من «المطرب من أشعار أهل المغرب» لابن دحية الكلبي (ت ٦٣٣هـ)
أبو محمد عبد الجليل بن وهبون
دخل على السلطان أبي القاسم محمد بن عباد يوماً، وهو ينشد قول المتنبي:
إذا ظفرت منك العيونُ بنظرةٍأثاب بها مُعْيي المطيِّ ورَازِمُهْ
وجعل يردده استحساناً له. فقال عبد الجليل بديهاً:
لئن جاد شعرُ ابن الحُسين فإنماتُجيد العطايا واللُّهي تفتح اللَّهَا
تَنَّبأ عُجباً بالقريض ولو دَرَىبأنّك تَرويه إذا لتألَّها
فأمر له بمائتي دينار، وهو مثل قديم.
قال أبو سعيد القصار في جعفر بن يحيى:
لابن يَحيى مآثٌربلغتْ بي إلى السُّهَا
جادَ شِعْري بجُودهواللُّهي تَفتح اللَّها
اللهي، بالضم: العطايا؛ واحدها: لهوة ولهية. واصلها: القبضة من الطعام تلقى في الرحى لتطحن، فجعلت الدفعة من المال المعطى لهوة. وأما اللها، بالفتح فجمع لهاة: الحلق.
ولما جاز السلطان ابن عباد البحر المسمى بالمحيط إلى مدينة سبتة، قاصداً لأمير المسلمين، وناصر الدين أبي يعقوب يوسف بن تاشفين للاستنجاد به على الروم، وقد راموا الوثوب على الأندلس، بعد أخذ طليطلة، وهجموا على بلادها أقبح هجوم قال:
أحاط جودُك بالدُّنيا فليس لهإلا المُحيطُ مثالٌ حين يُعتَبرُ
وما حسبتُ بأن الكلَّ يحمُلهبعضٌ ولا كاملاً يَحويه مُختصَر
لم تَثْنِ عنك يداً أرجاءُ ضفَّتهإلا ومَّدت يداً أرجاؤُه الأَخر
كأنّما البحرُ عينٌ أنت ناظرُهاوكل شَطٍّ بأشخاص الوَرى شُفُر
تأتي البلادَ فتَنْدَى منك أوجهُهاحتى يقول ثَراها هل هَمَي المطر
ما القَفْر إلا مكانٌ لا تَحُلُّ بهوحيثُما سرْتَ سار البدوُ والحَضَر
الأرضُ داركُ فاسْلُك حيثُ شئتَ بهاهو المُقام وإن قالوا هو السّفَر
وله قصيدة يمدح ابن عباد، ويذكر ثباته يوم الوقعة بين جيوش المسلمين والورم بالموضع المعروف بالزلاقة من عمل بطليوس، وكانت الزلاقة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة، قتل
فيها من شجعان النصارى ثلاثون ألف فارس. ذكره النسابة أبو محمد الرشاطي في كتاب: اقتباس النور ومن الرجالة ما لا يحصى، وطعن فرس ابن عباد تحته، فكبا به، فسقط
عنه. فقدم إليه بعض من ثبت من جنده معه فرساً، فركبه وأبلى بلاء حسناً وقاتل قتالا شديدا - منها:
ولم يَثْبت من الأشياعِ إلاشقيقُك وهو صارمُك الحُسَامُ
يَمانٍ في يدَيْ ماضٍ يَمَانٍفلا نابِي الغِرَارِ ولا كَهَام
ولم يحمْلك طِرفْك بل فؤادٌتعَّود أن يُخاض به الحِمَام
ثَبتّ به ثَباتَ القُطْب لمّاأدَار رَحاه خَطْبٌ لا يُرام
ومنها:
مضَوْا في أمرِهم سَحَراً ودارتْبما عَقدُوا من الحَلفِ المُدامُ
فردّوها عَلَى الشَّفرات بيضاًوجدَّدَ في تعاطيها النِّدام
وما أخذتهمُ الأسياف لكنصواعقُ لا يبوخُ لها ضِرام
باخ الحر، إذا سكن، يبوخ بالخاء المعجمة. وباخت النار والحرب، إذا سكنتا.
إذا ما برقةٌ برقَت عليهمفإنّ القَطْر أعضادٌ وهاُم
ومنها يصف انهزام أذفونش تحت الظلام بجيشه منهم، وإلقاء الدروع عنه وعنهم:
ستسألك النّساءُ ولا رجالٌفحدِّث ما وراَءكَ يا عصامُ
وراقبها بأرِضك طالعاتٍكما تُهدِي صَواعقَها الغمامُ
ومنها:
فإن شئتَ اللُّجينَ فَّثم ساُموإن شئت النظار فثَّم حاُم
ومنها:
نضَا أدراعَه واجْتَابَ ليلاًيودّ لو انه في الطُّول عاُم
وله يتشوق إلى ابن عباد، وقد حضر بالمرية في بعض الأعياد، والشعراء
ينشدون المعتصم بالله أبا يحيى محمد بن معن بن صمادح سلطان تلك البلاد:
دنا العيد لو تَدْنو به كعبةُ المُنىورُكْنُ المَعالي من ذُؤابة يَعُرب
فيا ويلتَا للشعر تُرمي جمارهويا بُعد ما بيني وبين المُحصَّبِ
وكان عبد الجليل منطقاً بما يقول، يجري على لسانه المقول. حدثنا غير واحد من شيوخنا ﵏، منهم سلطان بلنسية أبو عبد الملك بن عبد العزيز، والوزير الكاتب أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، والفقيه القاضي بجزيرة شقر أبو يوسف يعقوب بن طلحة، قالوا: حدثنا الوزير أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة قال:
لقيت الشاعر أبا محمد عبد الجليل بين لورقة والمرية، فبتنا نتناشد الأشعار، ونتذاكر الآداب والأخبار؛ فلما انفجر عمود الصباح، وحيعل داعي الفلاح؛ وكان العدو على مقربة من البلاد، والناس في ضروب من الخوف والأنكاد؛ سرنا وفؤاد عبد الجليل يطير فرقاً، وفرائصه ترعد قلقاً؛ فأخذت أسكن روعه بأناشيد من القريض، وهو لما داخله من الوجل كالمدنف المريض؛ لا يبدي ولا يعيد، إلى أن اطلعت لنا اليد؛ مشهدين وعليهما رأسان يخاطبان، من الحال بأفصح لسان؛ فقلت مرتجلا، والركب يجد السير من الفزع عجلا:
ألا رُبَّ رأسٍ لا تَزاورَ بينهوبين أخيه والمَزارُ قَريبُ
أنافَ به صَلْدُ الصَّفا فهو مِنْبٌروقام على أعلاه وهو خَطيب ُ
فثاب لعبد الجليل عقله، وآب إليه ذكاؤه ونبله، فقال:
يقول حِذاراً لا اغتراراً فطالماأناخَ قتيلٌ بي ومرَّ سَليبُ
ويُنشدنا: إنَّا غريبان هَاهناوكلُّ غَريبٍ للغريب نسيبُ
فإنْ لم يَزْره صاحبٌ أو خَليلُهفقد زاره نَسْرٌ هناك وذِيب
فها هو: أمَّا منظرا فهو ضاحكإليك وأما نَصْبةً فكَئِيب
يريد بقوله أما منظرا فهو ضاحك أن ذلك الرأس قد ذهبت عنه جلدته بطول بلاه، فهو بحسب مرآه كأنه ضاحك، وبحسب معناه كأنه كئيب. ولم يذكر الفتح منها في
قلائده لعبد الجليل سوى بيت، هو قوله:
يقول حِذَاراً لا اغتراراً فطالَماأناخ قتيلُ بي ومَرّ سَلِيبُ
وانه قتل من ساعته كما ذكرناه، والله الموفق لا رب سواه؛ فما أتم قوله إلا وعجاجة قد ارتفعت، وكتيبة قد طلعت؛ فما انجلت إلا وعبد الجليل قتيل وأنا سليب، وهذا فأل عجيب، وافقه قدر مصيب.
قال ذو النسبين، رضى الله عنه:
ومن شعراء الأندلس الذين أنجدت بأقوالهم الحداة واتهمت، واعرقت بها الرواة وأشأمت، الأديب:
النص من طبعة دار العلم للجميع (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع