تجاوز إلى المحتوى

من «الأفضليات» لابن الصيرفي (ت ٥٤٢هـ)

والاختلاف في الصرف والممزوج كالاختلاف في الصبوح والغبوق، وقد أكثر الناس من

الكلام فيهما، والتفضيل بينهما. ومن أحسن ما سمعه المملوك في تفضيل الغبوق على الصبوح قول بعض المتأخرين الذين اشتهروا بالعكوف على لذاتهم، وأطاعوا سلطان أغراضهم وشهواتهم؛ فإنه ذم الصبوح وكان يدمنه، واعتذر عن ذلك بما يستطيعه ويمكنه فقال: لا عذر في الصبوح لغير ملك، أو خليع منهمك؛ فالملك لا يقاس عليه لعظمته، والخليع لا يلتفت إليه لضعته، وإن كنت في هذا من الشعراء أقول ما لا أفعل، لكن فضلت أحسن القولين، ولم أجمع بين الخطأ من وجهين.

وقال آخر ممن جعل النهار لرقدته، والظلام لعودته: لما فني عمر الأمس، وطفئ سراج الشمس؛ لاحت بروق الثغور اللوامع، وجلجلت رعود الأوتار في المسامع، وبعث مخارق وابن جامع، فلم يزل ذلك دأبنا ما أقلع سحابنا، ولا يبس ترابنا، حتى متنا بالهجعة، وكلنا يقول بالرجعة.

وقال آخر: لما ظهرت في الأرض الزهرة، وفي السماء الزهرة، شربنا على الما، والمقبل الألمى، وأجرينا شقر الراح، حتى رأينا أشقر الصباح فكمنا في خمر النوم، عمر اليوم، ثم خلعنا عهدة الرجعة، وأعدناها جذعة.

وقال من يخالف هذا المذهب ممن يمدح الصبوح يعاتب صديقاً أتاه في الغبوق: جعلت أول أمرنا أوان سكرنا، وأدرت خمرنا وقت خمارنا، فاغرم لنا بليلك ما أتلفت من نهارنا.

وقال آخر: نمنا بنية الإصطباح، فهببنا قبل الصباح، والأصوات خشنة، والحركات زمنة، وبدر الإنس هاجع، وكوكب الأنس راجع، ثم نشط الكسلان، وانتبه الوسنان، وبرهن الأعشى وأبو نواس، على مداواة الكاس بالكاس. فكم صرع من قرن، وما طلع للشمس قرن. ومن أعجب ما وقع الاختلاف فيه ما كان الناس مجمعين على مدحه أو ذمه، فيأتي من الفصحاء من يحسن ببلاغته مخالفتهم، ويزين بعبارته مفارقتهم، كالوعد الذي جبلت النفوس على مقته، وطبعت على الاستبطاء الأوان إنجازه ووقته. كما قال الشاعر:

أتى زائرا من غير وعد وقال ليأجلك عن تعذيب قلبك بالوعد

فجاء من قال:

أحسنت في تأخيرها منةلو لم تؤخر لم تكن كامله
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
وكيف لا يحسن تأخيرهابعد يقيني أنها حاصله
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
وجنة الفردوس يدعى بهاآجلة للمرء لا عاجله
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

في الأبيات التي تقتضي قافية لا يكاد الخاطر يتخطاها فيأتي قائلها بأخرى لا يتعرض لها الفكر ولا يتعداها، من ذلك قول علية بنت المهدي:

ومغترب بالمرج يبكي لشجوهوقد بان عنه المسعدون على الحب
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة
إذا ما أتاه الركب من نحو أرضهتنسم يستشفي برائحة القرب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أحجاج بيت الله في أي هودج»

قال السابق المعري: فأنزلت (الركب) عن هذه القافية وقد كان لها موضع، ولكن (القرب) أحق به. وقول ابن نباتة:

رمته بها أهل الجبال فما درواأخيل رمتها بالعدا أم سلالم

والمملوك يقول: إن الذي يمر إليه الخاطر تقفية هذا البيت بالقشاعم، فلما ارتفع إلى السلالم زاد المعنى بهجة.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأفضليات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.