تجاوز إلى المحتوى

من «الأوائل» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)

أول من رفع له الشمع وأول من احتذى بالنعال وأول من وضع المنجنيق وأول من ملك قضاعة بالحيرة جذيمة الأبرش

وكان أبرص فكنى عنه بالأبرش والوضاح، على أن بعض العرب تتبرك بالبرص وتمدحه قال ابن حبناء

لا تحسبنّ بياضا فىّ منقصةإنّ اللهاميم فى أقرانها بلق
للشاعر المغيرة بن حبناء، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

يا كأس لا تستنكرى نحولىووضحا أوفى على خصيلى

فإنّ نعت الفرس الرحيلى يكمل بالغرّة والتحجيلى وقال آخر:

أبرص فيّاض اليدين أكلف والبرص أندى باللهى وأعرف وقال آخر:

نفرت سودة عنّى إذ رأتصلع الرأس وفى الجلد وضح
قلت يا سودة هذا والّذىيفرج الكربة عنّا والكلح
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة
هو زين لى فى الوجه كمازيّن الطرف تحاسين القرح

وزعم أبو نواس أن جذيمة كان يفخر بالبرص ولو كان كذلك لما كنى عنه بالبرش والوضح وزعم أن بلعاء بن قيس لما شاع فى جلده البرص قيل له ما هذا؟ قال: سيف الله جلاه وقال آخر:

ليس يضرّ الطرف توليع البهقإذا جرى فى حلبة الخيل سبق

وكان الذى ملك جذيمة على ثغر العرب ازدشير بن بابك، وأنزله الحيرة، وكان عقيما لا يولد له، واختلف فى نسبه فقيل: من العماليق، وقيل: من الأزد، وقيل: من تنوخ، وكان شديد الكبر، فمن كبره أنه كان ينادم الفرقدين ذهابا بنفسه، يشرب قدحا، ويصب لكل منهما قدحا، قال متمم:

وكنّا كندمانى جذيمة حقبةمن الدهر حتىّ قيل لن يتصدّعا
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة
فلمّا تفرّقنا كأنى ومالكالطول اجتماع لم نبت ليلة معا
للشاعر ابن لؤلؤ، اقرأ القصيدة

حتى نادمه مالك وعقيل، وفيهما يقول الشاعر:

تقول أراه بعد عروة لاهياوذلك رزء لو علمت جليل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
فلا تحسبى أنىّ تناسيت عهدهولكنّ صبرى يا أميم جميل
ألم تعلمى قد تفرّق قبلناخليلا صفاء مالك وعقيل
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

وجذيمة هو الذى يقول:

أضحى جذيمة فى تزيين منزلهقد حاز ما جمعت من قبله عاد

وكان من أحسن الناس وجها، فخطب الزباء بنت عمر ابن طريف من العماليق، وكانت على الشام والجزيرة من قبل الروم، وكانت قد بنت على شاطىء الفرات من الجانبين قصورا ومدائن، وهى إلى اليوم قائمة خربة، وكانت حصينة لا يسلكها سالك، ولا يدركها طالب، وقد سقفت فى الفرات أنفاقا بين مدينتيها، تفزع إليها إذا حزبها أمر، وكانت تغزو من حولها من العرب، فغزت دومة الجندل وتيماء، وهو الأبلق، فامتنع عليها، فقالت: «تمرد مارد وعز الابلق» فأرسلتها مثلا، فاجابت جذيمة، وكانت بكرا، فجمع أصحابه فاستشارهم، فأشاروا عليه بالمضى، وخالفهم قصير بن سعد اللخمى، وكان لبيبا، وقال: إن النساء يهدين إلى الأزواج، فعصاه وسار حتى كان بمكان يدعى بقة بين هيت والأنبار، فاستشارهم، فأشاروا عليه بالشخوص إليها، لما علموا من رأيه فيها، فقال له قصير: انصرف ودمك فى وجهك فأبى، فقال قصير: «لا يطاع لقصير أمر»، فأرسلها مثلا، وطعن جذيمة حتى عاين مدينتها، والكتائب دونها هالة، فقال لقصير: ما الرأى؟ فقال:

(تركت الرأى ببئر بقة)، ثم قال: وعلى هذا إن لقيتك الكتائب فحيوك تحية الملوك، وساروا أمامك. فقد كذب ظنى، وإن أخذوا جنبيك فإنى معرض لك العصا، وهى (لا يشق غبارها).

(وكان جذيمة استعمل على ملكه ابن أخته عمرو بن عدى بن النضر بن ربيعة اللخمى، فلم يشعر ذات يوم أن رأى العصا عليها قصير فقال: (خبر ما جاءت به العصا) فأخبره قصير الخبر، وقال: أطلب بثأرك منها قال: (كيف وهى

أمنع من عقاب الجو) ؟ فقال قصير: أما إذا أبيت، فإنى سأحتال (فدعنى وعداك ذم) فعمد قصير إلى أنفه فجدعه، ثم أتى الزباء، فقالت: (لأمر ما جدع قصير أنفه) فقال: أتهمنى عمرو فى مشورتى على خاله بإتيانك فجدعنى، فلم تقر نفسى عنك، وان لى مالا كثيرا بالعراق، فأعطينى شيئا، وأرسيلنى بعلة التجارة حتى آتيك بما قدرت عليه من طرائف العراق، ففعلت، فأطرفها وزادها مالا كثيرا، وقال: هو ربح، فاعجبها وسرت به، فردته ثانية، فأطرفها وزادها، وتلطف حتى علم موضع الانفاق، ثم ردته ثالثة، فأتى عمرا فقال: أحمل الرجال فى الصناديق على الابل، ففعل، وفيهم عمرو، فلما وافاها، نظرت إلى العير، فقالت: إن العير لتحمل صخرا أو تطأ فى وحل، وصنع لها رجز فقالت:

ما للجمال مشيها وئيدا أجندلا يحملن أم حديدا

أم صرفانا» تارزا شديداأم الرّجال جثّما قعودا

ودخلت العير المدينة، وكانت أفواه الجواليق مربوطة من قبل الرجال فحلوها، ووقعوا إلى الأرض مستلمين، وشدوا عليها فخرجت هاربة تريد السرب، فاستقبلها قصير وعمرو فضربها عمرو فقتلها، ويقال: بل كان لها خاتم فيه سم فمصته، وقالت: (بيدى لا بيد عمرو) فماتت، وسبيت الذرارى، ونهبت الأموال، فقالت العرب فى أمرها أشعارا كثيرة: فمن ذلك

قول المتلمس:

ومن حذر الاوتار ما حزّ أنفهقصير ورام الموت بالسيف بيهس

وقال نهشل:

ومولى عصانى واستبدّ برأيهكما لم يطع بالبقّتين قصير
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
فلمّا رأى ما غبّ أمرى وأمرهوولّت بأعجاز الأمور صدور
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
تمنّى أنيسا أن يكون أطاعنىوقد حدثث بعد الأمور أمور

وقال عدى بن زيد

ألا يا أيّها المترى المرجّىالم تسمع بخطب الأوّلينا
دعا بالبقّة الأمراء يوماجذيمة ينتحى عصبا تبينا
فطاوع أمرهم إلّا قصيراوكان يقول لو تبع اليقينا
ودسّت فى صحيفتها إليهليملك بضعها ولان تدينا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
ففاجأها وقد جمعت فيوجاعلى أبواب حصن مصلتينا
فأردته ورغب النفس يردىويبدى للفتى الحين المبينا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
وحدّثت العصا الانباء عنهولم أر مثلها فرسا هجينا
وقدّدت الأديم لراهشيهوألفى قولها كذبا ومينا
ومن حذر الملاوم والمخازىوهنّ المندبات لمن منينا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
أطفّ لأنفه الموسى قصيرليجدعه وكان به ضنينا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
فأهواه لمارنه فأضحىطلاب الوتر مجدوعا مشينا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
وصادفت امرأ لم تخش منهغوائله وما أمنت أمينا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
فلمّا ارتدّ منها أرتدّ صلبايجرّ المال والصّدر الضغينا
أتتها العيس تحمل مادهاهاوقنّع فى المسوح الدّار عينا
ودسّ لها على الانفاق عمرابشكّته وما خشيت كمينا
فجللها قديم الأثر عضبايصكّ به الحواجب والجبينا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
فأضحت من خزائنها كأن لمتكن زبّاء حاملة جنينا
وأبرزها الحوادث والمناياوأىّ معمّر لا يبتلينا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
ولم أجد الفتى يلهو بشىءولو أثرى ولو ولد البنينا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
وإن أمهلن ذا جد عريضعلقن به وإن فرّطن حينا
الم تر أنّ ريب الدّهر يعلوأخا النّجدات والحصن الحصينا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار البشير بطنطا (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأوائل»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.