من «الأفضليات» لابن الصيرفي (ت ٥٤٢هـ)
فصل (٢)
بعض العصريين:
وقد كان هذا البحر ليس يجوزهسوى خائف من ذنبه ومخاطر
فأضحى بمن ينتاب جودك عامراكأن عليه محكمات القناطر
وفيه ملامحة لقول دعبل:
وقال أناس إذ رأوا فضل مدحتيلعمران والنائي المكارم يمدح
أتطمع في عمران والبحر دونه؟فقلت: نوال البحر يحسن يسبح
وهما يلتقيان من وجه، ويفترقان من آخر. فوجه التقائهما: أن البحر صراط بين ممدوحيهما، ووجه افتراقهما: أن أحدهما يسعى إلى النوال، والآخر يسعى النوال إليه، إلا أن قوله: محكمات القناطر، مما ملح فيه.
فصل
من المحدثين المجيدين محمد بن شرف، وذكر في بعض تصانيفه أنه كتب يشرح حال حاج أصابه في الطريق حر شديد، فنزل بئرا ليشرب، فسقطت فيها صاعقة، فسلم منها، ثم ركب وسار، فنزل برد أصابت رأسه منه واحدة فقتلته. وكتابه في ذلك مشهور وقد كتب المملوك في هذا المعنى: إن من نوادر العبر، وبوادر الغير؛ ما اتفق لفلان عند توجهه من الطائف، وتركه استصحاب الماء توكلا على اللطائف، فإنه لقي يوما متلهب الأوار، متضرم النار، قد فقد نعيمه، وعدم نسيمه، واستعير من لفح جهنم حره وسمومه، فاستند إلى صبره، وأوى إلى جلده، ظاناً سرعة ذاك على ما وقع في خلده، فلما اشتد القيظ، وخيف على النفوس الفيظ، وتزايد به الأوام، وتشخص له الموت الزؤام؛ جعل يتماسك ويسير، وقد تيقن أن باقي عمره قليل يسير. فبينا هو على تلك الحال، يغور تارة وينجد، وقد أعوزه من يعين وأعجزه من ينجد؛ إذا هو ببئر ساقته إليها مهلة الأجل وهدته، وقادته نحوها فسحة المدة وأدته، فلعدم الرشاء وتعذره، وإعجال الأمر له عن تثبته وتصبره؛ نزلها كارعا في مائها، وناعشا بها نفسا لم يبق غير دمائها. وإنه لكذلك إذ وقعت عليه صاعقة حبيها يصعق، ومسها يهلك ويوبق، فلقيت البئر حدتها دونه، وحالت للمشيئة بين مضرتها وبينه، ثم صعد منها بعد أن نقع غلته، وبلغ أمنيته، فسما بطرفه، واستولى على طرفه، وأعجب بحظه، وتوهم أن القدر لا يغفل عن حفظه، وتحقق أن قصود المنايا له مخطئة، وضروب الرزايا عن الوصول إليه مبطئة، وسار جذلا غير جزع ولا وجل، واثقا بالسلامة وكم من واثق خجل! فما مضت ساعة حتى نشأت غمامة جر اليوم منها ستارته، ونسخ بها ذلك التوهج ومحا آيته، وجعل جامد السماء يذوب، وماء المزن يهطل ويصوب، وأخذت الأقضية تحلل من الديم العقد، وتفوق إلى مقاتل المقتول سهام البرد، فلم يزل يأتيه أرسالاً، ويتناثر عليه يمينا وشمالا، إلى أن أصابت إحداهن منه الهامة، فأذهبت نفسه وعجلت له القيامة. فسبحان من قرب له المسافة بين منهل الاغترار ومصرع الاعتبار، ومن نجاه مما الهلكة بمثله معتادة، وأهلكه بما يحيي به أرضه ويرحم عباده. وهو المسؤول أن يسبغ علينا فضله، ولا يجعلنا بين عباده مثلة، إنه جواد يجيب داعيه، ولا يخيب راجيه.
وابن شرف من أعيان الشعراء، وأماثل البلغاء، وله أبيات يجيد فيا، ويحسن في معانيها. فمن بديع شعره قوله:
خلق كماء المزن طيب مذاقهوالروضة الغناء طيب نسيم
كالسيف لكن فيه حلم واسععمن جنى، والسيف غير حليم
كالليث إلا أنه متبرقعبوسامة، والليث غير وسيم
كالغيث إلا أن وابل جودهأبدا، وجود الغيث غير مقيم
كالدهر إلا أنه ذو رحمة،والدهر قاسي القلب غير رحيم
وقوله:
جفاني فواصلت الصبابة والأسىوبان فلم أعدم سهادا ولا دمعا
أأسر ولا أفدى، وقتل ولا أدىوسقم ولا أشفى، وموت ولا أنعى
وقوله:
إن تلقك الغربة في معشرتضافروا فيك على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهموأرضهم ما دمت في أرضهم
وقوله في مثله:
يا ثاويا في معشرقد اصطلى بنارهم
فما حييت جارهمففي هواهم جارهم
وأرضهم في أرضهمودارهم في دارهم
وقوله في عود قينة:
سقى الله أرضا أنبتت عودك الذيزكت منه أغصان وطابت مغارس
تغنى عليها الطير وهي رطيبةوغنى عليها الناس والعود يابس
وقوله في مثله:
يا عود من أية الأشجار أنت فلاجفا ثراها ولا أغصانها الماء
غنى القيان عليها وهي يابسةبعد الحمام زمانا وهي خضراء
وقوله:
خليل النفس لا تخل الزجاجاإذا بحر الدجى في الجو ماجا
وجاهر في المدامة من ترائيفما فوق البسيطة من يداجى
إذا مريخها اتقد احمرارصببنا المشتري فيها مزاجا
والناس مختلفون في المزج. فمنهم من يراه فيأمر به، ومنهم من يكرهه فينهى عنه. وأحسن ما سمعه المملوك في الاعتذار عن المزج قول ابن رشيق:
ما سجها الساقي لسوء خلقهاكيف ومن تعليمها حسن الخلق
وإنما ظن سناها لهبافشجعها بالماء كيلا تحترق
وهو مما أخذه من قول عبد المحسن:
أتاني بها كالنار من قبل مزجهاومن بعده كالشمس عند غروبها
لهيب قلوب الشرب تطفا بشربهاويخشى على أيديهم من لهيبها
وفي كل من المقطوعين ما ليس في الآخر، فقول عبد المحسن: إن لهيب النار يطفأ بما يخشى على الأيدي لهيبه معنى لم يستوفه ابن رشيق، وقول ابن رشيق: إنه شجها تحرزا من الاحتراق زيادة على عبد المحسن.
وقد أحسن ابن رشيق أيضاً في وصف المزج بقوله:
تزأر في الكأس وهي مزبدةكأن حبس السقاة أغضبها
شجت مرارا كأن شاربهالم يستطع قتلها فعذبها
ومن غريب ما في هذه الأبيات:
وقام بالكأس بيننا قمريدير ذات اليمين كوكبها
فقلت: خذها وهاتها عجلافقال: لا تكثر التعتب ها
ويحتاج منشد هذا البيت عند ذكر القافية إلى إشارة المناولة، فبذلك يتم المعنى.
فأما النهي عنه فمن أحسن ما جاء فيه لمتأخر:
قدر المدامة فوق قدر الماءفارغب بكأسك عن سوى الأكفاء
ولفرط ما قل الخليط رفعتهاعما يكون لها من الخلطاء
والمليح كل المليح قول مسلم:
إذا شئتما أن تسقياني مدامةفلا تقتلوها كل ميت محرم
خلطنا دما من كرمة بدمائنافأظهر في الألوان منا الدم الدم
ولعمري إن أسرارها في الألوان فاشية، وحمرة الخدود مخبرة واشية.
ولقد أحسن الآخر في قوله:
ومقتول سكر عاش لما دعوتهفبادر مسرورا يرى غيه رشدا
وقام تثنيه بقايا خمارهوقد قطفت عيناه من خده وردا
لأنه جمع بين الاستعارة والتشبيه مع حسن اللفظ. وعلى ذكر العين والخد فقد أبدع ابن مكنسة في قوله:
لم أر قبل شعره ووجههليلا على صبح نهار عسعسا
والسكر في وجنته وطرفهيفتح وردا ويغض نرجسا
على أن من تشبيهاته التي ابتكرها قوله من أبيات في الخمر:
ما لاح وجهك يجتلى في مجلسإلا وجلى عنه وجها أربدا
بكر إذا افترعت أخذت شعاعهابيدي وقلت لأهلها هذا الردى
ومن مليح ما وصف به فعلها قول ابن وكيع:
إذا ملكت رق الحجى ساء ملكهاله فهو منها مدة الدهر آبق
ويحكى أن رجلا ترك النبيذ، فقيل له: لم تركته وهو رسول السرور؟ فقال: إلا أنه بئس الرسول؛ يبعث إلى القلب، فيمضي إلى الرأس.
وقال آخر:
كأس إذا جليت علينا في الدجىولم تبق منها غير صدغ أسود
وتظنها دارت عليك وإنمادارت على نوب الزمان بمرقد
ولابن شرف:
ولقد نعمت بليلة جمد الحيابالأرض فيها والسماء تذوب
والكأس كاسية القميص كأنهالونا وقدا معصم مخضوب
مشروبة، للب شاربة، وماشيء سواها شارب مشروب
وقد تصرف في معنى قوله: شارب مشروب، ونقله إلى معنى آخر فقال:
وطلبت منه تكرما وظلمتهفتعجبوا من ظالم متظلم
مثل الصلاة أردتها من حائضأو كالزكاة طلبتها من معدم
وهذان في أبيات منها:
لولاك ما لبس الضنى جسدي ولاعبس الزمان إلي بعد تبسم
غيري جَنَى وأنا المعاقب فيكمفكأنني سبابة المتندم
وقد أخذ معنى هذا البيت أحد شعراء العصر فقال:
فإن كان ذا غيظ فإني بنانهيسيل دما من عضة المتتابع
ولابن حيوس في تركيب شارب مشروب، وظالم متظلم:
فلك الفريد وقد وجدت نظامهولي النظام وقد وجدت فريدا
حمد الورى لي ذا الثناء ومذهبيفيه فكنت الحامد المحمودا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع