردت أن أعرضه عليك، وأؤجلك سنة، فإن قلت مثله فأنت أشعر العرب، كما قيل، وإلا فأنت منتحل كذّاب، ثم أنشده:

ألم تسأل الرّبع الجديد التكلّما

حتى بلغ إلى قوله:

وأبقى لنا مرّ الحروب ورزؤهاسيوفا وأدراعا وجمّا عرمرما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»
متى ما تردنا من معدّ عصابةوغسان نمنع حوضنا أن يهدّما
لنا حاضر فعم وباد كأنهشماريخ رضوى عزة وتكرّما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»
أبى فعلنا المعروف أن ننطق الخناوقائلنا بالعرف إلا تكلّما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»
بكل فتى عاري الأشاجع لاحهقراع الكماة يرشح المسك والدّما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»
ولدنا بني العنقاء وابني محرّقفأكرم بذا خالا وأكرم بذا ابنما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»
يسوّد ذا المال القليل إذا بدتمروءته فينا وإن كان معدما
وإنا لنقري الضيف إن جاء طارقامن الشحم ما أمسى صحيحا مسلّما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحىوأسيافنا يقطرن من نجدة دما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»

فأنشده القصيدة، وهي نيّف وثلاثون بيتا، وقال له: قد أجّلتك في جوابها حولا، فانصرف الفرزدق مغضبا، يسحب رداءه، وما يدري أيّة طرقه حتى خرج من المسجد، فأقبل على كثير، فقال له: قاتل اللّه الأنصار ما أفصح لهجتهم، وأوضح حجّتهم، وأجود شعرهم، فلم نزل في حديث الأنصار والفرزدق بقية يومنا، حتى إذا كان من الغد خرجت من منزلي إلى المسجد الذي كنت فيه بالأمس، فأتى كثيّر، فجلس معي، وإنّا لنتذاكر الفرزدق، ونقول: ليت شعري ما صنع؟ إذ طلع علينا في حلّة أفواف، قد أرخى غديرته، حتى جلس في مجلسه بالأمس، ثم قال: ما فعل الأنصاري؟ فنلنا منه، وشتمناه، فقال: قاتله اللّه: ما منيت بمثله، ولا سمعت بمثل شعره، فارقته، وأتيت منزلي، فأقبلت أصعّد وأصوّب في كل فن من الشعر، فكأني مفحم لم أقل شعرا قط، حتى إذا نادى المنادى بالفجر رحلت ناقتي، وأخذت بزمامها حتى أتيت ريّانا، وهو جبل بالمدينة، ثم ناديت بأعلى صوتي: أخاكم أخاكم، يعني شيطانه، فجاش صدري كما يجيش المرجل، فعقلت ناقتي وتوسدت ذراعها، فما عتمت حتى قلت مائة بيت من الشعر وثلاثة عشر بيتا، فبينا هو ينشد إذ طلع الأنصاري، حتى إذا انتهى إلينا سلم علينا، ثم قال: إني لم آتك لأعجلك عن الأجل الذي وقّتّه لك، ولكني أحببت ألا أراك إلا سألتك: إيش صنعت؟ فقال: اجلس، وأنشده قوله:

عزفت بأعشاش وما كنت تعزفوأنكرت من حدراء ما كنت تعرف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «عزفت بأعشاش وما كدت تعزف»
ولجّ بك الهجران حتى كأنماترى الموت في البيت الذي كنت تألف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «عزفت بأعشاش وما كدت تعزف»

في رواية ابن حبيب: تيلف حتى بلغ إلى قوله:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفناوإن نحن أو مأنا إلى النّاس وقّفوا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ومنا الذي لا ينطق الناس عنده»

وأنشدها الفرزدق، حتى بلغ إلى آخرها، فقام الأنصاري كئيبا، فلما توارى طلع أبوه أبو بكر بن خزم في مشيخة من الأنصار، فسلموا عليه، وقالوا: يا أبا فراس، قد عرفت حالنا ومكاننا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد بلغنا أن سفيها من سفهائنا ربما تعرض لك، فنسألك بحق اللّه وحق رسوله لما حفظت فينا وصية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ووهبتنا له، ولم تفضحنا.

قال محمد بن إبراهيم: فأقبلت عليه أكلمه، فلما أكثرنا عليه، قال: اذهبوا، فقد وهبتكم لهذا القرشي.

قال سليمان بن عبد الملك للفرزدق: أنشدني أجود شعر عملته، فأنشده:

عزفت بأعشاش وما كدت تعزف

فقال: زدني: فأنشده:

ثلاث واثنتان فتلك خمسوواحدة تميل إلى الشّمام
فبتن بجانبيّ مصرّعاتوبتّ أفضّ أغلاق الختام

فقال له سليمان: ما أراك إلا قد أحللت نفسك للعقوبة، أقررت بالزنى عندي، وأنا إمام، ولا تريد مني إقامة الحد عليك، فقال: إن أخذت فيّ بقول اللّه عزّ وجلّ لم تفعل. قال: وما قال؟. قال: قال اللّه تبارك وتعالى: وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ

، فضحك سليمان وقال: تلافيتها ودرأت عنك الحدّ وخلع عليه وأجازه.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، قال: حدثنا محمد بن حبيب، عن الأصمعي، قال: قدم الفرزدق الشام وبها جرير بن الخطفي، فقال له جرير: ما ظننتك تقدم بلدا أنا فيه، فقال له الفرزدق: إني طالما أخلفت ظن العاجز.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك قال: حدثنا محمد بن موسى بن طلحة: قال: قال أبو مخنف:

كان الفرزدق لعنة، أي يتلعّن به كأنه لعنة على قوم، وكان جرير شهابا من شهب النار.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، قال: حدثنا الأزديّ: قال: حدثنا عمرو بن أبي عمرو عن أبيه، قال: قال أبو عمرو ابن العلاء: مر الفرزدق بمحمد بن وكيع بن أبي سود، وهو على ناقة فقال له: غدّني، قال: ما يحضرني غداء، قال: فاسقني سويقا، قال: ما هو عندي، قال: فاسقني نبيذا، قال: أو صاحب نبيذ عهدتني، قال: فما يحضرني غداء، قال: فاسقني سويقا، قال: ما هو عندي، قال: فاسقني نبيذا، قال: أو صاحب نبيذ عهدتني، قال: فما يقعدك في الظل؟

قال: فما أصنع؟ قال أطل وجهك بدبس، ثم تحوّل إلى الشمس، واقعد فيها، حتى يشبه لونك لون أبيك الذي تزعمه، قال أبو عمرو: فما زال ولد محمد يسبّون بذلك من قول الفرزدق انتهى.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، عن ابن حبيب، عن موسى بن طلحة، عن أبي عبيدة، عن أبي العلاء: قال: أخبرني هاشم بن القاسم العنزي أنه قال: جمعني والفرزدق مجلس، فتجاهلت عليه، فقلت له: من أنت؟ قال: أما تعرفني؟ قلت: لا، قال: فأنا أبو فراس، قلت: ومن أبو فراس، قال: أنا الفرزدق، قلت: ومن الفرزدق؟ قال: أو ما تعرف الفرزدق؟ قلت: أعرف الفرزدق أنه شيء يتّخذه النساء عندنا، يتّسمّنّ به وهو الفتوت، فضحك وقال: الحمد للّه الذي جعلني في بطون نسائكم.

أخبرني عبد اللّه بن مالك، عن محمد بن حبيب، عن النضر بن حديد، قال: مر الفرزدق بماء لبني كليب مجتازا، فأخذوه، وكان جبانا، فقالوا: واللّه لتلقينّ منا ما تكره، أو لتنكحنّ هذه الأتان، وأتوه بأتان، فقال: ويلكم! اتقوا اللّه، فإنه شيء ما فعلته قط، فقالوا: إنه لا ينجيك واللّه إلا الفعل قال: أمّا إذا أبيتم فأتوني بالصخرة التي يقوم عليها عطية، فضحكوا، وقالوا: اذهب لأصحبك اللّه.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، عن محمد بن موسى، عن العتبي قال: دخل الفرزدق على قوم يشربون عند رجل بالبصرة، وفي صدر مجلسهم فتى أسود، وعلى رأسه إكليل؛ فلم يحفل بالفرزدق، ولم يحف به تهاونا، فغضب الفرزدق من ذلك وقال:

جلوسك في صدر الفراش مذلّةورأسك في الإكليل إحدى الكبائر
وما نطفت كأس ولا لذّ طعمهاضربت على حافاتها بالمشافر

أخبرني عبد اللّه بن مالك عن محمد بن موسى، عن العتبي قال: لما مات وكيع بن أبي سود أقبل الفرزدق حين أخرج، وعليه قميص أسود، وقد شقه إلى سرته وهو يقول:

فمات ولم يوتر وما من قبيلةمن الناس إلا قد أباءت على وتر
وإنّ الذي لاقى وكيعا ونالهتناول صدّيق النبيّ أبا بكر

قال: فعلق الناس الشعر، فجعلوا ينشدونه، حتى دفن، وتركوا الاستغفار له.

أخبرنا عبد اللّه بن علي بن الحسن الهاشمي، عن حيان بن علي العنزي، عن مجالد، عن الشعبي قال: حج الفرزدق بعد ما كبر، وقد أتت له سبعون سنة، وكان هشام بن عبد الملك قد حج في ذلك العام فرأى عليّ بن الحسين في غمار الناس في الطواف، فقال: من هذا الشاب الذي تبرق أسرة وجهه كأنه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى الحي وجوهها؟ فقالوا: هذا عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليهم، فقال الفرزدق:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأتهوالبيت يعرفه والحلّ والحرم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»
هذا ابن خير عباد اللّه كلّهمهذا التقيّ النقيّ الطاهر العلم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهلهبجدّه أنبياء اللّه قد ختموا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»
وليس قولك: من هذا بضائرهالعرب تعرف من أنكرت والعجم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»
إذا رأته قريش قال قائلها:إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»
يغضي حياء ويغضي من مهابتهفما يكلّم إلا حين يبتسم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»
بكفّه خيزران ريحها عبقمن كفّ أروع في عرنينه شمم
يكاد يمسكه عرفان راحتهركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»
اللّه شرّفه قدما وعظمّهجرى بذاك له في لوحه القلم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»
أيّ الخلائق ليست في رقابهملأوّليّة هذا أوله نعم؟
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أي الخلائق ليست في رقابهم»
من يشكر اللّه يشكر أوّليّة ذافالدّين من بيت هذا ناله الأمم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أي الخلائق ليست في رقابهم»
ينمي إلى ذروة الدين التي قصرتعنها الأكفّ وعن إدراكها القدم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أي الخلائق ليست في رقابهم»
من جدّه دان فضل الأنبياء لهوفضل أمّته دانت له الأمم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أي الخلائق ليست في رقابهم»
مشتقّة من رسول اللّه نبعتهطابت مغارسه والخيم والشّيم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»
ينشقّ ثوب الدجى عن نور غرّتهكالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أي الخلائق ليست في رقابهم»
من معشر حبّهم دين، وبغضهمكفر وقربهم منجى ومعتصم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أي الخلائق ليست في رقابهم»
مقدّم بعد ذكر اللّه ذكرهمفي كلّ بدء ومختوم به الكلم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أي الخلائق ليست في رقابهم»
إن عدّ أهل التّقى كانوا أئمتهمأو قيل من خير أهل الأرض قيل: هم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يا سائلي أين حلّ الجود و الكرم»
لا يستطيع جواد كنه جودهمولا يدانيهم قوم وإن كرموا
يستدفع الشّرّ والبلوى بحبّهمويستربّ به الإحسان والنّعم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أي الخلائق ليست في رقابهم»
يقلّب رأسا لم يكن رأس سيّدوعينا له حولاء باد عيوبها

فبلغ شعره هشاما، فوجّه، فأطلقه.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، عن محمد بن موسى، عن الهيثم بن عديّ، قال: أخبرنا أبو روح الراسبيّ، قال: لما ولي خالد بن عبد اللّه العراق ولّى مالك بن المنذر شرطة البصرة، فقال الفرزدق:

يبغّض فينا شرطة المصر أننيرأيت عليها مالكا عقب الكلب

قال، فقال مالك: عليّ به، فمضوا به إليه، فقال:

أقول لنفسي إذ تغصّ بريقهاألا ليت شعري ما لها عند مالك؟

قال: فسمع قوله حائك يطلع من طرازه، فقال:

لها عنده أن يرجع اللّه ريقهاإليها وتنجو من عظيم المهالك

فقال الفرزدق هذا أشعر الناس، وليعودنّ مجنونا، يصيح الصبيان في أثره فقال: فرأوه بعد ذلك مجنونا يصيح الصبيان في أثره.

أخبرنا عبد اللّه بن مالك قال: حدثنا محمد بن علي بن سعيد، قال حدثنا القحذميّ: قال: فلما أتوا مالك بن المنذر بالفرزدق قال: هيه عقب الكلب، قال: ليس هذا هكذا قلت، وإنما قلت:

ألم ترني ناديت بالصوت مالكاليسمع لما غصّ من ريقه الفم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «حلفت برب الجاريات إذا جرت»
أعوذ بقبر فيه أكفان منذرفهن لأيدي المستجيرين محرم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «حلفت برب الجاريات إذا جرت»

قال: قد عذت بمعاذ، وخلّى سبيله.

أخبرنا عبد اللّه قال: حدثني محمد بن موسى، قال: كتب خالد القسريّ إلى مالك بن المنذر يأمره بطلب الفرزدق، ويذكر أنه بلغه أنه هجاه، وهجا نهره المبارك، وهو النهر الذي بواسط الذي كان خالد حفره، فاشتد مالك في طلبه حتى ظفر به في البراجم فأخذه وحبسه ومرّوا به على بني مجاشع، فقال: يا قوم، اشهدوا أنه لا خاتم بيدي، وذلك أنه أخذ عمر بن يزيد بن أسيد، ثم أمر به فلويت عنقه، ثم أخرجوه ليلا إلى السجن، فجعل رأسه يتقلب، والأعوان يقولون له: قوّم رأسك، فلما أتوا به السّجّان قال: لا أتسلمه منكم ميتا، فأخذوا المفاتيح منه، وأدخلوه الحبس، وأصبح ميتا، فسمّعوا أنه مصّ خاتمه وكان فيه سم، فمات، وتكلم الناس في أمره، فدخل لبطة بن الفرزدق على أبيه، فقال: يا بني، هل كان من خبر؟ قال: نعم، عمر بن يزيد مصّ خاتمه في الحبس، وكان فيه سم، فمات، فقال الفرزدق: واللّه يا بني لئن لم تلحق بواسط ليمص أبوك خاتمه، وقال في ذلك:

ألم يك قتل عبد اللّه ظلماأبا حفص من الحرم العظام
قتيل عداوة لم يجن ذنبايقطّع وهو يهتف للإمام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألم يك قتل عبد القيس ظلما»

قال: وكان عمر عارض خالدا وهو يصف لهشام طاعة أهل اليمن وحسن موالاتهم ونصيحتهم، فصفّق عمرو بن يزيد إحدى يديه على الأخرى، حتى سمع له في الإيوان دويّ، ثم قال: كذب واللّه يا أمير المؤمنين، ما أطاعت اليمانية، ولا نصحت، أليس هم أعداؤك وأصحاب يزيد بن المهلب وابن الأشعث؟ واللّه ما ينعق ناعق إلا أسرعوا الوثبة إليه، فاحذرهم يا أمير المؤمنين قال: فتبين ذلك في وجه هشام ووثب رجل من بني أمية، فقال لعمرو بن يزيد: وصل اللّه رحمك وأحسن جزاءك، فلقد شددت من أنفس قومك، وانتهزت الفرصة في وقتها، ولكن أحسب هذا الرجل سيلي العراق، وهو منكر حسود، وليس يخار لك إن ولى، فلم يرتدع عمر بقوله، وظن أنه لا يقدم عليه، فلما ولى لم تكن له همة غيره، حتى قتله، قال:

ثم إن مالكا وجّه الفرزدق إلى خالد، فلما قدم به عليه وجده قد حج، واستخلف أخاه أسد بن عبد اللّه على العراق، فحبسه أسد، ووافق عنده جريرا، فوثب يشفع له، وقال: إن رأى الأمير أن يهبه لي، فقال أسد: أتشفع له يا جرير؟ فقال: إن ذلك أذلّ له - أصلحك اللّه - وكلم أسدا ابنه المنذر، فخلّى سبيله، فقال الفرزدق في ذلك:

لا فضل إلا فضل أمّ على ابنهاكفضل أبي الأشبال عند الفرزدق
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لا فضل إلا فضل أم على ابنها»
تداركني من هوّة دون قعرهاثمانون باعا للطّوال العشنّق

وقال جرير يذكر شفاعته له:

وهل لك في عان وليس بشاكرفتطلق عنه عضّ مسّ الحدائد
يعود وكان الخبث منه سجيةوإن قال: إني منته غير عائد
للشاعر جرير، من قصيدة «لعل فراق الحي للبين عامدي»

: أخبرني عبيد اللّه، عن محمد بن موسى، عن القحذمي، قال:

وآب الوفد وفد بني فقيمبأخبث ما تئوب به الوفود
أتونا بالقرود معادليهافصار الجدّ للجدّ السعيد

وقال يهجو زيد بن مسعود الفقيمي والأشهب بن رميلة بأبيات، منها قوله:

تمنّى ابن مسعود لقائي سفاهةلقد قال مينا يوم ذاك ومنكرا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تمنى ابن مسعود لقائي سفاهة»
غناء قليل عن فقيم ونهشلمقام هجين ساعة ثم أدبرا

يعني الأشهب بن رميلة، وكان الأشهب خطب إلى بني فقيم، فردوه، وقالوا له: اهج الفرزدق حتى نزوّجك، فرجز به الأشهب، فقال:

يا عجبا هل يركب القين الفرسوعرق القين على الخيل نجس؟
للشاعر الأشهب بن رميلة، اقرأ القصيدة
وإنما سلاحه إذا جلسالكلبتان والعلاة والقبس

فلما بلغ الفرزدق قوله هجاه، فأرفث له، وألح الفرزدق على النهشليين بالهجاء، فشكوه إلى زياد، وكان يزيد بن مسعود ذا منزلة عند زياد، فطلبه زياد، فهرب، فأتى بكر بن وائل، فأجاروه، فقال الفرزدق يمدحهم بأبيات:

إني وإن كانت تميم عمارتيوكنت إلى القرموس منها القماقم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إني وإن كانت تميم عمارتي»
لمثن على أبناء بكر بن وائلثناء يوافي ركبهم في المواسم
همو يوم ذي قار أناخوا فجالدوابرأس به تدمى رؤوس الصّلادم

وهرب، حتى أتى سعيد بن العاص، فأقام بالمدينة يشرب، ويدخل إلى القيان، وقال:

إذا شئت غنّاني من العاج قاصفعلى معصم ريّان لم يتخدّد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا شئت غناني من العاج قاصف»
لبيضاء من أهل المدينة لم تعشببؤس ولم تتبع حمولة مجحد
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا شئت غناني من العاج قاصف»
وقامت تخشّيني زيادا وأجفلتحواليّ في برد يمان ومجسد
فقلت: دعيني من زياد فإننيأرى الموت وقّافا على كلّ مرصد

قبلغ شعره مروان، فدعاه، وتوعده، وأجّله ثلاثا، وقال: اخرج عني، فأنشأ يقول الفرزدق:

دعانا ثم أجلنا ثلاثاكما وعدت لمهلكها ثمود

قال مروان: قولوا له عني: إني أجبته، فقلت:

قل للفرزدق والسّفاهة كاسمهاإن كنت تارك ما أمرتك فاجلس
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة
ودع المدينة إنها محظورةوالحق بمكة أو ببيت المقدس

قال: وعزم على الشخوص إلى مكة، فكتب له مروان إلى بعض عماله، ما بين مكة والمدينة بمائتي دينار، فارتاب بكتاب مروان، فجاء به إليه وقال:

مروان إنّ مطيتي معقولةترجو الحباء وربّها لم ييأس
آتيتني بصحيفة مختومةيخشى عليّ بها حباء النّقرس
ألق الصحيفة يا فرزدق لا تكننكراء مثل صحيفة المتلمّس

قال: ورمى بها إلى مروان، فضحك، وقال: ويحك! إنك أميّ، لا تقرأ، فاذهب بها إلى من يقرؤها، ثم ردّها، حتى أختمها، فذهب بها، فلما قرئت إذا فيها جائزة، قال: فردّها إلى مروان، فختمها، وأمر له الحسين بن عليّ عليهما السلام بمائتي دينار، قال: ولما بلغ جريرا أنه أخرج عن المدينة قال:

إذا حلّ المدينة فارجموهولا تدنوه من جدث الرسول
فما يحمى عليه شراب حدّولا ورهاء غائبة الحليل

فأجابه الفرزدق، فقال:

نعتّ لنا من الورهاء نعتاقعدت به لأمّك بالسبيل
فلا تبغي إذا ما غاب عنهاعطية غير نعتك من حليل

أخبرنا عبد اللّه بن مالك، قال: حدثني محمد بن موسى، قال: حدثنا أبو عكرمة الضبّيّ عن أبي حاتم السجستاني، عن محمد بن عبد اللّه الأنصاري، قال أبو عكرمة: وحكي لنا عن لبطة بن الفرزدق أن أباه أصابته ذات الجنب، فكانت سبب وفاته.

قال: ووصف له أن يشرب النّفط الأبيض، فجعلناه له في قدح، وسقينان إياه، فقال: يا بني عجّلت لأبيك شراب أهل النار، فقلت له: يا أبت، قل: لا إله إلا اللّه، فجعلت أكررها عليه مرارا، فنظر إليّ وجعل يقول:

فظلّت تعالى باليفاع كأنهارماح نحاها وجهه الرّيح راكز

فكان ذا هجّيراه حتى مات.

أخبرني أبو خليفة، عن محمد بن سلّام، قال: حدثني شعيب بن صخر، قال: دخل بلال بن أبي بردة على الفرزدق في مرضه الذي مات فيه، وهو يقول:

أروني من يقوم لكم مقاميإذا ما الأمر جلّ عن الخطاب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أروني من يقوم لكم مقامي»

البيتين، فقال بلال: إلى اللّه، إلى اللّه.

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، عن الأصمعيّ، قال: كان الفرزدق قد دبّر عبيدا له، وأوصى بعتقهم بعد موته، ويدفع شيء من ماله إليهم، فلما احتضر جمع سائر أهل بيته، وأنشأ يقول:

أروني من يقوم لكم مقاميإذا ما الأمر جلّ عن الخطاب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أروني من يقوم لكم مقامي»
إلى من تفزعون إذا حثوتمبأيديكم عليّ من التّراب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أروني من يقوم لكم مقامي»

فقال له بعض عبيده - الذين أمر بعتقهم -: إلى اللّه، فأمر بيعه قبل وفاته، وأبطل وصيته فيه، واللّه أعلم.

أخبرني الحسن بن عليّ، عن بشر بن مروان، عن الحميديّ، عن سفيان، عن لبطة بن الفرزدق قال: لمّا احتضر أبو فراس قال - أي لبطة: أبغني كتابا أكتب فيه وصيتي، فأتيته بكتاب فكتب وصيّته:

أروني من يقوم لكم مقامي

البيتين، فقالت مولاة له - قد كان أوصى لها بوصية -: إلى اللّه عزّ وجلّ، فقال: يا لبطة، امحها من الوصية.

قال سفيان: نعم ما قالت وبئس ما قال أبو فراس.

وقال عوانة: قيل للفرزدق في مرضه الذي مات فيه أوص، فقال:

أوصّي تميما إن قضاعة ساقهاندى الغيث عن دار بدومة أو جدب
فإنكم الأكفاء والغيث دولةيكون بشرق من بلاد ومن غرب
إذا انتجعت كلب عليكم فوسّعوالها الدار في سهل المقامة والرّحب
فأعظم من أحلام عاد حلومهموأكثرهم عند العديد من التّرب
أشدّ حبال بعد حيّين مرّةحبال أمرّت من تميم ومن كلب

قال: وتوفي للفرزدق ابن صغير قبل وفاته بأيام، وصلّى عليه، ثم التفت إلى الناس، فقال:

وما نحن إلا مثلهم غير أنّناأقمنا قليلا بعدهم وتقدّموا

قال: فلم يلبث إلا أياما حتى مات.

وقال المدائنيّ: قال لبطة: أغمي على أبي، فبكينا، ففتح عينيه، وقال: أعليّ تبكون؟ قلنا: نعم، أفعلى ابن المراغة نبكي؟ فقال: ويحكم! أهذا موضع ذكره؟ وقال:

إذا ما دبّت الأنقاء فوقيوصاح صدّى عليّ مع الظلام
فقد شمتت أعاديكم وقالت:أدانيكم من أين لنا المحامي؟

أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب إجازة، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: حدثنا أبو العرّاف، قال: نعي الفرزدق لجرير، وهو عند المهاجر بن عبد اللّه باليمامة، فقال:

مات الفرزدق بعد ما جرّعتهليت الفرزدق كان عاش قليلا

فقال له المهاجر: بئس ما قلت، أتهجو ابن عمك بعد ما مات! ولو رثيته كان أحسن بك. فقال: واللّه إني لأعلم أنّ بقائي بعده لقليل، وأنّ نجمي لموافق لنجمه، أفلا أرثيه؟ قال: أبعد ما قيل لك: الو كنت بكيته ما نسيتك العرب.

قال أبو خليفة: قال ابن سلام: فأنشدني معاوية بن عمرو، قال: أنشدني عمارة بن عقيل لجرير يرثي الفرزدق بأبيات منها:

فلا ولدت بعد الفرزدق حاملولا ذات بعل من نفاس تعلّت
هو الوافد المأمون والرّاتق الثّأىإذا النعل يوما بالعشيرة زلّت

أخبرني أحمد بن عبد العزيز، عن ابن شبة بخبر جرير لمّا بلغه وفاة الفرزدق، وهو عند المهاجر، فذكر نحوا مما ذكره ابن سلام، وزاد فيه، قال: ثم قال، وبكى، وندم، وقال: ما تقارب رجلان في أمر قط، فمات أحدهما إلا أوشك صاحبه أن يتبعه.

قال أبو زيد: مات الحسن وابن سيرين والفرزدق وجرير في سنة عشر ومائة، فقبر الفرزدق بالبصرة، وقبر جرير وأيوب السّختياني ومالك بن دينار باليمامة في موضع واحد.

وهذا غلط من أبي زيد عمر بن شبة، لأن الفرزدق مات بعد يوم كاظمة، وكان ذلك في سنة اثنتي عشرة ومائة، وقد قال فيه الفرزدق شعرا، وذكره في مواضع من قصائده، ويقوّي ذلك ما أخبرنا به وكيع، قال: حدثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات، قال: حدثني ابن النّطّاح، عن المدائنيّ، عن أبي اليقظان وأبي همّام المجاشعيّ: أن الفرزدق مات سنة أربع عشرة ومائة.

قال أبو عبيدة: حدثني أبو أيوب بن كسيب من آل الخطفي، وأمه ابنة جرير بن عطية، قال: بينا جرير في مجلس بفناء داره بحجر إذ راكب قد أقبل، فقال له جرير: من أين وضح الراكب؟ قال: من البصرة، فسأل عن الخبر، فأخبره بموت الفرزدق، فقال:

مات الفرزدق بعد ما جرّعتهليت الفرزدق كان عاش قليلا

ثم سكت ساعة، فظننّاه يقول شعرا، فدمعت عيناه، فقال القوم: سبحان اللّه، أتبكي على الفرزدق! فقال: واللّه ما أبكي إلا على نفسي، أما واللّه إن بقائي؛ خلافه لقليل، إنه قل ما كان مثلنا رجلان يجتمعان على خير أو شر إلا كان أمد ما بينهما قريبا، ثم أنشأ يقول:

فجعنا بحمّال الدّيات ابن غالبوحامي تميم كلّها والبراجم
بكيناك حدثان الفراق وإنمابكيناك شجوا للأمور العظائم
فلا حملت بعد ابن ليلى مهيرةولا شدّ أنساع المطيّ الرّواسم
للشاعر جرير، من قصيدة «فجعنا بحمال الديات ابن غالب»

: وقال البلاذريّ: حدثنا أبو عدنان، عن أبي اليقظان، قال: أسنّ الفرزدق حتى قارب المائة فأصابته الدّبيلة، وهو بالبادية فقدم إلى البصرة؛ فأتي برجل من بني قيس متطبب؛ فأشار بأن يكوى، ويشرب النّفط الأبيض، فقال: أتعجّلون لي طعام أهل النار في الدنيا؟ وجعل يقول:

أروني من يقوم لكم مقاميإذا ما الأمر جلّ عن الخطاب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أروني من يقوم لكم مقامي»

وقال أبو ليلى المجاشعيّ يرثى الفرزدق:

لعمري لقد أشجعى تميما وهدّهاعلى نكبات الدهر موت الفرزدق
عشيّة قدنا للفرزدق نعشهإلى جدث في هوّة الأرض معمق
لقد غيّبوا في اللّحد من كان ينتميإلى كل بدر في السماء محلّق
ثوى حامل الأثقال عن كل مثقلودفّاع سلطان الغشوم السّملّق
لسان تميم كلّها وعمادهاوناطقها المعروف عند المخنّق
فمن لتميم بعد موت ابن غالبإذا حل يوم مظلم غير مشرق
لتبك النّساء المعولات ابن غالبلجان وعان في السلاسل موثق

وقال ابن زكريا الغلابيّ، عن ابن عائشة، قال: مات الفرزدق وجرير في سنة عشرة ومائة، ومات جرير بعده بستة أشهر، ومات في هذه السنة الحسن البصريّ وابن سيرين، قال: فقالت امرأة من أهل البصرة: كيف يفلح بلد مات فقيهاه وشاعراه في سنة؟ ونسبت جريرا إلى البصرة لكثرة قدومه إليها من اليمامة، وقبر جرير باليمامة، وبها مات، وقبر الأعشى أيضا باليمامة: أعشى بني قيس بن ثعلبة، وقبر الفرزدق بالبصرة في مقابر بني تميم: وقال جرير لما بلغه موت الفرزدق: قلّما تصاول فحلان، فمات أحدهما إلا أسرع لحاق الآخر به.

ورثاهما جماعة، فمنهم أبو ليلى الأبيض، من بني الأبيض بن مجاشع فقال فيهما:

لعمري لئن قرما تميم تتابعامجيبين للدّاعي الذي قد دعاهما
لربّ عدوّ فرّق الدهر بينهوبينهما لم تشوه ضغمتاهما

أخبرني ابن عمار، عن يعقوب بن إسرائيل، عن قعنب بن المحرز الباهلي، عن الأصمعي، عن جرير يعني أبا حازم قال: رئي الفرزدق وجرير في النوم، فرئي الفرزدق بخير، وجرير معلّق.

قال قعنب: وأخبرني الأصمعيّ، عن روح الطائيّ، قال: رئيّ الفرزدق في النوم، فذكر أنه غفر له بتكبيرة كبّرها في المقبرة عند قبر غالب.

قال قعنب: وأخبرني أبو عبيدة النحويّ وكيسان بن المعروف النحوي، عن لبطة بن الفرزدق، قال: رأيت أبي فيما يرى النائم، فقلت له: ما فعل اللّه بك؟ قال. نفعتني الكلمة التي نازعنيها الحسن على القبر.

أخبرني وكيع، عن محمد بن إسماعيل الحسانيّ، عن عليّ بن عاصم، عن سفيان بن الحسن، وأخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام - والرواية قريب بعضها من بعض -: أنّ النّوار لما حضرها الموت أوصت الفرزدق - وهو ابن عمها - أن يصلّي عليها الحسن البصريّ، فأخبره الفرزدق، فقال: إذا فرغتم منها فأعلمني، وأخرجت، وجاءها الحسن، وسبقهما الناس، فانتظروهما، فأقبلا، والناس ينتظرون، فقال الحسن: ما للناس؟ فقال: ينتظرون خير الناس وشرّ الناس، فقال: إنّي لست بخيرهم، ولست بشرهم، وقال له الحسن على قبرها: ما أعددت لهذا المضجع، فقال: شهادة أن لا إله إلا اللّه منذ سبعين سنة.

هذا لفظ محمد بن سلّام. وقال وكيع في خبره: فتشاغل الفرزدق بدفنها، وجلس الحسن يعظ الناس، فلما فرغ الفرزدق وقف على حلقة الحسن، وقال:

لقد خاب من أولاد آدم من مشىإلى الناس مغلول القلادة أزرقا
أخاف وراء القبر إن لم يعافنيأشدّ من القبر التهابا وأضيقا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لقد خاب من أولاد دارم من مشى»
إذا جاءنى يوم القيامة قائدعنيف وسوّاق يقود الفرزدقا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لقد خاب من أولاد دارم من مشى»

أخبرنا أحمد: قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا حيان بن هلال: قال: حدثنا خالد بن الحر: قال: رأيت الحسن في جنازة أبي رجاء العطارديّ، فقال للفرزدق: ما أعددت لهذا اليوم؟ فقال: شهادة أن لا إله إلا اللّه منذ بضع وتسعين سنة، قال إذا تنجو إن صدقت. قال: وقال الفرزدق: في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس، فقال الحسن: لست بخير الناس ولست بشرهم.

أخبرنا ابن عمار، عن أحمد بن إسرائيل، عن عبيد اللّه بن محمد القرشيّ بطوس، قال: حدثني يزيد بن هاشم العبديّ: قال: حدثنا أبي: قال: حدثنا فضيل الرّقاشيّ قال: خرجت في ليلة باردة، فدخلت المسجد، فسمعت نشيجا وبكاء كثيرا، فلم أعلم من صاحب ذلك، إلى أن أسفر الصبح، فإذا الفرزدق، فقلت: يا أبا فراس، تركت النّوار، وهي لينة الدّثار دفئة الشّعار، قال: إني واللّه ذكرت ذنوبي، فأقلقتني، ففزعت إلى اللّه عز وجلّ.

أخبرني وكيع، عن أبي العباس مسعود بن عمرو بن مسعود الجحدريّ قال: حدثني هلال بن يحيى الرازيّ: قال: حدثني شيخ كان ينزل سكة قريش: قال: رأيت الفرزدق في النوم فقلت: يا أبا فراس، ما فعل اللّه بك؟ قال: غفر لي بإخلاصي يوم الحسن، وقال: لو لا شيبتك لعذّبنك بالنار.

أخبرني هاشم الخزاعيّ عن دماذ، عن أبي عبيدة، عن لبطة بن الفرزدق، عن أبيه: قال: لقيت الحسين بن عليّ - صلوات اللّه عليهما - وأصحابه بالصّفاح، وقد ركبوا الإبل، وجنّبوا الخيل، متقلّدين السيوف، متنكبين القسيّ، عليهم يلامق من الديباج، فسلمت عليه، وقلت: أين تريد؟ قال: العراق، فكيف تركت الناس؟ قال: تركت الناس قلوبهم معك، وسيوفهم عليك، والدنيا مطلوبة، وهي في أيدي بني أمية، والأمر إلى اللّه عز وجل، والقضاء ينزل من السماء بما شاء.

أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ، وأحمد بن عبد العزيز، عن ابن شبّة قال: حدثني هارون بن عمر، عن ضمرة بن شوذب قال: قيل لأبي هريرة: هذا الفرزدق، قال: هذا الذي يقذف المحصنات، ثم قال له: إني أرى عظمك رقيقا وعرقك دقيقا، ولا طاقة لك بالنار، فتب، فإن التّوبة مقبولة من ابن آدم حتى يطير غرابه.

أخبرني هاشم بن محمد، عن الرياشيّ، عن المنهال بن بحر بن أبي سلمة، عن صالح المريّ، عن حبيب بن أبي محمد، قال: رأيت الفرزدق بالشام، فقال: قال لي أبو هريرة: إنه سيأتيك قوم يوئسونك من رحمة اللّه، فلا تيأس.

قال أبو الفرج: والفرزدق مقدّم على الشعراء الإسلاميين هو وجرير والأخطل، ومحلّه في الشعر أكبر من أن ينبّه عليه بقول، أو يدلّ على مكانه بوصف؛ لأن الخاص والعام يعرفانه بالاسم، ويعلمان تقدّمه بالخبر الشائع علما يستغنى به عن الإطالة في الوصف، وقد تكلّم الناس في هذا قديما وحديثا، وتعصبوا، واحتجوا بما لا مزيد فيه، واختلفوا بعد اجتماعهم على تقديم هذه الطبقة في أيّهم أحقّ بالتقدم على سائرها، فأمّا قدماء أهل العلم والرواة فلم يسوّوا بينهما وبين الأخطل؛ لأنه لم يلحق شأوهما في الشعر، ولا له مثل ما لهما من فنونه، ولا تصرّف كتصرّفهما في سائره، وزعموا أن ربيعة أفرطت فيه، حتى ألحقته بهما، وهم في ذلك طبقتان، أما من كان يميل إلى جزالة الشعر، وفخامته، وشدّة أسره، فيقدّم الفرزدق، وأما من كان يميل إلى أشعار المطبوعين، وإلى الكلام السّمح السهل الغزل فيقدّم جريرا.

أخبرنا أبو خليفة: قال حدثنا محمد بن سلّام، قال: سمعت يونس بن حبيب يقول: ما شهدت مشهدا قط ذكر فيه الفرزدق وجرير، فاجتمع أهل ذلك المجلس على أحدهما. قال ابن سلام: وكان يونس يقدم الفرزدق تقدمة بغير إفراط، وكان المفضل يقدمه تقدمة شديدة.

قال ابن سلام: وقال ابن دأب، وسئل عنهما، فقال: الفرزدق أشعر خاصّة وجرير أشعر عامّة.

أخبرني الجوهريّ وحبيب المهلبيّ عن ابن شبة، عن العلاء بن الفضل: قال: قال لي أبو البيداء: يا أبا الهذيل، أيّهما أشعر؟ أجرير أم الفرزدق؟ قال: قلت: ذاك إليك، ثم قال: ألم تسمعه يقول:

ما حمّلت ناقة من معشر رجلامثلي إذا الريح لفّتني على الكور
إلا قريشا فإن اللّه فضّلهامع النبوّة بالإسلام والخير
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فأنت إذ لم تكن إياه صاحبه»

ويقول جرير:

لا تحسبنّ مراس الحرب إذ لقحتشرب الكسيس وأكل الخبز بالصّير؟

سلح واللّه أبو حزرة.

أخبرني هاشم الخزاعيّ، عن أبي حاتم السجستانيّ، عن أبي عبيدة، قال: سمعت يونس يقول: لو لا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب

أخبرني هاشم الخزاعيّ، عن أبي غسان، عن أبي عبيدة قال: قال يونس أبو البيداء: قال الفرزدق: كنت أهاجي شعراء قومي، وأنا غلام في خلافة عثمان بن عفان، فكان قومي يخشون معرّة لساني منذ يومئذ، ووفد بي أبي إلى عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه عام الجمل، فقال له: إن ابني هذا يقول الشعر، فقال: علّمه القرآن، فهو خير له.

قال أبو عبيدة: ومات الفرزدق في سنة عشر ومائة، وقد نيّف على التسعين سنة، كان منها خمسة وسبعين سنة يباري الشعراء، ويهجو الأشراف فيغضّهم، ما ثبت له أحد منهم قط، إلا جريرا.

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ: قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدثني محمد بن معاوية الأسديّ، قال: حدثنا ابن الرازي، عن خالد بن كلثوم قال: قيل للفرزدق: مالك وللشعر؟ فو اللّه ما كان أبوك غالب شاعرا، ولا كان صعصعة شاعرا، فمن أين لك هذا؟

قال: من قبل خالي، قيل: أيّ أخوالك؟ قال: خالي العلاء بن قرظة الذي يقول:

إذا ما الدهر جرّ على أناسبكلكلة أناخ بآخرينا
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة
فقل للشامتين بنا أفيقواسيلقى الشامتون كما لقينا
للشاعر أبو الفيض الكتاني، من قصيدة «فقل للشامتين بنا أفيقوا»

أخبرني عمّي قال: حدثنا الكرانيّ. عن العمريّ، عن الهيثم بن عديّ، عن حمّاد الراوية، وأخبرني هاشم الخزاعي: قال: حدثنا دماذ، عن أبي عبيدة قال: دخل قوم من بني ضبّة على الفرزدق فقالوا له: قبّحك اللّه من أبن أخت! قد عرّضتنا لهذا الكلب السفيه - يعنون جريرا - حتى يشتم أعراضنا، ويذكر نساءنا، فغضب الفرزدق، وقال: بل قبّحكم اللّه من أخوال! فو اللّه لقد شرّفكم من فخري أكثر مما غضّكم من هجاء جرير، أفأنا ويلكم عرّضتكم لسويد بن أبي كاهل حيث يقول:

لقد زرقت عيناك يا بن مكعبركما كلّ ضبّيّ من اللؤم أزرق
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة
ترى اللؤم فيهم لائحا في وجوههمكما لاح في خيل الحلائب أبلق
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة

أو أنا عرّضتكم للأغلب العجليّ حيث يقول:

لن تجد الضّبّيّ إلّا فلّاعبدا إذانا ولقوم ذلّا
مثل قفا المدية أو أكلّاحتى يكون الألأم الأقلّا

أو أنا عرّضتكم له حيث يقول:

إذا رأيت رجلا من ضبّهفنكه عمدا في سواء السّبّه
إن اليمانيّ عقاص الزّبّه

أو أنا عرضتكم لمالك بن نويرة حيث يقول:

ولو يذبح الضّبيّ بالسيف لم تجدمن اللؤم للضّبيّ لحما ولا دما!

واللّه لما ذكرت من شرفكم، وأظهرت من أيامكم أكثر، ألست القاتل:

وأنا ابن حنظلة الأغرّ وإننيفي آل ضبّة للمعمّ المخول
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولنا قراسية تظل خواضعا»
فرعان قد بلغ السّماء ذراهماوإليهما من كل خوف يعقل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولنا قراسية تظل خواضعا»

أخبرنا أبو خليفة، عن ابن سلام، عن أبي بكر محمد بن واسع وعبد القاهر قالا: كان فتى في بني حرام بن سماك شويعر، قد هجا الفرزدق، فأخذناه، فأتينا به الفرزدق، وقلنا: هو بين يديك، فإن شئت فاضرب، وإن شئت فاحلق، لا عدوى عليك ولا قصاص، فخلّى عنه وقال:

فمن يك خائفا لأذاة قوليفقد أمن الهجاء بنو حرام
هم قادوا سفيههم وخافواقلائد مثل أطواق الحمام

: أخبرنا أبو خليفة، عن محمد بن سلام، قال: حدثني الحكم بن محمد، قال: كان رجل من قضاعة ثم من بني القين على السّند، وفي حبسه رجل يقال له حبيش - أو خنيش - وطالت غيبته عن أهله، فأتت أمّه قبر غالب بكاظمة، فأقامت عليه، حتى علم الفرزدق بمكانها، ثم إنها أتت فطلبت إليه في أمر ابنها، فكتب إلى تميم القضاعيّ.

هب لي خنيسا واتّخذ فيه منّةلغصّة أمّ ما يسوغ شرابها
أتتني فعاذت يا تميم بغالبوبالحفرة السّافي عليه ترابها
تميم بن زيد لا تكوننّ حاجتيبظهر فلا يخفى عليّ جوابها

فلما أتاه الكتاب لم يدر: أخنيس أم حبيش! فأطلقهما جميعا.

أخبرني أبو خليفة: قال: حدثنا محمد بن سلام: قال: حدثني أبو يحيى الضّبيّ قال: ضرب مكاتب لبني منقر خيمة على قبر غالب، فقدم الناس على الفرزدق فأخبروه أنهم رأوا بناء على قبر غالب أبيه، ثم قدم عليه، وهو بالمربد فقال:

بقبر ابن ليلى غالب عذت بعد ماخشيت الرّدى أو أن أردّ على قسر
فخاطبني قبر ابن ليلى وقال لي:فكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر

فقال له الفرزدق: صدق أبي، أنخ أنخ، ثم طاف في الناس، حتى جمع له كتابته وفضلا.

أخبرني ابن خلف وكيع، عن هارون بن الزيات، عن أحمد بن حماد بن الجميل، قال: حدثنا القحذميّ، عن ابن عياش: قال: لقيت الفرزدق فقلت له: يا أبا فراس، أنت الذي تقول:

فليت الأكفّ الدافنات ابن يوسفيقطّعن إذ غيّبن تحت السقائف

فقال: نعم، أنا، فقلت له: ثم قلت بعد ذلك له:

لئن نفر الحجّاج آل معتّبلقوا دولة كان العدوّ يدالها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وإن كان قد صلى ثمانين حجة»
لقد أصبح الأحياء منهم أذلةوفي الناس موتاهم كلوحا سبالها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وإن كان قد صلى ثمانين حجة»

قال: فقال الفرزدق: نعم، نكون مع الواحد منهم ما كان اللّه معه، فإذا تخلى منه انقلبنا عليه.

هل أجاز إياس شهادته؟

أخبرنا هاشم بن محمد، عن عبد الرحمن بن أخي الأصمعيّ، عن عمه، عن بعض أشياخه قال: شهد الفرزدق عند إياس بن معاوية، فقال: أجزنا شهادة الفرزدق أبي فراس، وزيدونا شهودا، فقام الفرزدق فرحا، فقيل له: أما واللّه ما أجاز شهادتك قال: بلى، قد سمعته يقول: قد قبلنا شهادة أبي فراس، قالوا: أفما سمعته يستزيد شاهدا آخر؟ فقال: وما يمنعه ألا يقبل شهادتي، وقد قذفت ألف محصنة!.

أخبرنا ابن دريد، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، عن يونس: قال: كان عطية بن جعال الغدانيّ صديقا ونديما للفرزدق، فبلغ الفرزدق أنّ رجلا من بني غدانة هجاه وعاون جريرا عليه، وأنه أراد أن يهجو بني غدانة، فأتاه عطية بن جعال فسأله أن يصفح له عن قومه، ويهب له أعراضهم، ففعل، ثم قال:

أبني غدانة إنني حرّرتكمفوهبتكم لعطية بن جعال
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لا قوم أكرم من تميم إذ غدت»
لو لا عطية لاجتدعت أنوفكممن بين ألأم أعين وسبال

فبلغ ذلك عطية، فقال: ما أسرع ما ارتجع أخي هبته، قبحها اللّه من هبة ممنونة مرتجعة.

: أخبرني وكيع، عن هارون بن محمد: قال: حدثني قبيصة بن معاوية المهلّبيّ، عن المدائني، عن محمد بن النضر: أن الفرزدق مرّ بباب المفضّل بن المهلّب، فأرسل إليه غلمة، فاحتملوه، حتى أدخل إليه بواسط، وقد خرج من تيّار ماء كان فيه، فأمر به، فألقى فيه، بثيابه، وعنده ابن أبي علقمة اليحمديّ المجنون، فسعى إلى الفرزدق، فقال له المفضل: ما تريد؟ قال: أريد أن أنيكه وأفضحه، فو اللّه لا يهجو بعدها أحدا من الأزد، فصاح الفرزدق: اللّه اللّه أيها الأمير فيّ، أنا في جوارك وذمتك؛ فمنع عنه ابن أبي علقمة، فلما خرج قال: قاتل اللّه مجنونهم؛ واللّه لو مسّ ثوبه ثوبي لقام بها جرير وقعد؛ وفضحني في العرب فلم يبق لي فيهم باقية.

وأخبرني بنحو هذا الخبر حبيب المهلبيّ، عن ابن شبة، عن محمد بن يحيى، عن عبد الحميد، عن أبيه، عن جده: قال أبو زيد: وأخبرني أبو عاصم عن الحسن بن دينار، قال: قال لي الفرزدق: ما مر بي يوم قط أشدّ عليّ من يوم دخلت فيه على أبي عيينة بن المهلب - وكان يوما شديد الحر - فما منّا أحد إلا جلس في أبزن. فقلنا له: إن أردت أن تنفعنا فابعث إلى ابن أبي علقمة، فقال: لا تريدوه؛ فإنه يكدّر علينا مجلسنا، فقلنا: لا بد منه، فأرسل إليه، فلما دخل فرآني؛ قال الفرزدق واللّه. ووثب إليّ، وقد أنعظ أيره، وجعل يصيح: واللّه لأنيكنّه؛ فقلت لأبي عيينة: اللّه اللّه فيّ، أنا في جوارك، فو اللّه لئن دنا إليّ لا تبقى له باقية مع جرير؛ فلم يتكلم أبو عيينة؛ ولم تكن لي همة إلا أن عدوت حتى صعدت إلى السطح، فاقتحمت الحائط، فقيل له: ولا يوم زياد كان مثل يومئذ، فقال: ولا مثل يوم زياد.

أخبرني عمي، عن ابن أبي سعد، عن أحمد بن عمر، عن إسحاق بن مروان مولى جهينة وكان يقال له: كوزا الرواية؛ قال أحمد بن عمر: وأخبرني عثمان بن خالد العثماني: أن الفرزدق قدم المدينة في سنة مجدبة حصّاء فمشى أهل المدينة إلى عمر بن عبد العزيز، فقالوا له: أيها الأمير، إن الفرزدق قدم مدينتنا هذه في هذه السنة الجدبة التي أهلكت عامة الأموال التي لأهل المدينة، وليس عند أحد منهم ما يعطيه شاعرا، فلو أن الأمير بعث إليه، فأرضاه، وتقدم إليه ألا يعرض لأحد بمدح ولا هجاء؛ فبعث إليه عمر: إنك يا فرزدق قدمت مدينتنا هذه في هذه السنة الجدبة، وليس عند أحد ما يعطيه شاعرا، وقد أمرت لك بأربعة آلاف درهم؛ فخذها، ولا تعرض لأحد بمدح ولا هجاء، فأخذها الفرزدق، ومرّ بعبد اللّه بن عمرو بن عثمان، وهو جالس في سقيفة داره، وعليه مطرف خزّ أحمر وجبّة خزّ أحمر، فوقف عليه، وقال:

أعبد اللّه أنت أحقّ ماشوساع بالجماهير الكبار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أعبد الله أنت أحق ماش»
نما الفاروق أمّك وابن أروىأبوك فأنت منصدع النّهار
هما قمرا السماء وأنت نجمبه في الليل يدلج كلّ سار

فخلع عليه الجبة والعمامة والمطرف، وأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج رجل كان حضر عبد اللّه والفرزدق عنده، ورأى ما أعطاه آياه، وسمع ما أمره عمر به من ألا يعرض لأحد، فدخل إلى عمر بن عبد العزيز؛ فأخبره، فبعث إليه عمر: ألم أتقدم إليك يا فرزدق ألا تعرض لأحد بمدح ولا هجاء؟ أخرج، فقد أجلتك ثلاثا، فإن وجدتك بعد ثلاث نكّلت بك؛ فخرج وهو يقول:

فأجّلني وواعدني ثلاثاكاوعدت لمهلكها ثمود

قال: وقال جرير فيه:

نفاك الأغرّ ابن عبد العزيزومثلك ينفى من المسجد
وشبهت نفسك أشقى ثمودفقالوا: ضللت ولم تهتد
للشاعر جرير، من قصيدة «زار الفرزدق أهل الحجاز»

أخبرني حبيب المهلّبي، عن ابن أبي سعد، عن صباح، عن النوفليّ بن خاقان، عن يونس النحويّ قال: مدح الفرزدق عمر بن مسلم الباهلي، فأمر له بثلاثمائة درهم، وكان عمرو بن عفراء الضّبيّ صديقا لعمر، فلامه، وقال: أتعطي الفرزدق ثلاثمائة درهم، وإنّما كان يكفيه عشرون درهما، فبلغه ذلك فقال:

نهيت ابن عفرى أن يعفّر أمّهكعفر السّلا إذا جرّرته ثعالبه
وإنّ امرأ يغتابنى لم أطأ لهحريما فلا ينهاه عنّي أقاربه
كمحتطب يوما أساود هضبةأتاه بها في ظلمة الليل حاطبه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ستعلم يا عمرو بن عفرا من الذي»
ألمّا استوى ناباي وابيضّ مسحليوأطرق إطراق الكرى من أحاربه؟
فلو كان ضبّيّا صفحت ولو سرتعلى قدمي حيّاته وعقاربه
ولكن ديافيّ أبوه وأمهبحوران يعصرن السّليط قرائبه

صوت

ومقالها بالنّعف نعف محسّرلفتاتها: هل تعرفين المعرضا؟
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «يا صاحبي قفا نقض لبانة»
ذاك الذي أعطى مواثق عهدهألا يخون وخلت أن لن ينقضا
فلئن ظفرت بمثلها من مثلهيوما ليعترفنّ ما قد أقرضا

الشعر لخالد القسريّ، والناس ينسبونه إلى عمر بن أبي ربيعة، والغناء للغريض، ثقيل أول بالوسطى، عن

الهشامي وابن المكي وحبش. وقبل أن أذكر أخباره ونسبه فإني أذكر الرواية في أنّ هذا الشعر له.

أخبرنا محمد بن خلف وكيع: قال: أخبرني عبد الواحد بن سعيد، قال: حدثني أبو بشر، محمد بن خالد البجليّ: قال: حدثني أبو الخطّاب بن يزيد بن عبد الرحمن: قال: سمعت أبي يحدث: قال: حدثني مسمع بن مالك بن جحوش البجليّ، قال: ركب خالد بن عبد اللّه، وهو أمير العراق، وهو يومئذ بالكوفة إلى ضيعته التي يقال لها المكرخة، وهي من الكوفة على أربعة فراسخ، وركبت معه في زورق، فقال لي: نشدتك اللّه يا بن جحوش، هل سمعت غريض مكة يتغنى:

ومقالها بالنّعف نعف محسّرلفتاتها: هل تعرفين المعرضا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «يا صاحبي قفا نقض لبانة»

قل: قلت: نعم، قال: الشعر واللّه لي، والغناء لغريض مكة، وما وجدت هذا الشعر في شيء من دواوين عمر بن أبي ربيعة التي رواها المدنيّون والمكيّون؛ وإنما يوجد في الكتب المحدثة والإسنادات المنقطعة، ثم نرجع الآن إلى ذكره.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»