من «المطرب من أشعار أهل المغرب» لابن دحية الكلبي (ت ٦٣٣هـ)
ذو الوزارتين أبو بكر محمد بن عمار
هو وابن زيدون فرسا رهان، ورضيعا لبان، في التصرف في فنون البيان؛ وهما كانا شاعري ذلك الزمان. وكانت ملوك الأندلس تخافه لبذاءة لسانه، وبراعة إحسانه؛ لا سيما حين اشتمل عليه السلطان المعتمد على الله وأنهضه جليساً وسميراً؛ وقدمه وزيراً ومشيراً، ثم خلع عليه خاتم الملك ووجهه أميراً، وقد كان أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً؛ فتبعته المواكب والمضارب، والنجائب والجنائب؛ وانقادت له العساكر والكتائب والجنود، وضربت خلفه الطبول ونشرت على رأسه الرايات والبنود؛ فملك مدينة تدمير، وأصبح راقي منبر وسرير؛ مع ما كان فيه من عدم السياسة وسوء التدبير. ثم انتزى على مالك
رقه، ومستوجب شكره ومستحقه. فبادر إلى عقوقه وبخس حقه؛ فتحيل المعتمد عليه، وسدد سهام المكايد إليه؛ حتى حصل في قبضته قنيصا، وأصبح لا يجد له محيصا، إلى أن قتله المعتمد في قصره ليلاً بيده، وأمر من أنزله في ملحده؛ وذلك سنة سبع وسبعين وأربعمائة.
فمن قوله الرائق، ولفظه الفائق، يمدح السلطان المعتضد بالله أبا عمرو عباد بن محمد:
أدِرِ الزُّجاجَةَ فالنّسيم قد انبرَىوالنجمُ قد صَرف العنَان عن السُّرَى
والصبحُ قد أهدَى لنا كافورَهلما استردَّ الليلُ منا العَنبرَا
والرَّوْضُ كالحَسْنَا كَساهُ زَهْرُهوَشياً وقلّده نَداهُ جَوهَرا
أو كالغَلاِم زَها بوَرْد رياضِهخَجَلاَ وتاهَ بآسهِن مُعذَّرا
روضٌ كأنّ النَّهر فيه مِعصمٌصَافٍ أطلَّ على رِدَاءِ أخضَرا
وتكلَّلت بالزَّهر صُلع هِضَابِهحتى حَسبْنا كُلّ هَضْب قَيْصرا
وتَهزُّه ريح الصَّبا فتخالُهسيفَ ابن عبّاد يُفرّق عَسْكرا
عَبَّادٌ المُخضَرُّ نائلُ كَفِّهوالجوُّ قد لَبِس الرّداَء الأغبَرا
عَلِق الزمانُ الأخطرَ المُهْدى لنَامِن ماله العلْقَ النَّفيسَ الأخطَرا
ملكٌ إذا ازدحمَ المُلوك بمَوْردِونَحاهُ لا يَرِدُون حتى يَصْدُرا
أندى على الأكبادِ من قَطْر النَّدىوألذُّ في الأجفانِ من سِنَةِ الكَرى
قَدّاح زَنِدْ المَجْد لا يَنْفَكّ عننارِ الوَغَى إلا إلى نارِ القِرىَ
يختار أنْ يَهَب الخَريدةَ كاعِباًوالطَّرْفَ اجردَ والحُسامَ مُجوهَرا
أيقنتُ أنّى من ذُراه بجَنَّةلمّا سَقَاني من نَداهُ الكوثرا
وعلمتُ حقًّا أن رَبْعَي مُخْصِبٌلمّا سألتُ به الغَمامَ المُمْطرَا
من لا تُوازِنُه الجبالُ إذا احتبَىمَن لا تُسابِقُه الرّياحُ إذا جَرى
قَاد المواكبَ كالكواكبِ فوقَهامِن لامه مِثلُ السحاب كَنَهْوَرا
من كّلِ أبيضَ قد تَقلدّ أبيضاًعَضْباً واسمرَ قد تقلدّ أسْمرا
مَلِكٌ يروقُك خَلْقُه أو خُلْقهكالرَّوض يُحْسن مَنْظراً أو مَخْبرا
وسَمعتُ باسم القَطْرِ حتى شِمْتهُفرأيتُه في بُرْدَتَيْه مُصورَّا
وجهِلتُ مَعنى الجُود حتى زُرْتهفقرأتُه في راحَتَيْه مُفَسَّرا
فاحَ النّدَى مُتعِّطرا بثَنائهحتّى حَسِبْنا كلَّ تُرْب عَنْبرا
حَسبي على الصُّنع الذي أولاهُ أنأسْعَى بشُكْرٍ أو أموتَ فأعْذَرا
عَبّادُ المَلك الذي وَصَل المُنَىمنه بَوجْهٍ مثلِ حَمْدِيَ أزْهرا
ماضٍ وصدْرُ الرُّمح يَكْهَم والظُّباتَنْبُو وأيدي الخَيل تَعْثُر في البَرَى
لا شَيء أقرأ من شِفَار حُسَامهإنْ كنتَ شَبَّهتَ المواكب أسْطُرا
السيفُ أفصحُ من زيادٍ خُطبةًفي الحَرْب إن كانت يَمينُك مِنْبرا
ما زِلْتَ تُغْنِى من عَنَا لك راجياًفَضْلاً وتُفْنِى مَن طَغَى وتَجبَّرا
حتّى حَلْلتَ من الرّياسة مَحْجرارَحْباً وضَمَّت منك طَرْفاً أحورا
شَقِيَتْ بسيفك أمّةٌ لم تَعْتمدإلا اليهود وإن تَسمّت بَرْبَرَا
أثمرْتَ رُمْحك من رؤس كُماتِهملمّا رأيتَ الغُصْنَ يُعْشَقُ مثُمِرا
وصَبغتَ دِرْعك من دماء كُلُومهملما رأيتَ الحُسن يُلْبَسُ أحمرا
وإليكَها كالرَّوض زارتهْ الصَّباوحَنا عليه الطَّلُّ حتّى نَوَّرا
نمّقتُها وَشْياً بذِكْرك مُذهَباًوفَتَقْتُها مِسْكاُ بحَمْدك أذْفَرا
مَن ذا يُتافحني وذِكُرك مَنْدلٌأورَدتُه مِن نار فِكْريَ مِجْمرا
فلئن وجدتَ نسيم حَمْديَ عاطراًفلقد وجدتُ نسِيمَ بِرِكّ أعْطَرا
قال ذو النسبين ﵁: وهذه القصيدة من غرر القصائد، ودرر القلائد؛ وكل بيت منها بيت قصيد، وواسطة سلك فريد.
وله يتغزل في مملوك رومي للمؤتمن، قد لبس درعا:
وأغيدَ مِن ظِباء الرُّومِ عاطٍبِسالِفتَيْه من دَمْعي فريدُ
قَسَا قلْباً وشَنّ عليه دِرعاًفظاهرُه وباطنُه حديد
بكيتُ وقد دَنَا ونأى رِضاهوقد يَبْكي من الطّربِ الجَليد
وإنّ فَتًى تَملَّكه بنَقْدٍوأحْرزَ رِقَّهُ لَفتىً سَعِيد
يقال: سَننت الماء بالسيّن، المهملة، وشَننته، بالشين المعجمة، فالسنّ والشّنّ: الصبّ.
وقال ابن الأنباري: سن الدرع عليه، بالسين غير معجمة: صبها.
وأهدى الناس في يوم عيد إلى السلطان المعتمد على الله أبي القاسم محمد بن عباد، مما يهدى للملوك في الأعياد، فاقتصر على ثوب صوف بحري أصفر، وكتب معه:
لما رأيتُ النّاسَ يْحتفلون فيإهداءِ يومك جِئتُه من بابِهِ
فبعثتُ نحوَ الشّمس شِبهْ إهابهاوكسوتُ مَتْن البحر بعضَ ثيابه
وله يعتذر من وداعه للسلطان أبي يحيى محمد بن معن بن صمادح.
أمُعتصماً بالله والحربُ ترتَميبأبطالها والخيلُ بالخيل تَلْتَقي
دَعتْني المطَايا للترحيل وإنّنيلأفْرَقَ من ذكر النَّوى والتّفرُّق
وإنّي إذا غرَّبتُ عنك فإنماجَبينُك شَمسِي والمَرِيّةُ مَشْرقي
وكتب إليه المعتصم بالله ثلاثة أبيات في العتاب:
وزهَّدنِي في النّاس مَعْرفتِي بهموطُولُ اختبارِي صاحباً بعد صاحب
فلم تُرِني الأيام خِلاً تَسُّرنيبواديه إلا ساءني في العَواقب
ولا صِرْتُ أرجوهُ لدَفْع مُلمَّةٍمن الدّهر إلا كان إحدى النّوائب
فأجابه ابن عمار:
فديتُك لا تَزْهدْ فثَمَّ بقيةٌستَرْغب فيها عند وَقْع التجاربِ
وأبقِ على الخُلْصَان إنّ لديهمُعلى البَدْءِ كَرَّاتٍ بحُسن العَواقب
تكنَّفْتَني بالنّظم والنثّر جاهداًوسُقتَ علىّ القَولَ من كلّ جانب
وقد كان لي - لو شئتُ - ردٌّ وإنَّماأجرَّ لِساني بعضُ تلك المواهب
ولابدّ من شَكْوَى ولو بتنفُّسٍيُخفّف من حرّ الحَشَا والتّرائب
كتبتَ على رَسمْي وبعد نَسيئةقرأتُ جوابي من سطور المواكب
ثلاثة أبيات - وهيهاتَ - إنَّمابعثتَ إلى حَربي ثلاثَ كتائب
وكيف يَلذُّ العيش في عَتْب سيِّدٍوما لذَّ لي يوماً على عَتْبِ صاحبِ
وقبلُ جَرَتْ عن بعض كُتْبَي جَفوةٌألحتَّ على وجهْي بغَمْز الحواجب
وما كنتُ مُرتاداً ولكن لنُفْحةتعَّودتُ من رَيحان تلك الضَّرائب
سلكتُ سَبِيلي للزّيارة إثرهافقابلتُ دَفْعاً في صُدور الرّكائب
ولو لمعتْ لي من سمائك بضرْقةٌركبتُ إلى مَغْناكَ هُوجَ السّحائِب
فقبَّلتُ من يُمناك أعذبَ مَشْرَعٍوقضَّيتُ من رُؤياك أوْكد واجب
وأبْتث خفيفَ الظَّهر إلا من النَّدىوخلفَّتَ للعَافي ثِقَالَ الحَقائب
سِواكَ يَعِي قولَ الوُشاة من العدَاوغيرُك يَقْضي بالظُّنون الكَواذب
واجتاز على أكرم أهل زمانه، واعلم وقته وأوانه؛ الوزير الكاتب السمي المراتب، أبي محمد بن القاسم الفهري؛ فما عرج عليه، فعاتبه الوزير أبو محمد على إساءته في ذلك غليه، فكتب إليه أبياتا أمر بعض خواصه أن ينثرها بين يديه:
لم يَثْنِ عنك عِنَاني سَلوْةٌ خَطَرتعلى فُؤادي ولا سَمْعي ولا بَصْرِي
وقَصْرُك البيتُ لو أنّي قَضيتُ بهحَجِّي وكفُّك منهُ موضعُ الحجر
لكنْ عدتْنَي عنكُم خَجلةٌ سلَفَتكَفانِيَ القولُ فيها قولُ مُعتذِر:
لو اختصرتُم من الإحسانُ زُرْتكُموالعذْبُ يُهجر للأفْراط في الخَصَر
وشعره مدون كثير، وقد ذكرنا منه ما اقتضاه التخيير.
النص من طبعة دار العلم للجميع (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع