من «المطرب من أشعار أهل المغرب» لابن دحية الكلبي (ت ٦٣٣هـ)
أبو الحسن ابن الزقاق علي بن عطية بن الزقاق
وقد حدثني بديوانه، جماعة من أخدانه. منهم الأديب الوزير، أبو بكر يحيى ابن محمد الأنصاري الأركشي، أتحفه الله برداء عرفانه،. فمن بديع شعره ومنظوم دره قوله:
لعمرُ أبيهَا ما نكثتُ لها عَهْدَاولا فارقتْ عَيني لفُرقتها السُّهْدَا
أتأمرني سُعدي بأن أهجرَ الكَرىوأعصِي على طَوْعِي لأجفانِها سُعدي
بَرئتُ إذا من صُحبة الرّكب والسُّرىولا عَرفَت إبْلى ذَميلا ولا وخْدا
وليلٍ طرقتُ الخِدْرَ فيه وللدُّجىعُبَابٌ تَراهُ بالكواكِبِ مُزْبِدا
أجاذبُ عِطْفَ الملكيّة تَحتهوأسحبُ من ضافي العفاف به بُردا
نعمتُ بها واللّيلُ أسودُ فاحمٌيغازل منها الأسودَ الفاحِم الجَعْدا
فلم أرَ أشهَى من لَمَاهَا مُدامةولم أر أذكى من تَنُّفسِها نَدَّا
تبسَّمُ عمّا قُلّدتْه فأجتَلىبمْبَسمِها دُرّا ولَبَّتها عِقْدا
ويَعبقُ ريَّاها إذا هَّبت الصَّبافيحملُ عنها نشُرها العنبَر الوَرْدا
سلِ الرّيحَ عن نَجد تخبِّرْك أنَّهامعطَّرةُ الأنفاس مذ سكَنت نَجْدا
وأنّ الغَضا والسِّدر مُذ جَاوَرتهمابطيب شذَاها أشبَها البانَ والرَّندا
وله في غلام يكسف نور البدر إذا طلع نور طلعته، وقد رمي بحجر فأنشق شقيق وجنته:
وأحْوى رُمِي عن قِسيِّ الحَوَرْسِهاماً يفُوِّقهنّ النَّظَرْ
يقولون وَجْنته قُسِّمتورَسْمُ محاسنه قد دَثر
وما شّق وجنَتَه عابثٌولكنّها آيةٌ للبشر
جلاهَا لنا الله كيما نَرىبها كيف كان انشقَاقُ القمرِ
وله في خود مهتصر الخصر، خدلجة المعصم والساق، تطالع من طلعتها مقاتل الفرسان ومصارع العشاق:
وخَودٍ ضَّمِ مِئَزُرها كَثِيباًيُهالُ وبُردُها غُصناً يَراحُ
لها قُلُبٌ أبي النُّطَق اكتتاماًوسُّر نِطاقِها أبداً مُبَاحُ
وقد أمرتْهُما بالكَتْمِ لكنأطاعَ سوِارُها وعصَى الوشاحُ
وله في ساق كأنما اعتصر من خده ما بيمينه، وأطلع في مشرق كأسه ما أشرق من جبينه:
وساقٍ يحثُّ الكأس وهي كأنَّماتلألأ منها مثلُ ضوءِ جبينِهِ
سقاني بها صرفَ الحُمَّيا عشيَّةًوثَنَّى بأخرى من رَحيق جُفُونه
هضيمُ الحشا ذو وَجْنةٍ عَندميّةتُريك قِطاف الورد في غير حِينه
فأسرب من يُمناه ما فوق خدّهوألثَم من خدّيه ما بيمينه
وله في محبوبة له، ودعها واستودعها قلبه، فاستصحبته معها:
أأنْدبُ رَسْمَ دَارِهُم المَحيلاَوأسأل عنهم الرّيحَ البليلاَ
وبِي هيفاءُ من ظَبْيات نجدتُضَاهِي الغُصن والحِقْفَ المَهِيلاَ
أقول وقد تَوارت يومَ حَزْوَيبِكلَّتها وأشغَفَتِ الحُمولاَ
كرْهِت بأن يَنالكِ لحظُ عَينيفكيف رَضِيتِ أحشائي مَقبلاَ
وقال أيضا:
بأبِي وغيرِ أبِي أغنُّ مُهفهفٌمَهضومُ ما خَلْفَ الوشاحِ خَميصُهُ
لبسَ الفؤادَ ومزَّقتْه جُفُونهفَأتى كيُوسفَ حين قُدَّ قميصُه
وله في الإشارة إلى دقة الخصر:
وآنسةٍ زَارتْ مع اللَّيل مَضجَعِيفعانقتُ غُصنَ البان منها إلى الفَجْرِ
أسائلُها أين الوِشاحُ وقد سَرتمُعطَّلَةً منه معطَّرةَ النَّشْر
فقالت وأومتْ للسِّوار نَقَلْتُهإلى مِعْصمي لما تقَلْقَل في خَصْري
قال ذو النسبين ﵁: ومن مليح ما سمعت في دقة الخصر ما أنشدنيه صاحبنا الفقيه القاضي الأديب أبو حفص عمر بن عبد الله بن عمر السلمي لنفسه:
لها رِدْفٌ تعلَّق من ضَعيفٍوذاك الرّدفُ لي ولها ظَلُومُ
يُعذِّبني إذا فكرتُ فيهويُتعبُها إذا رامَتْ تَقُوم
رجعنا إلى شعر الأديب أبي الحسن علي بنم عطية بن الزقاق:
ومرتَجّةِ الأعطافِ أمّا قَوامُهافلَدْنٌ وأمَّا رِدْفُها فَرَداحُ
ألّمت فباتَ اللّيلُ من قِصَرٍ بهايَطير ولا غيرُ السّرور جَناح
وبِتُّ وقد زارت بأنعَم ليلةٍتُعانقني حتى الصّباح صباحُ
على عاتِقي من ساعدَيْها حَمائلٌوفي خَصْرها من ساعديَّ وشَاح
وله أيضا:
سَقْتنِي بيمُناها وفيها فَلَمْ يزلْيُجاذِبُني من ذا ومن هذه سُكْرُ
ترشّفتُ فاهَا إذ ترشَّفتُ كأسَهافلا والهوى لم أدر أيُّهما الخَمر
وله:
عذِيريَ من هَضِيم الكَشْح أحْوَىرَخيمِ الدّلِ قد لَبِس الشَّبابَا
أعدّ الهجْر هاجرةً لقَلْبيوصَيّر وعدَه فيها سَرابا
وله:
وعشيّةٍ لَبِستْ رداَء شَقيقِتُزهَي بلونٍ للخُدود أنيقِ
أبقتْ بها الشَّمسُ المُنيرةُ مثلَ ماأبقى الحياءُ بوَجْنة المَعشوقِ
لو أستطيع شربتُها كَلِفاً بهاوعدَلتُ فيهات عن كُئوِس رَحيق
وله:
كتبتُ ولو أنَّني أستطيع لإجلال قدرك دُون البَشْر
قَددْتُ اليراعةَ من أفُليوكان المِدادُ سوادَ البَصَر
وله:
وحبَّبَ يومَ السّبت عنديَ أنَّهينادُمنِي فيه الذي أنا أحْبَبْتُ
ومِن اعجب الأشياء أنّيَ مُسلٌمحَنيفٌ ولكنْ خير أيّامَي السّبتُ
وله:
ومُقلةِ شادِنٍ أودتُ بنَفْسِيكأنَّ السُّقْمَ لي ولها لِباسُ
يَسُلّ اللحظُ منها مَشْرفيًّالِقتْلى ثم يُغمده النُّعاسُ
وله:
وقفتُ على الرُّبوع ولي حَنينٌلساكنهنّ ليسَ إلى الرُّبوعِ
ولو أنّي حَنَنْتُ إلى مَغانيأحبَّائي حننُت إلى ضُلوعي
وله:
يا ثاوياً بضُلوِعي ما يُفارقُهاوإنْ تَحمّل عن أكنافِ أربُعهِ
لأنتَ إنسانُ عَيني فأعجبَّن لمنْإنسانُ مُقلته ما بين أضلُعه
وله:
رقَّ النَّسيمُ وراق الرّوضُ بالزَّهَرِفَنِّبه الكأسَ والإبريق بالوتَرِ
ما العيشُ إلا اصطباحُ الرّاحِ أو شَنبٍيُغني عن الرّاحِ من سَلسالِ ذي أشُر
قُل للكواكب غُضّي للكَرى مُقلافأعين الزُّهر أولى منك بالسَّهر
وللصَّباحِ ألا فانشُر رداَء سناًهذا الدُّجى قد طَوتْه راحةُ السَّحر
وقام بالقهوة الصهباءِ ذو هَيَفٍيكادُ مِعْطَفُه يَنقدّ بالنَّظر
تطفُو عليها إذا ما شَجَّها دُررٌتخالُها اختُلِستْ من ثغرهِ الخَصِر
والكأسُ في كفّه بالرّاح مُترعةٌكهالة أحدقَت في الأفْق بالقَمر
وله في صفة فرس أغر:
وأغرَّ مَصقوِل الأديم تخالُهبرقاً إذا جَمع العِتَاقَ رِهانُ
يطأ الثّرى متبختراً فكأَنَّهمن لَحْظ من في مَتْنه نَشوان
فكأنَّ بدر التِّمِّ فوق سَراتهحُسناً وبين جُفونه كِيوان
وله:
يا ضياَء الصُّبح تحت الغَبَشأطرازٌ فوق خدَّيك وُشىِ
أم رياضٌ دبَّجتها مُزنةٌوبدا الصُّدْغ بها كالحَنَش
لستُ أدري أسهامُ اللّحظ مَاأتَّقِى أم لدغُ ذاك الأرقش
بأبي منك قِسِيٌّ لم تَزَلرامياتٍ أسْمهمًا لم تَطِشِ
رشَقَتْ قلباً خَفوقاً يلتِظىكَضِرامٍ بيدَيْ مُرْتَعِش
رُبَّ ليل بِتُّه ذا أرَقٍليس إلا من قَتَادٍ فُرُشي
سابحًا في لُجج الدَّمع ولكنَّني أشكُو غَليل العطَش
وبُروقُ اللّيل في أسْدافهكسُيوفٍ بأكفّ الحَبَش
وسماءُ الله تُبدِي قَمراواضحَ الغُرة كابن القُرشي
ليس فرقٌ في السَّنا بينهماوالبَها إن طلَعا في غَبش
غير أنّ الأفْقَ مغمورٌ بذاوبذا حومةُ باب الحنش
وهو أحد أبواب بلنسية، وهي مطيب الأندلس، وفيها يقول:
بلنسيةٌ إذا فكّرتَ فيهاوفي آياتها أسنَى البلادِ
وأعظمُ شاهدي منها عليهابأنَّ جَمَالَها للعَين بادي
كساها ربُّنا ديباجَ حُسنله عَلَمان من بحر وواد
وأنشدني سلطانها - كان - أبو عبد الملك مروان بن عبد الله بن عبد العزيز:
كأن بلنسيةُ كاعبٌوملبسُها السّندس الأخضرُ
إذا جئتَها سَترت نفسهابأكمامها فهي لا تَظْهَر
وهذه تورية مليحة، فإن الأكمام ها هنا أكمام الأزهار والأشجار.
ولأبي الحسن بن الزقاق أيضا، وهو في الرقة يمتزج بالنسيم، ويعد في أنواع البديع من نوع مليح التقسيم:
تضوعن أنفاساً وأشرقْن أوجهاًفهّن منيراتُ الصِفاحَ بَواسمُ
لئن كُنّ زُهْراً فالجوانح أبرُجٌوإن كنّ زهَراً فالقُلوب كمائم
وأنشدني جماعة من شيوخي، منهم سيدي أبي الفقيه الفضل أبو علي حسن ابن علي، وشاعر المغرب الأقصى ومفخرة في صناعة المحاكاة والتخييل أبو عبد الله محمد بن حسين بن حبوس، قالا: أنشدنا الوزير أبو عامر بن الحمارة:
لله يومٌ كان فيه مُنادِميوجهُ الحبيب وزهرةُ البستانِ
صرعتنَي الّلّذاتُ فيه مَصارعاًما شئتَ من رَوح ومن رَيحان
يا صاحبيَّ تَمتَّعا من ساعةشُغِل الزَّمان بها عن الحدَثَان
وله:
لو كنتُ آملُ أن ألقاك في الحُلمُلما قَرعتُ عليك السِّنَّ من نَدمِ
يَحمي وصالكَ أعداءُ لهم رَصَدٌويصرفُ الطَّيفَ أنِّي بتُّ لم أنَم
يا مُرسلاً سَهْمَ عينيه ليقتُلنَيمن ذا أباحَ لذاك اللحظِ سفكَ دمي
وله وقد أهدت إليه امرأة موصوفة بالجمال مسكاً:
أتانا فَتِيتُ المسك يَعْبَق عَرْفُهويُثنى على ذاك النَّدى والتَّكَرُّمِ
فأشعَرني رَيَّا حَبيبٍ أعيرُهعلى رِقْبةٍ لَحظَ المَشوق المتيَّم
فو الله لولا أن تقول لِي المُنَىوراءكَ لا تَقْدَم على غير مَقْدَم
لحدَّثْت نفسي عند ذلك أننيأشَمُّ الذي ما بين عينيك والفم
وأهدت إِليه أخرى تُفّاحة فقال:
بعثتْ إِلىّ كخدّها تُفّاحةًوكطَعمِ ريقتها رَحيقاً سَلْسلاَ
فصرفتُ وجهي عنهُما ولقد أَرىمُترشَّفاً عَذْبَ الجَنى ومُقبَّلا
كي لا يَغَار على الحبيب حبيبهُفيقولَ بات بغيرنا متَعِلِّلاَ
وله:
لم أَعشق الشَّمس سماويّةًبعيدةً عن مركز العالَمِ
إلاّ لأُضحِى في غَرامي بهاأُعجوبةً بَين بني آدم
أنشدني الشيخ الفقيهُ الأديبُ القاضي بمدينة فاس أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمد ابن عيسى التَّادَلُّي ﵀، قال: أنشدني الوزير الأديبُ الشاعرُ المصيب أبو القاسم المَنيشِي لنفسه في زُرزور:
أمِنبرٌ ذاك أم قضيبُيَفْرعه مِصقعٌ خَطيبُ
يختالُ في بُردتَي شَبابلم يتوضَّح بها مَشيب
أخرسُ لكنّه فصيحٌأبْلَه لكنّه لَبيب
ومن فحول شعراء الأندلس؛ مالكُ أزمّة القريض، وماسك راية التَّصريح فيه والتَّعريض؛ شعرهُ أرقّ من النّسيم، وآنقُ من المُحيَّا الوسيم، الوزير:
النص من طبعة دار العلم للجميع (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع