من «المطرب من أشعار أهل المغرب» لابن دحية الكلبي (ت ٦٣٣هـ)
أبو إسحاق الخفاجي إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله الخفاجي
من أعيان مدينة شقر، وهي جزيرة قد أحدق النهر بها؛ كما أحدق بحدقة شفر؛ وحسبك من ماء سائح، وطائر صادح؛ وبطاح عرضة، ورياض أريضة؛ فلا ترى إلا انسجام الغمام، ولا تسمع إلا ترنم البلبل والحمام. فمن قوله:
ومُهفهفٍ طاوِي الحَشَاخَنِث المَعاطف والنَّظَر
بهر العيونَ بصورةتُلِيتُ محاسنُها سُوَر
وإذا رَنا وإذا شَداوإذا سَعى وإذا سَفَر
فَضَح المُدامةَ والحَمامة والغَمامة والقَمر
قول الخفاجي: وإذا رنا فضح المدامة مأخوذ كم قول القائل:
وعَيْنَانِ قال الله كُونا فكانتافَعُولان بالألباب ما تفعل الخَمرُ
ووصفه لها بالغمامة مأخوذ من قول الأعشى:
كأنَّ مِشيتها من بيت جَارِتهامرُّ السَّحابة لا ريثٌ ولا عجلُ
قال الوزير أبو إسحاق: سبب هذه القطعة أنى ذهبت يوماً أريد باب السمارين بشاطبة، ابتغاء الفرجة على جرية ذلك الماء بتلك الساقية، وذلك سنة ثمانين وأربعمائة، وإذا الفقيه أبو عمران بن أبي تليد ﵀ قد سبقني إلى ذلك، فألفيته جالسا على مصطبة كانت هنالك مبنية لهذا الشأن، فسلمت عليه، وجلست إليه متأنسا به وبتلك الحال، فأنشد أثناء ما تناشدناه قول ابن رشيق ﵀:
يا من يُّمر ولا تَمرُّ به القُلوب من الفَرَقْ
بعِمَامةٍ من خدّهأو خَدُّه منها استَرَق
فكأَنَّه وكأَنهاقَمَرٌ تَعمَّم بالشَّفق
فإذَا بدا وإذا مشىوإذا رَنا وإذا نَطَق
شَغَل الجوانَح والجوارحَ والخواطرَ والحدَق
فقال، وقد اعجب بها جدا: احسن ما في القطعة حسن سياقة الإعداد. فقلت له: هي حسنة، ولكنها دون موقعها منك. وإلا الست تراه قد استرسل فلم يقابل بين ألفاظ البيت الأخير والبيت الذي قبله، فينزل بإزاء كل واحد منها ما يلائمها. وهل يحسن أن ينزل بإزاء قوله: وإذا نطق: قوله: شغل الحدق. وكأنه نازعني القول في هذا. فقلت هذه القطعة المتقدمة انسج على ذلك المنوال. قال: فاستحسنها ابن أبي تليد.
قلت: هذا تعسف. ولم يرد ابن رشيق مقابلة الأعداد بعضها ببعض، وإنما أراد أن
جملة محاسن هذا النير الزاهر، شغلت جملة هذا المتأمل الناظر. وقد عارضه الخفاجي في هذا الروي:
يا شَفَقًا ساطعاً على فَلَقْيا ذَهباً سائلاً على وَرِقْ
ما الحُسن إلا مُعصفَرُ شَرِقفاض على جسمٍ أبيضِ يَقَقْ
قد نَصب الحُسنُ وجْهَه غَرضاًتَرشُقُه اسهٌم من الحَدَقْ
أبْيَضَّ واخضرَّ شطُر عارِضهفاقترن النَّوْر منه بالوَرَق
أنشدني الفقيه الأجل القاضي بمدينة شقر أبو يوسف يعقوب بن محمد بن خلف ابن يونس بن طلحة للخفاجي:
كتبتُ وقلبي في يديك أسيرُيُقيم كما شَاء الهوَى وأسيرُ
ولي كَّل حينٍ من هواكِ وأدمعيبكل مكانٍ روضةٌ وغدير
وله:
كتاُبنَا ولدينا البدرُ نَدْمانُوعندنا لكُئوس الرَّاح شُهْبانُ
والقُضْبُ مائسةٌ والطير ساجعةوالأرض كاسِية والجوُّ عُريان
وله:
رب طِرْفٍ كالطَّرْفِ سُرعَة عَدْوٍلَيس يَسري سُراهُ طيفُ الخَيَالِ
إن سَرى في الدُّجى فبعضُ الدَّراريأو سَعى في الفَلا فإحدى السَّعالي
لستُ ادري إن قِيد ليلة أسْرِىأو تَمطَّيته غداةَ قِتال
أجَنُوبٌ مَقُودةٌ من جَنِيبأو شَمَال موضوعةٌ في شمالي
جَال في أنْجُم من الحَلْيِ بِيضٍوقَميِص من الصَّباح مُذال
أشهبُ اللّون أثقلتْه حُلِيٌّخَبَّ فيهنّ وهو مُلْقى الجِلاَل
فبدَا الصُّبحُ مُلجَماً بالثُّرياّوجَرى البرقُ مُسْرَجاً بالهلال
قال ذو النسبين، ﵁: وقد اخذ هذا المعنى بعض أهل عصره، يقال:
هو أبو الصلت، فقال وزاد فيه معنى من معنى البديع، وهو التشكيل، فقال:
وأشهبٍ كالشهابِ وافَييَجُول في مُذَهب الجِلاَ
قال حَسُودي وقد رآهيُجْنَب خَلْفي إلى القِتَال
من ألْجَمَ الصُّبْح بالثرياوأسْرَج البرق بالهلال
وقال الوزير أبو إسحاق بن خفاجة في قوس:
عَوْجاءُ تُعطَف ثم تُرسَل تارةًفكأنما هي حَيّةٌ تَنسابُ
وإذا أنْحَنَتْ والسَّهْمُ منها خارجٌفَهْيَ الهِلاُل انقضَّ منه شهاب
وله:
وعسَى الليالِي أن تَمُنَّ بنَظْمناعِقْداً كما كنا عليه وأفْضَلا
فلربمّا نُثِرَ الجُمَانُ تعمُّداًليُعادَ أحسنَ في النِّظام وأجملاَ
وهذا مأخوذ من قول مهيار:
عسى الله يجعلُها فُرْقَةًتعودُ بأكرم مُستجَمعِ
وله:
حيَّا بِها ونَسيمُها كَنسيمِهفشَرِبْتُها من كفّه في وُدِه
مُنساغَةً فكأَنها من رِيقهمُحمرَّة فكأَنها من خَدِّه
وأنشدني الفقيه القاضي الفاضل أبو يوسف يعقوب بن محمد بن طلحة قال: أنشدني الوزير أبو إسحاق الخفاجي لنفسه في النيلوفر:
ونِيلُوفَرٍ لم يَدْرِ ما مَسُّ حُرْقةٍبُحبٍّ ولا مَا لوعةٌ وغرامُ
يَهُبّ مع الإصباحِ من سِنةِ الكَرَىويُطْبِق ليلاً جَفنَه فَيَنامُ
وأنشدني له أيضا، يحمل على طلب العلم والتحلي به:
عشْ طالباً أو عَليماًفالجهلُ عينُ المَحَّطهْ
ولا يَصُدُّك يأسٌعن نَيْلِ أشرِف خُطَّه
فمبدأُ النار سِقْطٌوأولُ الخطِّ نُقطة
ولما بلغ سن الكهولة، وأدرك من أقطار الشبيبة مأموله؛ نام فرأى أنه مستيقظ يفكر فيما سلف من بطالته، ويتحسر على ما فرط من تجريه على معصية الله واستطالته؛ ويتذكر ما مضى من شبابه، ومن انقضى منى أحبابه؛ ودمعه يباري صوب المزن في انصبابه، ويحكيه في انسجامه وانسكابه؛ فانتبه وهو منتبه لرشاده، مقبل على التزود لمعاده، منشد ما تنزعج القلوب من إنشاده:
ألاَ سأجلْ دُموعيَ يا غَمامُوطارِحْني بشَجْوك يا حَمَامُ
فقد وفّيتُها ستّين حَوْلاًونادتْني ورائيَ هل أمام
وكنت ومِن لُباناتِي لُبَيْنَيهناك ومن مَراضِعِيَ المُدام
يطالعُنا الصّباحُ ببطن حُزْوىفيُنكرنا ويَعرفُنا الظلاَّم
وكان به البشَامُ مراحَ أُنسىفماذا بعدنا فَعل البَشَام
فيا شرْخَ الشباب ألاَ لِقَاءٌيُبَلُّ به على بَرْحٍ أوَام ُ
ويا ظِلّ الشَّبابِ وكنتَ تَنْدَىعلى أفياءِ سَرْحَتِك السّلامُ
ومن شعراء جزيرة الأندلس وفحولها، البريء مطروق الأشعار ومنحولها، ذو الآداب والفنون:
النص من طبعة دار العلم للجميع (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع