تجاوز إلى المحتوى

من «المطرب من أشعار أهل المغرب» لابن دحية الكلبي (ت ٦٣٣هـ)

ابن شهيد

أبو عامر أحمد بن السادة الوزراء:

أبي مروان عبد الملك بن مروان بن ذي الوزارتين الأعلى أحمد بن عبد الملك ابن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد أشجعي النسب، من ولد الوضاح بن رزاح الذي كان مع الضحاك بن قيس الفهري يوم مرج راهط.

وأبو عامر هذا أرسخ أهل الأندلس قاطبة بالأدب، ينسل إليه من كل حدب؛ ولم ير لنفسه في البلاغة أحداً يجاريه، ويساجله في جميع العلوم ويباريه، وأما الكرم فلا يقاربه فيه أحد من أهل بلده ولا يدانيه.

ومن أخباره العظيمة، ومناقبه الكريمة، ما حدثني به الفقيه العالم المحدث النحوي القاضي بمدينة غرناطة وأعمالها، أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي، ﵀، قال: حدثنا الوزير أبو عامر محمد بن أحمد بن عمر السالمي، قال: حدثنا الشيخ أبو عبد الله بن الصفار قال:

كان رجل من أهل طليطلة ذا محل شريف، ومكان عال منيف؛ فنبا به الوطن، وخانه على معهوده الزمن؛ فأتى إلى قرطبة رث الحال، منبت الحبال؛ لا يملك

فتيلا، ولا يدرك كثيرا ولا قليلا؛ فأنزل عياله في أحد الفنادق

وخرج يلتمس حراً يستجديه، وفاضلا يستهديه. فأرشد إلى أبي عامر بن شهيد، فكتب إليه كتابا يعرب عن فضل أدب، وكريم نسب. فقال للرافع له: ما زي هذا الرجل ولبسه؟ وكيف همته ونفسه؟. فأعلمه بما بدا من حاله؛ وظهر من اختلاله، فأمر بدخوله. فلما أدناه أبو عامر وقربه، ورتب له من البر والإكرام ما رتبه؛ ثم إنه أسر إلى وكيله بكلام لم يدره الرجل، إذ كان حائرا قد اكتنفه الخجل. ثم أمر أن يدخل في الحمام، ويحتفل في البر به والإكرام. فلما خرج منه ألفى سبنية بثياب أعدت له فلبسها، وأعيد إلى دار ابن شهيد، ووافق ذلك اليوم دعوة له لبعض القوم، فمكث الرجل وهو معلق البال، بمن تركه هنالك من العيال؛ فلما انتظم الأصحاب، وقدم الطعام والشراب، دخل الرجل مدخلهم في ذلك المأنس، وأخذ مكانه من المجلس؛ وأبو عامر بن شهيد يؤثر مكانه، ويدعو إلى بره إخوانه. فمكث الرجل بين فرح وترح، طورا ممتد الأنس، وتارة مكدر النفس. فلما كان عشي اليوم الثاني خرج الرجل وقد قُدم له مركب سار عليه، وغلام بشمعة بين يديه؛ إلى أن أدى به إلى هذه الدار، وهي مشهورة بقرطبة إلى الآن بين جميع الديار. فقال: أنزل يا مولاي. قال الرجل: ليست هذه داري، وإنما نزلت في الفندق الفلاني. فقال الغلام: بل هي دارك، أعطاكها سيدي، وأنا والدابة لك فأخرس الرجل ودخل الدار، فوجدها قد ملئت نعماً كثيرة، وفرشا وثيرة؛ وعياله في منضد تلك المجالس، قد أفرغت عليهن أفخر الملابس؛ وقد ملئت خزائنها بما يملأ العيون قرة، والقلوب مسرة.

ولهذا الوزير كتب كثيرة الهزل والجد، بعيدة عن الحصر والعد. منها كتاب التوابع والزوابع، وكتاب حانوت العطار، وكتاب كشف الدك وإيضاح الشك وقال حافظ أهل زمانه الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، في رسالته

في فضل الأندلس، مفتخراً به: ولنا من البلغاء أحمد ابن عبد الملك بن شهيد، صديقنا وصاحبنا، وهو حي لم يبلغ بعد سن الاكتهال. وله من التصرف في وجوه البلاغة وشعابها مقدار يكاد ينطق فيه بلسان مركب من لساني عمرو وسهل وتوفي ﵀ ضحى يوم الجمعة آخر يوم من جمادى الأولى سنة ست وعشرين وأربعمائة بقرطبة؛ ودفن يوم السبت ثاني يوم وفاته في مقبرة أم سلمة؛ وصلى عليه رئيس قرطبة أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور الكلبي. ومولده سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة، ولم يعقب. وانقرض عقب الوزير أبيه بموته. وكان جواداً لا يليق شيئا، ولا يأسى على فائت، عزيز النفس. ومن شعره الدال على كرمه وفخره:

ألِمْتُ بالحُبّ حتى لو دَنَا أجَلِيلَمَا وجدتُ لطعم الموتِ من ألمَ
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
وزادني كرِمَي عمَّن ولِهْتُ بهويْليِ من الحبِّ أو ويْليِ من الكرم

وقال:

كتبتُ لَها أنَّني عاشقٌعلى مُهْرَقِ الكَتْم بالناظر
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
فردّتْ علىّ جوابَ الهَوىبأحورَ في مائه حائر
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
منعَّمةٌ نَطقتْ بالجُفونفدلَّت على دقَّة الخاطر
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
كانّ فؤاديَ إذ أعرضتْتَعلَّق في مِخْلَبَيْ طائر

وقوله:

وتَدرِي سِباعُ الطَّير أنًّ كُماتَهإذا لَقيتْ صِيدَ الكُماةِ سِباعُ
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
تَطير جِياعاً فوقَه وتَرُّدهاظُباهُ إلى الأوكارِ وهي شِباع
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة

قال ذو النسبين، ﵁: هذا المعنى قد سبقه إليه مروان بن أبي الجنوب فقال: يمدح المعتصم:

لا تَشبع الطّيرُ إلاّ في وقَائعهفأينما سَارَ سارت خلفه زُمرَا
عوارفاً أنه في كُلّ مُعتركٍلا يُغمد السَّيفَ حتّى يُكثِرَ الجَزَرا

الجزر، بفتح الجيم والزاي: الشاء المذبح؛ والواحدة: جزرة. قاله أبو علي في البارع: وأراد به الشاعر ها هنا كثرة القتلى. وهذا مأخوذ من قول أبي نواس:

تتأيَّا الطَّيرُ غُدوتَهثِقةً بالشِّبع من جَزَره
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيها المنتاب عن عفره»

وأخذه مسلم بن الوليد فقال:

قد عَوَّد الطيرَ عاداتٍ وَثِقْنَ بهافهنّ يَتْبَعْنَه في كُل مُرْتَحِل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»

وأخذه أبو تمام فقال:

وقد ظُلّلت عِقْبانُ أعلامه ضُحًىبعِقْبان طَيْرٍ في الدّماءِ نَواهلِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «غدا الملك معمور الحمى والمنازل»
أقامتْ مع الرّاياتِ حتى كأنَّهامن الجَيْش إلاَّ أنَّها لم تُقَاتل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «غدا الملك معمور الحمى والمنازل»

وكلهم قصر عن النابغة الذبياني في قوله:

إذا ما غَزَوا بالجَيْش حَلَّق فوقهمعَصائبُ طَيْرٍ تَهتدي بعَصائب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهمٍ ، يا أميمة َ ، ناصبِ ،»
جَوانحَ قد أيقنَّ أنَّ قَبِيلَهإذا ما التَقى الجْمَعان أولُ غالب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»
لهنَّ عليه عادةٌ قد عَرَفْنهاإذا عُرِّضَ الخَطُّىُّ فوق الكَواثب

وإنما قلنا إنهم قصروا عن النابغة لأنه زاد في المعنى واحسن التركيب. ودل على أن الطير إنما أكلت أعداء الممدوح. وكلامهم كلهم مشترك محتمل ضد ما نواه الشاعر. وإن كان أبو تمام قد زاده في المعنى على أن الطير إذا شبعت ما تسأل أي القبيلين الغالب. وقد أحسن أبو الطيب المتنبي في قوله:

له عَسْكرَا خَيْلٍ وطَيرٍ إذَا رمَىبها عسكراً لم يَبق إلا جَمَاجِمُه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

ويتوجه عليه أن هذه الطير لأي معنى عافت الجماجم، دون عظام السوق والأذرع وغيرها من الأعضاء. وقد اخذ منهم بكر بن النطاح فقال:

وتَرى السباعَ معَ الجوَارحِ فوق عَسْكرنا جَوانحْ
ثقةً بأنَّا لا نَزالُ نُمِير ساغَبِها الذبائح
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة

ساغبها: جائعها، والسغب: الجوع.

ولو تتبعنا جميع ما نظمه الشعراء في هذا الباب، لأتى على اكثر الكتاب.

وقال أبو عامر بن شهيد:

ولمّا تَملاَّ مِن سُكْرهفَنَام ونَامت عُيون العَسَسْ
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
دنوتُ إليه على بُعدهدُنُوَّ رفيق دَرى ما التَمس
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
أدبُّ إليه دبيبَ الكَرىوأسمو إليه سُمَّو النَّفس
للشاعر ابن شُهَيد، اقرأ القصيدة
وبتذُ به ليلتي ناعماًإلى أن تَبسَّم ثغرُ الغلس
أقبّل منه بَياض الطُّلاوأرشفُ منه سَوادَ الَّلعَس

ومنهم شاعر قرطبة وزعيمها، ونخبة بني مخزوم وضميمها، ذو الوزارتين:

النص من طبعة دار العلم للجميع (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المطرب من أشعار أهل المغرب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.