من «المطرب من أشعار أهل المغرب» لابن دحية الكلبي (ت ٦٣٣هـ)
أبو جعفر أحمد بن محمد البتي
إلا انه كان خبيث اللسان، ما كف هجوه عن إنسان، ما برح مدة حياته منتزحا عن الأوطان، خائفاً مترقباً من السلطان؛ لما شهد به الناس عليه، ونسبوه إليه؛ من الزندقة والإلحاد، وإنكار حشر الأجساد؛ وانكبابه على الاشتغال بكتب ابن سينا وانكفافه، وميله عن الكتاب والسنة وانحرافه؛ وقد وجد هالكا في حفرة تتمزق فيها اللحام والجلود، وتنهشها الحشرات العابثة والدود، ويتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيتوب ولا مرجع إلى الدنيا ولا مردود.
فمن مليح ما حدثنا عنه، وسمعه أشياخنا منه؛ أنه ساقته يوماً سوائق الأقدار، في بعض الأسفار؛ وقد ولى شباب النهار؛ إلى خان بمغيلة من أنظار فاس، تأوي إليه الغرباء من الناس؛ فتبوأ من بيوته أحرجها، وأهجنها وأسمجها. وكان من معاصريه الأستاذ
أبو بكر اليكي وكان مثله في أخذ الأعراض والهجاء، والتقدم بين فرسان تلك الهيجاء؛ وكل واحد منهما على لقاء صاحبه حريص، بيد أن ماله عن ملازمة مركزه محيص. فبينما ابن البتي جالس بذلك البيت وقد انسدلت ستور الظلام، وهمعت دموع الغمام؛ إذ هجم عليه لتوقي المطر رجل فسلم وجلس،
وأذكى الخاني القبس، فقال أبو بكر اليكي:
وقِنديلٍ كأنّ الضوَء منهمُحيَّا من أحِبُّ إذا تَجلَّى
فأجابه أبو جعفر بن البتي بقوله:
أشار إلى الدُّجى بلسان أفعىفشَمَّر ذَيلَه فَرَقاً ووَلَّى
فقال: أنت البتي! فقال: أنت اليكي! فتعانقا وباتا يقتطفان ثمر السمر، إلى أن غارت النجوم وغاب وجه القمر.
ومن شعراء المعتصم بالله أبي يحيى محمد بن معن بن أبي يحيى محمد بن صمادح التجيبي، صاحب مدينة المرية وأعمالها السنية: الأديب
النص من طبعة دار العلم للجميع (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع