من «المطرب من أشعار أهل المغرب» لابن دحية الكلبي (ت ٦٣٣هـ)
أبو عبد الله الجذامي بن أبي سعيد بن شرف الجذامي
من ولد جذام بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب ابن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. كذا نسبه أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي.
ولابن شرف مصنفات عديدة، وأوضاع مفيدة، منها: أبكار الأفكار، في سفرين، اختراع كله في الحكم والأمثال؛ والنظم والنثر؛ وكتابه المسمى بأعلام الكلام، مخترع أيضاً. وكتابه المسمى بلمح الملح؛ إلى غير ذلك.
حدثني بها جماعة لا أحصيهم كثرة، منهم: الوزير الفقيه المقري المحدث الشاعر اللغوي النحوي، المهندس الطبيب، واحد عصره، وفريد دهره، أبو بكر محم
ابن الطفيل القيسي، عن ولده العالم الرباني روضة العلم الأنف أبي الفضل
جعفر بن محمد بن شرف، صاحب الأوضاع في جميع الأنواع؛ ومنها: كتاب الزمان. عارض به كتاب كليلة ودمنة؛ وكتابه عقيل وعليم؛ وكتابه في النحو، على طريق البرهان؛ وكتابه في العروض، كشف بع عن دقائق لم يسبق إليها العروضيون. ومن النوادر جدا جدول جعله صفحة واحدة، كأنه صفحة من الزيج، يتضمن استخراج ما سئل عنه من أبيات الأعاريض كلها، سهلة كانت أو صعبة ومنها: رسالته في اللعب باللعبة التي تسمى فريسيا أي ملكة اللعب، يلعب بها كما يلعب بالشطرنج، وهي من غرائب الدهر؛ إلى غير ذلك من علمه المشهور، عند الخاصة والجمهور.
وبسندنا إلى أبي عبد الله محمد بن شرف قال: أكثر ما يكون توارد الخواطر ووقوع الاتفاق وما يقاربه، إذا طلب الشاعران أو الناثران معنى واحدا في قافية واحدة أو سجع واحد:
أمرني السلطان المعز بن باديس وأمر الحسن بن رشيق في وقت واحد أن نعمل شعرا في الموز على قافية الغين، فصنعنا للوقت، ولم يقف أحدنا على صنعة الآخر، فقلت:
يا حبَّذا الموزُ وإسعادُهمن قبل أن يَمضُغَه الماضغُ
لاَنَ إلى أن لا مَجَسّ لهفالفمُ ملآنٌ به فارغُ
سيّاِن قُلنا مأكلٌ طيّبٌفيه وإلا مشربٌ سائغُ
وقال ابن رشيق:
موزٌ سريع سوغُهمن قبل مضغِ الماضغِ
مأكَلٌه لآكلومشربٌ لسائغِ
فالفُم من لينِ بهملآنُ مثلُ فارغ
قال ابن شرف: واستخلانا المعز يوما وقال لنا: أخب أن تصنعا لي شعرا تمدحان فيه الشعر الرقيق الخفيف، ربما كان في ساقي بعض النساء، فأني أستحسنه، وقد عاب بعض الضرائر بعض من هذا فيه، وكلهن قارئات كاتبات، فأحب أن أريهن هذا، وأدعى لهن أنه قديم، لأحتج به على من عابه، وأسربه من عيب عليه. فأنفرد كل منا. وأتممنا الشعرين في الوقت.
فكان الذي صنعته أنا:
وبِلقيسةٍ زِينَتْ بشعرٍيَسِيرٍ مثلِ ما يهبُ الشحيحُ
دقيقٍ في خَدَلَّجةٍ رَداحٍخفيفٍ مثلِ جسمٍ فيه رُوح
حكى زغبَ الخدُود وكلُّ خدّبه زغبٌ فمعشوقٌ مليح
فإن يكُ صَرْحُ بلقيسٍ زُجاجافمن حَدَق العيون لها صُروح
وصنع ابن رشيق:
يعبُون بلْقِيسيّةً إذ رأوا لَهاكما قد رأى مِن تلكَ من نَصب الصَّرْحَا
وقد زادَها التَّزغيُبِ مِلْحا كمثل مايزيد خدودَ المُرد تَزْغيبُها ملْحا
فعاب السلطان على ابن رشيق قوله يعيبون بلقيسة وقال له: قد أوجدت لخصمها حجة بأن بعض الناس قد غاب هذا. وهذا نقد ما كنت فطنت له.
فهذه المقطعات التي أوردت حديثها، واستطردت باتفاقها، لو رآها من عسى أن يراها وهو لا يعلم ما جرى، لم يشك أن أحد قائليها سرق من الآخر، وكم من مظلوم برئ، نسب باتفاق خاطره وخاطر غيره إلى التلصص والإغارة، نحو ما ألفه ابن وكيع عن المتنبي في كتابه الذي سما المنصف، وهو فيه جور من قاضيي سدوم.
فمن شعر ابن شرف ما أنشدنا غير واحد، عن ولده عنه، وشعره في خمس مجلدات:
شتَّان في النُّطقَين ما بينناوبينَنَا في المَنْظَرَين اشتِباهْ
يا عجباً من حُرقات الهوىتَصعدُ نيرانا وتَجرِي مياه
وأنشدونا له في عدو قينة:
سقي الله أرضاً أنبتَت عُودكِ الذيزكّتْ منه أعراقٌ وطابتْ مَغَارِسُ
تغنّي عليه الطّيرُ والعودُ أخضرٌوغنَّت عليه الغِيدُ والعودُ يابس
وقال في مثله:
يا عودُ من أية الأشجارِ أنت فَلاجفَا ثراها ولا أغصانَها الماءُ
غنَّي القيانُ عليها وهي يابِسةٌبعدَ الحَمامِ زماناً وهي خَضراء
وقال في اجتماع البعوض والذباب والبراغيث في مجلس، مخاطب لصاحبه يستهزئ به:
لكَ مجلسٌ كملتْ بشارَتُنا بهللًّهو لكن تحتَ ذاك حديثُ
غنَّي الذّباب وظلّ يزمُر حولهفيه البعوضُ ويرقصُ البرغُوث
وأنشدونا أيضاً له:
إن تُلْقِك الغُربةُ في معشرٍتطابَقُوا فيك على بُغْضِهمْ
فدارِهم ما دمتْ في دارهموأرضهم ما دمت في أرضهم
وله:
صَنَمٌ من الكافور بات مُعانقيفي حُلَّتين تَعَفُّفٍ وتكّرم
فكَّرتُ ليلةَ وصله في صدَّهفجرتْ سوابقُ أدمعي كالعَنْدم
فطفقتُ أمسحُ مقلتي في نَحرهاإذ عادةُ الكافور إمساكُ الدَّم
وهذا شعر وطب.
وأنشدونا لابنه أبي الفضل:
وعصرُكَ مثلُ زَمَانِ الرّبيع لا تهجرُ الشّمسُ فيه الحَمَلُ
تسامَتْ عُلاك سُمو النجوموسارت أياديك سَيَر المَثَل
وقال من أبيات:
ألَمي لفقد الدّمع بعد فراقهمألمُ الجراحة بالدَّم المحصور
ومنهم:
النص من طبعة دار العلم للجميع (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع