من «الأوائل» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
أول ما قاتل جمهور المشركين وهزمهم وظفر بهم وهو أول يوم علا فيه الاسلام ورفعت أعلامه وانحط منار الكفر وزلزلت أركانه
أخبرنا أبو القاسم عن العقدى عن أبى جعفر عن المدائنى وأبو أحمد عن عبد الله بن العباس عن الفضل بن عبد العزيز عن ابراهيم الجوهرى عن الواقدى وعن غير هؤلاء قالوا: أقبل أبو سفيان بن حرب بعير قريش من الشام يحميها، ومعه ثلاثون رجلا أو أربعون، وخرج رسول الله- ﷺ لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة فى ثلاث وثلاثين رجلا من المهاجرين وواحد وستين رجلا من الأوس ومائة وسبعين من الخزرج، ولم يكن خرج بأحد من الانصار قبل ذلك فى قتال، ومعهم سبعون بعيرا وفرسان، فرس للمقداد بن الأسود الكندى والآخر لمرثد بن أبى مرثد الغنوى، يعترض العير ففاتته.
وجاء حتى نزل ببدر وكانت سوقا تقام فى كل سنة ثمانية أيام، وخرجت قريش تريده وهم ما بين تسعمائة والف، وخيلهم مائة، وكان أول طالع منهم زمعة بن الأسود، فقال رسول الله «ﷺ» (اللهم أنك أنزلت على الكتاب وأمرتنى بقتال المشركين ووعدتنى احدى الطائفتين وأنت لا تخلف الميعاد وهذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم أحنهم الغداة) فاستجيب له فيهم، فهزموا وقتل صناديدهم وأسروا، فكان القتلى سبعين والأسرى سبعين، وقيل أربعين وأربعين.
وضرب عنق النضر ابن الحارث، وهو أول من ضرب عنقه فى الاسلام فقالت ابنته ترثيه: وتخاطب رسول الله- ﷺ أمحمّد ها أنت صنو نجيبة لنجيبة والفحل فحل معرق
ما كان ضرّك لو مننت وربّمامنّ الفتى وهو المغيظ المحنق
فقال ﷺ: لو سمعت شعرها ما قتلته، فلما قسم غنائمهم أخذ سيف منبه بن الحجاج،- وهو ذو الفقار- فتقلده فكان أول سيف تقلده، وأخذ أيضا جملا مهريا لابى جهل صفّية، فجعله فيما أهدى الى مكة، فهابت قريش من يومئذ جانب المسلمين، فتركت الطريق التى كانت تسلكها الى الشام، واستأجرت رجلا يقال له الفرات بن حيان، فخرجوا بتجارة عظيمة، فبعث رسول الله- ﷺ زيد بن حارثة فأصابها، وورد بها المدينة، فقال حسان ابن ثابت: يذكر الفرات بن حيان حين انصرف رسول الله من بدر ومعه فرسان
فرس للمقداد وفرس للزبير.
أقمنا على الرّس النّزوع لياليابأرعن جرّار عريض المبارك
بكلّ كميت جوزه نصف خلقهطوال الهوادى مشرفات الحوارك
ترى العرفج الحولىّ تذرى أصولهمناسم أخفاف المطىّ الرّواتك
اذ ارتحلوا عن منزل خلت أنّهقريب المدى بالموسم المتعارك
نسير فلا تنجو اليعافير وسطناوإن وألت منّا بشدّ مواشك
دعوا فلجات الشّام قد حال دونهاجلاد كأفواه المخاض الأوارك
بأيدى رجال هاجروا نحو ربّهموأنصاره حقا وأيدى الملائك
اذا أقبل العضروط من رمل عالجفقولا لها ليس الطّريق هنالك
فان نلق فى تطوافنا والتماسنافرات بن حيّان يكن جدّ هالك
يصيب وما يدرى ويخطى ومادرىوليس يكون النّوك الّا كذلك
وانما يستحسن ذلك لدخوله فى باب التهويل على العدو، وهو يجرى مجرى المكيدة فى الحرب، ومثله ان خثعم قتلت رجلا من بنى سليم فقالت أخته ترثيه.
لعمرى وما عمرى علىّ بهّينلنعم الفتى غادرتم آل ختعما
وكان اذا ما أورد الخيل بيشةالى حين أسراج أناخ فألجما
فأرسلها رهوا رعالا كأنّهاجراد رمته ريح نجد فأتهما
فقيل لها: كم كانت خيل أخيك؟ فقالت: اللهم لا أعرف الا فرسه.
ومثله ان ليلى بنت عروة بن زيد الخيل قالت لابيها: كم كانت الخيل؟
حين قال:
بنى عامر هل تعرفون اذا غداأبو مكنف قد شدّ عقد الدّوائر
بجيش تضلّ البلق فى حجراتهترى الأكم فيها سجّدا للحوافر
وجمع كمثل اللّيل مرتجس الوغىكثير بواكبه سريع البوادر
أتت غادة للورد ان نكره الوغىوحاجة رمّحى فى نمير بن عامر
قال أبو هلال قوله تضل البلق فى حجراته غاية فى صفة الكثرة، لأن البلق مشاهير، فاذا خفى فكأنه فى جيش قد بلغ نهاية الكثرة، وتقول العرب: هو أشهر من الفارس الابلق.
فقال: لست أعرف إلا ثلاثة أفراس أحدها فرسه.
النص من طبعة دار البشير بطنطا (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع