من «المطرب من أشعار أهل المغرب» لابن دحية الكلبي (ت ٦٣٣هـ)
أبو الوليد بن زيدون المخزومي
أحمد بن عبد الله بن أحمد
فمن قصائده التي ضربت في الإبداع بسهم، وطلعت في كل خاطر ووهم، ونزعت منزعاً قصر عنه حبيب وابن الجهم:
أضحى التنائي بَديلاً من تَدانيناوناب عن طِيب لُقْيانا تَجافينَا
بِتْمُ وبِنِّا فما ابتلَّت جوانحُناشَوْقاُ إليكم ولا جَفَّت مآقينا
تكاد حين تُناجيكم ضمائُرنايَقْضي علينا الأسَى لولا تأسِّينا
حالتْ لفقدكُمُ أيّامُنا فغَدتْسُوداً وكانتْ بكُم بيضاً لَيالينا
إذ جانبُ العَيْشِ طَلْقٌ من تألِّفناومَوْرد اللَّهو صافٍ من تَصافِينا
وإذ هَصَرنا غُصون الأنس دانيةًقُطوفُها فجنينَا منه ماشِينَا
لِيُسق عهدُكُم عهدُ السرور فماكُنتم لأرواحِنا إلاّ رياحِينا
مَن مُبْلغُ المُلبِثينَ بانتزاحِهمُحُزناً مع الدّهرِ لا يَبلى ويُبْلينا
أنّ الزّمان الذي ما زال يُضحكناأنساً بقُربهمُ قد عادَ يُبكينا
غيظَ العِدَا من تَساقينا الهوَى فدعَوْابأنْ نَغَصَّ فقالَ الدهرُ آمينا
وبات ليلة بإحدى جنات إشبيلية فقال:
وليلٍ أدمْنا فيه شُربَ مُدامةٍإلى أنْ بدَا للِصُّبح في اللَّيل تأشيرُ
وجاَءت نُجومُ اللَّيل تَضربُ في الدُّجىفولّت نُجومُ اللّيلِ واللّيلُ مَقْهور
فَجُزْنَا من اللَّذات أطْيبَ طِيبهاولم يْعرُنَا هَمٌ ولا عاق تَكْدير
خَلا أنّه لو طالَ دامتْ مَسرَّتيولكنْ ليالي الدّهِر فيهنَّ تقصير
ومن قوله:
بيني وبينَك ما لو شئتَ لم يَضِعِسِرٌّ إذَا ذَاعت الأسرار لم يَذعِ
يا بائعا حظَّه منّي ولو بُذلتلِيَ الحياةُ بحظي منك لم أبعِ
حَسْبي بأنّك إنْ حَمَّلت قلبيَ مالا تَستطيع قُلوبُ الناس يَستطِع
تِهْ احتمِلْ، واستَطل أصْبرْ، وعِزَّأهُنْوَوَلِ أقبِلْ، وقُل أسمِعْ، ومُرْ أطع
هذا أحسن ما قيل في هذا الباب، لما فيه من ذكر الجواب لكل حرف من حروف الأمر، وخلو بيت أبي الطيب المتنبي:
أقِل أنِل اقْطع احْمِل عَلِّ سَلِّ أعِدْزِدْ هَشَّ بَشَّ تَفضَّلْ ادْنُ سُرَّصيل
ولبعض أهل ذلك العصر، وهو أقل تكلفا وأيسر تعسفا:
فَدُم وابِقَ واسلَم واستطلْ عزَّةً وصِلِوسُدْ وارْقَ واغْنَم واستزِدْ رفعةً واسْمُ
فلن يَتنافَى اثنانِ رأيُك والنُّهيولن يتَلاقى اثنان فعلُك والذَّمُ
ولأبي الفرج الأصبهاني مؤلف كتاب الأغاني:
يا فرحةَ الهِّم بعد اليأسِ من فرجٍيا فرحةَ الأمن بعد الرَّوع والوهَلَ
اسلَم ودُمْ وابقَ واملك وانمُ واسمُ وزِدوأعْطِ وامْنَع وضُر وانْفَع وصِل وَصُلِ
وكان الأصل في ذلك قول أبي العميثل في عبد الله بن طاهر، ذي اليمينين:
يا من يُحاول أن تكونَ صِفاتُهكخِصال عبد الله أنْصِتْ واسمعِ
أصدُق وعِفَّ وَجُد وأنصفْ واحْتَمِلواصفَح وكافِ ودَارِ واحلُم واشْجُع
وكان مجلس ذي الوزارتين أبي الوليد بن زيدون منحطاً عن مجلس السلطان المعتمد على الله أبي القاسم محمد، ابن السلطان أبي عمرو عباد، في القعود لإنقاذ أوامر أبيه، إذ كان لما هاجر إليه من قرطبة تلقاه بأعلى المحل، وعول عليه في العقد والحل، فكتب إليه المعتمد:
أيُّها المنحُّط عني مجلساًولَه في النَّفسِ أعلى مَجْلسِ
بِفؤداي لك حبٌ يقتضيأن تُرى تُحملُ فوق الأرؤُسِ
فراجعه ابن زيدون:
أسقيطُ الطلِّ فوق النَّرجِسأم نَسيمُ الرَّوض تحت الجِنْدسِ
أم قريضٌ جاءني عن ملكمالك بالبِّر رِقَّ الأنفس
يا جمالَ الموكب الغادِي إذاسارَ فيه يا بهاَء المجلسِ
شرُفَتْ بِكْرُ المعالي خِطبةًبكَ فانْعم بسرُور المَغْرس
وارتشفْ مَعْسُول ثغرٍ أشتنبٍتَجتنيه من مُجَاج اللُّعس
واغتبق بالسَّعد في دَسْت المُنَىيصبحُ الصّنعِ دهاق الأكؤُسِ
فاعتراضُ الدّهر فيما شِئتَهمرتَقًى في صَدره لم يَهْجس
وكان ابن زيدون زعيم الوزراء القرطبية، ونشأة دولتها السنية؛ حتى صار ملهج لسانها، وحل من عينها مكان إنسانها. وكان بينه وبين رئيسها الحسيب أبي الحزم ابن جهور ائتلاف الفرقدين، واتصال الأذن بالعين؛ فلما صار تدبير ملك قرطبة إليه، ومدار أمرها عليه؛ طلب ابن زيدون طلباً أصاره إلى الاعتقال؛ وقصره عن
الوخد والإرقال؛ وكان له فيه أمداح بهرت بنظامها، وظهرت كالبدور عند تمامها. فكتب إليه:
بَني جَهورٍ انتُمْ سماءُ رياسةٍمَنَاقبكم في أفْقها انجمٌ زُهْرُ
طريقتكُم مُثْلَى وهديُكُم رِضاًومَذهبُكم قَصْدٌ ونالمكم غَمْر
عطاءٌ ولا مَنٌ وحُكْمٌ ولا هَوىًوحِلْم ولا عَجز وعزّ ولا كبْرُ
وقال في أبي الحزم بن جهور حين حبسه:
بني جَهورٍ أحرقُتُم بجفائكمضمِيري فما بالُ المَدائح تَعْبَقُ
تعدّونني كالعَنْبِر الوَرْد إنماتَطيب لكم أنفاسُه حين يُحْرَق
ثم كتب إليه:
قُل للوزير وقد قَطعتُ بمَدْحهعُمري فكان السِّجن منه ثَوابي
لم تَعْدُ في أمري الصّوابَ مُوفَّقاًهذا جزاء الشَّاعِر الكذَّابِ
ثم إنه أعمل لنفسه في الخلاص من سجنه حيلا، واتخذ الليل للهرب جملا. فقطع في ليلة واحدة ما بين قرطبة وإشبيلية من المفاوز والمراحل، ومسافتها ثلاثة أيام لو أخذت الرواحل. ولما اتصل خبر وصوله بأبي عمرو عباد، وهو يومئذ سلطان تلك البلاد؛ تلقاه في جماعة من جماهير الكماة، ومشاهير العلماء والقضاة؛ فألقى مقاليد وزارته وجميع أمور دولته إليه، وأفاض الحلع والسوابغ عليه.
النص من طبعة دار العلم للجميع (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع