من «المطرب من أشعار أهل المغرب» لابن دحية الكلبي (ت ٦٣٣هـ)
يَحيى بنُ حَكَم الغَزَال
القاعد على كيوان، شاعر ذلك الأوان؛ وقد اثبت له من قوله ما يشهد بإبداعه، وحسن تصرفه في المعاني واختراعه، وطول يده في الأدب وامتداد باعه. فمن قوله فيما ذكره تمام بن علقمة في تاريخه:
بعَضَ تَصابيكَ على زَينبلا خَيَرَ في الصَّبوة للأشْيَب
أبعد خمسينَ تقضَّيتَهاوافيةً تَصْبو إلى الرَّبربِ
كلّ رَدَاح الرِّدْف خُمْصانٍةكالمُهرةِ الضَّامرِ لم تُركَب
وفيه تشبيب حسن كثير اختصرناه لطوله، وقال في المديح منه:
مَن مُبلغٌ عنِّي إمامَ الهُدىالوارثَ المَجد أباً عن أبِ
أنّىِ إذا أطْنَبَ مُدَّاحُهقصدتُ في القول فلم أطْنِبِ
لا فَكَّ عنَّي الله إن لم تكنأذكرتَنَا من عُمَرَ الطَيِّب
وأصبح المشْرِقُ من شوقهإليك قد حنَّ إلى المغرب
منبرهُ يَهتفُ من وَجْدهإليك بالسَّهل وبالمَرْحبِ
أطرَبَه الوقتُ الذي قد دناوكان من قبلك لم يَطربِ
هَفَا به الوجدُ فلو مِنبرٌطَارَ لَوافَي خَطفَةَ الكوكَب
إلى جميلِ الوجه ذِي هَيبةٍليست لحامِي الغابةِ المُغضَب
لا يُمكنُ النّاظرَ من رؤيةإلا التماحَ الخائِف المُذنِب
كنا نعجب بقول البحتري ونستغربه في قوله لجعفر المتوكل:
فلو أنّ مشتاقا تَكلّف غيرَ مَافي وُسعه لسعَى إليك المنبرُ
حتى إذا رأينا قول الغزال، وعلمنا انه سبق إليه بزمانه، على أن البحتري استحقه
أيضا بإحسانه، لأنه أتى بالمعنى في بيت واحد، واختصره اختصارا حسنا. كما أن قول الغزال:
لا يُمكن النّاظَر من رُؤيةٍإلا التماحَ الخائفِ المُذنبِ
حسن جدا في معنى الهيبة، وقد أخذه منهم محمد بن أبي الحسن، فقال
ووأحسن، وزاد في المعنى وبين:
كأنا من الإجلالِ تحت غَمامةٍنُطَأطي لها بالرُّعب كلَّ الأحاين
كأناّ قُرِفنا باجْترامٍ ومالنالساٌن يُقوينا بِعُذْر مُباين
ولبعض أهل البلاد من قصيد يمدح به أمير المسلمين علياً:
أراكَ ملأت الخافِقَين مهابةًلهَا مَا تُلِيح الشّهبُ في الخَفَقانِ
وتُغضى العيونُ عن سنَاك كأنّهاتُقابِلُ منك الشّمس في اللَّمعان
ولو سقنا جميع ما لأهل قطرنا في مثل هذا لخرجنا عن غرضنا. فلنرجع إلى شعر الغزال فإنه قال في آخره:
إن تُرد المَاَل فإني امرؤٌلم اجَمع المالَ ولم اكْسِبِ
إذا أخذتَ الحقَّ مِنِّي فلاتَلتَمِس الرّبح ولا تَرغَب
قَد أحسنَ الله إلينَا معاإن كان رأس المال لم يذهب
والسبب في نظم هذا الشعر أن أبا المطرف عبد الرحمن المذكور كان ولاه قبض الأعشار ببلاط مروان واختزانها في الأهراء. وكان توسل إليه بمديح مدحه به، فنفق الطعام في ذلك العام، وسما السعر بالقحط سموا كثيرا، فوضع يده في البيع حتى أتى على ما كان عنده في الأهراء. ثم إنه نزل الغيث ورخص الطعام، فأعلم السلطان بما صنع الغزال من البيع، فأنكره وقال: إنما تعد الأعشار لنفقات الجند والحاجة إليها في الجهد، فماذا صنع الخبيث! خذوه بأداء ما باع من أثمانها واشتروا به طعاما، واصرفوه في الأهراء إلى وقت الحاجة إليه. فلما طلب منه
ثمن ما باع أبى من ذلك وقال: إنما أشتري لكم من الطعام عدد ما بعت من الإمداد، وبين العددين بون كثير نحو من ثلاثين ألفا. فأعلم السلطان بامتناعه من الأداء، وبما ذهب إليه من شراء مثل ما باع. فأمر بسجنه وحمله إليه في الكبل، فسيق منها إلى قرطبة، وسجن بها فصنع هذا القصيد، ورفعه إليه. فلما قرئ شعره أعجب به، واعجب به الحاضرون، وقال له بعضهم: لقد أنصفك الغزال في قوله:
قد أحسنَ الله إلينا معاًإن كان رأسُ المال لم يذهبِ
فإنه لو ذهب أيها الإمام، أي ذمة كانت تفي به للغزال، مع ما هو عليه من الانهماك في الشهوات وقلة المال! فضحك الإمام وأمر بإطلاقه.
وكان عبد الرحمن من أهل العلم، متسما بالكرم والحلم، قديرا على النثر والنظم. له غلام جميل كان له، اسمه بدر:
أنظُر إلى بدرٍ وكيف بدَا بصفحته العِذَارْ
فكأنَّه بدرُ التّمام بَدا بِه طرَف السّرِار
وقال ذو النسبين ﵁: وأنشدني الوزير الكاتب أبو عبد الله محمد ابن أبي القاسم بن عميرة، قال: أنشدني ذو الوزارتين أبو محمد قال: أنشدني أبي ذو الوزارتين أبو الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج اللورقي في ذم العذار:
أبَا جعفر مات فيك الجمالُ فأظهرَ خدك لبُسَ الحِدَادِ
وقد كانَ ينُبت نَور الرَّبيع فأصبحَ ينبُت شَوك القَتَاد
أبِن لي مَتَى كان بدرُ السَّماء يُدرَك بالكون أو بالفَساد
وهل كنتَ في المُلْك من عبد شمسٍ فأخْشى عليك لباسَ السّواد
وفي ضدّه قولُ الأستاذ أبي محمد بن سَارة في مدحه:
ومُعذَّرٍ رقَّت حواشي حُسْنهفقلوبُنَا وَجْداً عليه رِقَاقُ
لم يُكْسَ عارضُه السّوادَ وإِنّمانَفَضت عليه صباغَها الأحداقُ
وهذا أيضا من الغَريب العجيب.
ومن احسن ما رأيتُ فيه مما انفردَ قائلُه بمعناه، ولم يَشْرَكه فيه أحد سواه، قولُ أبي مروان عبِد الله بن سُريَّة البَلَنْسى:
دبّ العِذَارُ بخدّه ثم انْثَنىلما دَنا من لَثم فيه الأَشنبِ
لا غَرْوَ إِن خُشِى الرَّدى في لَثْمهفالرِّيق سُمٌّ قاتِلٌ للعَقرب
وما أوردناه في العِذار من النظم، هو من المعاني العُقم، وإنما اجْتُلِبتْ هذه الأبيات صلةً لأبيات السلطان عبد الرحمن والشّيُء يذكر بمثله، تغمّدنا الله بفضله.
ولما وفَد على السّلطان عبد الرحمن رُسلُ مَلكِ المحبوس تطلبُ الصلح بعد خروجهم من إشبيلية، وإيِقاعِهم بجبهاتها ثم هزيمَتِهم بها، وقَتْل قائد الأسطول
فيها، رأى أن يراجعهم بقبول ذلك، فأمر الغَزَال أن يمشي في رسالته مع رسُل ملكهم، لما كان الغزال عليه من حدة الخاطر، وبديهة الرأي، وحسن الجواب والنجدة والإقدام والدخول والخروج من كل باب، وصحبته يحيى ابن حبيب، فنهض إلى مدينة شلب، وقد أنشئ لهما مركب حسن كامل الآلة، وروجع ملك المحبوس على رسالته وكوفئ على هديته، ومشى رسول ملكهم في مركبهم الذي جاءوا فيه مع مركب الغزال، فلما حاذوا الطرف الأعظم الداخل في البحر الذي هو حد الأندلس في آخر الغرب، وهو الجبل المعروف بألوية هاج عليهم البحر، وعصفت بهم ريح شديدة وحصلوا في الحد الذي وصف الغزال في قوله:
قال لي يحيَى وصِرْنا بَين موجٍ كالجبالِ
وتولَّتنا رياحٌمن دَبُور وشَمالِ
شَقَّت القِلْعَين وأنبَتَّتْ عُرا تِلك الحِبال
وتَمطَّى ملَكُ الموت إلينا عن حِيَال
فرأينا الموت رأىَ العين حالاً بعد حالِ
لم يكن للقومِ فينايا رفِيقِي رأسُ مال
وهذا القصيد يجول عليه رونق الانطباع، وهو القريب غير المستطاع؛ ورأيت له في الغزل من هذا القصيد معنى انفرد باختراعه، وأبدع ما شاء في إبداعه، وهو قوله:
وسُليمَى ذاتُ زُهدٍفي زَهيدٍ من وِصَالِ
كلَّما قُلت صِلينِيحَاسَبْتنِي بالخَيال
وهذا اختراع عجيب، ومعنى غريب. وزاد فيه بعد ذلك، فقال:
والكَرى قد مُنِعَتْهُمُقلًتِي أخْرى اللَّيالي
وهي أدرى فَلِمَاذادَافعَتْنِي بمُحَال
أتُراني أقتضيهابعدُ شيئاً من نَوال
ثم أن الغزال سلم من هول تلك البحار، وركوب الأخطار؛ ووصل أول بلاد المجوس إلى جزيرة من جزائرها فأقاموا فيها أياماً واصلحوا مراكبهم، وأجموا أنفسهم. وتقدم مركب المجوس إلى ملكهم، فأعلمه بلحاق الرسل معهم، فسر بذلك ووجه فيهم، فمشوا إليه إلى مستقر ملكه، وهي جزيرة عظيمة في البحر المحيط، فيها مياه مطردة وجنات، وبينها وبين البر ثلاث مجار، وهي ثلاثمائة ميل، وفيها من المجوس ما لا يحصى عددهم. وتقرب من تلك الجزيرة جزائر كثيرة. منها صغار وكبار، أهلها كلهم مجوس، وما يليهم من البر أيضا لهم مسيرة أيام، وهم مجوس، وهم اليوم على دين النصرانية وقد تركوا عبادة النار، ودينهم الذي كانوا عليه، ورجعوا نصارى إلا أهل جزائر منقطعة لهم في البحر هم على دينهم
الأول من عبادة النار، ونكاح الأم والأخت وغير ذلك من أصناف الشنار. وهؤلاء يقاتلونهم ويسبونهم. فأمر لهم الملك بمنزل حسن من منازلهم، واخرج إليهم من
يلقاهم، واحتفل المجوس لرؤيتهم. فرأوا العجب العجيب من أشكالهم وأزيائهم. ثم إنهم انزلوا في كرامة، وأقاموا يومهم ذلك، واستدعاهم بعد يومين إلى رؤيته، فاشترط الغزال عليه ألا يسجد له ولا يخرجهما عن شيء من سنتهما، فأجبهما إلى ذلك. فلما مشيا إليه قعد لهما في أحسن هيئة، وأمر بالمدخل الذي يفضي إليه، فضيق حتى لا يدخل عليه أحد إلا راكعاً، فلما وصل إليه جلس إلى الأرض وقدم رجليه وزحف على أليته زحفة، فلما جاز الباب استوى واقفاً. والملك قد أعد له وأحفل في السلاح والزينة الكاملة. فما هاله ذلك ولا ذعره، بل قام ماثلاً بين يديه، فقال: السلام عليك أيها الملك وعلى من ضمه مشهدك، والتحية الكريمة لك، ولازلت تمتع بالعز والبقاء والكرامة الماضية بك إلى شرف الدنيا والآخرة، المتصلة بالدوام في جوار الحي القيوم، الذي كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه المرجع. ففسر له الترجمان ما قاله، فأعظم الكلام، وقال: هذا حكيم من حكماء القوم، وداهية من دهاتهم، وعجب من جلوسه إلى الأرض وتقديمه رجليه في الدخول، وقال: أردنا أن نذله، فقابل وجوهنا بنعليه! ولولا انه رسول لأنكرنا ذلك عليه. ثم دفع إليه كتاب السلطان عبد الرحمن وقرئ عليه الكتاب، وفسر له. فأستحسنه وأخذه في يده، فرفعه ثم وضعه في حجره، وأمر بالهدية ففتحت عيابها، ووقف على جميع ما اشتملت عليه من الثياب والأواني! فأعجب بها، وأمر بهم فانصرفوا إلى منزلهم ووسع الجراية عليهم.
وللغزال معهم مجالس مذكورة، ومقاوم مشهورة؛ في بعضها جادل علماءهم فبكتهم، وفي بعضها ناضل شجعانهم فأثبتهم.
ولما سمعت امرأة ملك المجوس بذكر الغزال وجهت فيه لتراه، فلما دخل عليها سلم، ثم شخص فيها طويلاً ينظرها نظر المتعجب. فقالت لترجمانها: سله عن إدمان نظره لماذا هو؟ ألفرط استحسان أم لضد ذلك؟ فقال: ما هو أني لم أتوهم
أن في العالم منظراً مثل هذا، وقد رأيت عند ملكنا نساء انتخبن له من جميع الأمم فلم أر فيهن حسناً يشبه هذا. فقالت لترجمانها: سله أمجد هو أم هازل؟ فقال: لا، بل مجد. فقالت له: فليس في بلدهم إذا جمال! فقال الغزال: فاعرضوا علي من نسائكم حتى أقيسها بها. فوجهت الملكة في نساء معلومات بالجمال فحضرن، فصعد فيهن وصوب ثم قال: فيهن جمال وليس كجمال الملكة، لأن الحسن الذي لها والصفات المناسبة ليس يميزه كل أحد، وإنما يعني به الشعراء، وإن أحبت الملكة أن أصف حسنها وحسبها وعقلها في شعر يروي في جميع بلادنا فعلت ذلك. فسرت بذلك سروراً عظيماً وزهيت، وأمرت له بصلة، فامتنع من أخذها الغزال، وقال: لا أفعل. فقالت للترجمان: سله، لم لا يقبل صلتي؟ ألأنه حقرها أم لأنه حقرني؟ فسأله، فقال الغزال: إن صلتها لجزيلة، وإن الأخذ منها لتشرف لأنها ملكة بنت ملك، ولكن كفاني من الصلة نظري إليها وإقبالها علي، فحسبي ذلك صلة. وإنما أريد أن تصلني بالوصول إليها أبداً. فلما فسر لها الترجمان كلامه زادت منه سرورا وعجبا، وقالت: تحمل صلته إليه، ومتى أحب أن يأتيني زائرا فعلا
يحجب، وله عندي من الكرامة والرحب والسعة. فشكرها الغزال، ودعا لها وأنصرف.
قال تمام بن علقمة: سمعت الغزال يحدث بهذا الحديث، فقلت له: وكان لها من الجمال في نفسها بعض هذه المنزلة التي صورت؟ فقال: وأبيك، لقد كانت فيها حلاوة، ولكني اجتلبت بهذا القول محبتها، ونلت منها فوق ما أردت.
قال تمام بن علقمة: وأخبرني أحد أصحابه، قال: أولعت زوجة ملك المجوس بالغزال فكانت لا تصبر عنه يوما حتى توجه فيه، ويقيم عندها يحدثها بسير المسلمين وأخبارهم وبلادهم، وبمن يجاورهم وبلادهم، وبمن يجاورهم من الأمم. فقلما انصرف يوما قط من عندها إلا اتبعته هدية، تلطفه بها من ثياب أو طعام أو
طيب، حتى شاع خبرها معه، وأنكره أصحابه، وحذر منه الغزال، فحذر وأغب زيارتها. فباحثته عن ذلك، فقال لها ما حذر منه. فضحكت، وقالت له: ليس في ديننا نحن هذا، ولا عندنا غيرة، ولا نساؤنا مع رجالنا إلا باختيارهن، تقيم المرآة معه ما أحبت، وتفارقه إذا كرهت. وأما عادة المجوس قبل أن يصل إليهم دين رومة، فألا يمتنع أحد من النساء على أحد من الرجال، إلا أن يصحب الشريفة الوضيع، فتعير بذلك، ويحجره عليها أهلها فلما سمع ذلك الغزال من قولها أنس إليه وعاد إلى استرساله.
قال تمام: كان الغزال في اكتهاله ويسما، وكان في صباه جميلا، ولذلك سمي بالغزال. ومشى إلى بلاد المجوس وهو قد شارف الخمسين وقد وخطه الشيب، ولكنه
كان مجتمع الأشد، ضرب الجسم، حسن الصورة. فسألته يوما زوجة الملك - واسهما نود - عن سنة، فقال مداعبا لها: عشرون سنة. فقالت للترجمان: ومن هو من عشرين سنة يكون بها هذا الشيب؟ فقال للترجمان: وما تنكر من هذا؟ ألم تر قط مهراً ينتج وهو أشهب؟ فضحكت نود، وأعجبت بقوله. فقال في ذلك الغزال بديها:
كُلّفتَ يا قلبِي هوىً مُتْعباغالبتَ منه الضَّيغَم الأغْلبَا
إنّي تعلّقتُ مجُوسيَّةًتأبَى لِشمس الحُسن أن تَغْرُبا
أقصى بلاد الله لي حيثُ لايَلقى إليها ذاهبٌ مذهبا
يا نُود يا رُودَ الشَّباب التيتُطِلعُ من أزْرارها الكَوكبا
يا بابي الشخصُ الذي لا أرىأحْلى على قلبي ولا أعْذَبا
إن قلتُ يوما إنّ عيني رأتمُشبهَه لم أعْدُ أن أكذبا
قالت أرَى فَوْدَيْة قد نَوّرادُعابةً تُوجب أن أدْعيا
قلت لها يا بأبى إنَّهقد يُنَتجُ المهر كَذَا أشْهَبا
فاستضحكَت عُجْباً بقولي لهاوإنَّما قُلت لكي تّعْجبا
قوله يا رؤد الشباب الرأدة والرؤدة والرؤد: الجارية الناعمة الجسم. وقد رؤد شبابها. والغصن الرؤد: الرطب، والشعراء يسهلون الهمزية يستهلون الهمزة منه تخفيفا فلا يكادون ينطقون بها.
وقوله: فودية قد نورا، فالفودان: ما يلي الأذنين من الشعر.
وقوله: أن أدعبا فإنه يقال من الدعابة: دَعِب، بكسر العين في الماضي، يدعب، بفتح العين في المضارع، دعباً، بفتح الدال والعين في المصدر.
وهذا الشعر لو روى لعمر بن أبي ربيعة، أو لبشار بن برد، أو لعباس بن الأحنف، ومن سلك هذا المسلك من الشعراء المحسنين لاستغرب له. وإنما أوجب أن يكون ذكره منسياً، أن كان أندلسياً؛ وإلا فما له أخمل، وما حق مثله أن يهمل. وهل رأيت أحسن من قوله: تأبى لشمس الحسن أن تغربا، أو كالبيت الأول من هذه القطعة، أو كصفته لما جرى من الدعابة؟ هل وصفته إلا الدر لمنتظم، وهل إلا نظلم في حقنا ونهتضم! يالله لأهل المشرق! قوله غاص بها شرق. ألا نظروا إلى الإحسان بعين الاستحسان، وأقصروا عن استهجان الكريم الهجان عن استهجان الكريم الهجان؛ ولم يخرجهم الإزراء بالمكان عن حد الإمكان؛ لئن أرهفت بصائرهم البصرة وأرقتها الرقتان؛ فقد درجنا نحن بحيث مرج البحرين يلتقيان، فإن منهما مخرج اللؤلؤ والمرجان. وينشد ما قاله بعض شعرائنا:
نَراحُ لفضل أن يكون لَديكُمفما لكُم تأبَون أن كان عندناَ
فلا تَحسدونا أن تَلُوح بأفقكملنا طالعاتٌ مِن هناكَ ومن هنا
وإن كنتُم في العدّ أكثَر مفخراًفلا تَظلموناَ في القليل الذي لنا
ولنرجع إلى ذكر الغزال، فإنه لما أنشد نود الشعر وفسره الترجمان لها، ضحكت منه وأمرته بالخضاب. ففعل ذلك الغزال، وغدا عليها يوماً ثانيا. وقد اختضب؛
فمدحت خضابه وحسنته عنده، ففي ذلك يقول الغزال:
بكَرتَ تُحًسِّنُ لي سَوادَ خِضَابيفكأنّ ذاك أعادني لشَبابِي
ما الشَّيبُ عندِي والخضابُ لواصفٍإلاّ كَشَمس جُلِّلت بضَباب
تَخْفَى قليلاً ثم يَقْشَعها الصَّبافيصيرُ ما سُتِرت به لذَهاب
لا تُنكري وضَح المَشيب فإنّماهو زَهْرَةُ الإفهام والألبْاب
فلديّ ما تَهويْن من شأن الصّباوطلاوة الأخلاق والآداب
ثم انفصل الغزال عنهم، وصحبه الرسل إلى شنت يعقوب بكتاب ملك المجوس إلى صاحبها. فأقام عنده مكرما شهرين، حتى انقضى حجهم، فصدر إلى قشتالة مع الصادرين، ومنها خرج إلى طليطلة حتى لحق بحضرة السلطان عبد الرحمن بعد انقضاء عشرين شهرا
ومن قوله أيضا المتفق عليه في جميع الروايات:
يَا راجياً وُدَّ الغَواني ضِلَّةًففؤادُه كَلَفاً بهنَّ مُوَكّلُ
لا تَكلَفنّ بوصْلِهنَّ فإنما الكَلِفُ المحبُّ لَهن من لا يَعقل
إنّ النساَء لكالسُّروجِ حقيقةًفالسّرجُ سرجُك ريثما لا تنزل
فإذا نَزلتَ فإنّ غَيرك نازلٌذاكَ المكانَ وفاعلٌ ما تَفعلُ
أو منزِلِ المُجتازِ أصبح غادِياًعنه وينزلُ بعده من ينزل
أو كالثمِّارِ مُباحةً أغصانُهاتدنُو لأوَّل من يمرُّ فتُؤكل
أعطِ الشبيبة - لا أبَالَك - حقَّهامنها فإن نعيمَها متحوِّل
وإذا سُلبت ثِيابَها لم تَنتفععندَ النّساء بكل ما يثستبذَل
ثم إن الغزال هجا أبا الحسن علي بن نافع، الملقب بزرياب، بهجو مقذع، تحرجت من إيداعه في هذا الكتاب.
وزرياب هذا مولى الخليفة المهدي، ابن الخليفة أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور
عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب. قدم الأندلس مهاجراً إلى عبد الرحمن بن الحكم، فتلقاه بأعلى المحل، وفوض إليه أكثر أموره في العقد والحل؛ وذلك لهجرته إليه وحسن غنائه، وتناهيه في الإطراب وغنائه. وهو أول من سن في الأندلس أكل الهليون والنقاوى وقلى الفول واستعمال الأنطاع للنوم، والتحلي بالحرير والخز والمروية. وسن لباس البياض من المهرجان إلى نصف أكتوبر، وإن كان مطرا. وعلمهم الغناء واخترع النقر بالريش، وتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائتين
فشكا للسلطان الغزال وعرض هجوه عليه، وما قذفه به ونسبه من الفحش إليه. فأمر السلطان بنفيه عن الأندلس. فكلمه فيه أكابر أهل دولته فتركه. ثم إن الغزال لم يطب نفساً بالمقام في الأندلس فرحل إلى العراق، وذلك بعد موت الحسن بن هانئ بمدة يسيرة، فوجدهم يلهجون بذكره ولا يساوون شعر أحد بشعره. فجلس يوماً مع جماعة منهم فأزروا بأهل الأندلس، واستهجنوا أشعارهم؛ فتركهم حتى وقعوا في ذكر الحسن، فقال لهم: من يحفظ منكم قوله:
ولمّا رأيتُ الشَّرب أكْدتْ سماؤْهمتأبّطتُ زِقِّي واحتسبْتُ عَنَائِي
فلمّا أتيتُ الخَان ناديتُ ربَّهفهبَّ خَفيفَ الرّوح نَحْو نِدائي
قليلَ هُجوعِ العَينِ. إلاّ تَعِلَّةًعلى وجَلٍ منِّي ومن نُظَرائي
فقلتُ أذِقْنيها فلمّا أذاقنيطَرحْتُ إليه رَيْطتي ورِدائي
وقلت أعِرنْي بِذْلَةً أستَتِرْ بهابذَلْتُ له فيها طلاقَ نِسائي
فو الله ما برَّت. يَمينِي ولا وفَتْله غَير أنِّي ضامِنٌ بوفائي
وأبتُ إلى صَحْبي ولم أكُ آئباًفكُلٌّ يُفدّيني وحَقّ فِدائي
فأعجبوا بالشعر وذهبوا في مدحهم له كل مذهب. فلما أفرطوا قال لهم: خفضوا عليكم فإنه لي. فأنكروا ذلك. فأنشدهم قصيده الذي أوله:
تداركُت في شُرب النبيّذ خَطائيوفارقت فيه شِميتي وحَيائِي
فلما أتم القصيد بالإنشاد خجلوا وافترقوا عنه.
وأقام الغزال في رحلته تلك مدة يتجول في ديار المشرق، وما انفك في كل قطر منه من غريبة يطلعها، وطريقة يبدعها؛ ثم إنه رجع إلى نفسه، وحن إلى مسقط رأسه؛ وانصرف إلى الأندلس وهو قد ترك شرب الخمر وتزهد في الشعر وشارف الستين، وركب النهج المبين؛ ولم ينسك نسكا أعجمياً، بل ظرف ظرفا أديبا، وسلك مسلكا من البر مرضيا وقال في جارية اشتراها واسمها لعوب، وقد أراد منها أمراً فعجز عنه اليعبوب:
لم أنْسَ إذ برزتْ إلىّ لَعوبُطَرَباً وحيثُ قميصُها مَقْلوبُ
وكأَنَّها في الدَّار حين تعرَّضتْظَبْيٌ تَدلَّه بالفَلا مَرْعوب
تَفتَرُّ عن دُرّ تَناسقَ نَظْمُهفيه لَثَاةٌ عَذْبةٌ وغُرُوب
حاولتُ منها رَشفْةً فكأنهاعَسَلٌ بماءِ سَحابةٍ مَقْطوب
ودَعْتك داعيةُ الصِّبا فتطرَّبتْنَفسٌ إلى داعِي الضَّلال طَرُوب
وظننتَ عهدَك عهدَها في الدَّهر إذفَيْنانُ غُصنك بالشَّباب رَطيب
فجريتَ في سَنَن الصِّبا شأواً وقدوزَعْتك عنه كَبْرةٌ ومَشِيب
وحسبتَ صاحبَك الذي هو ذاك إذتدعُوه مَهما شِئْتَه فَيُجيب
قد كان لا يَنْبو إذا جَرَّبتَهفالآنَ أحداثُ الزّمان تَنُوب
لمّا رأتْ ذاك الذي تَنْحُو لهسَمَحتْ فمالَ على الكَثِيب قَضِيب
وتأوَّدتْ خُمصانةٌ بَهنانَةٌكالفَجْر يعلوه دُجًى غرْبيب
فقبضتُ مِلْء يدي على مُسْتَهدِفرابِي المَجسَّة لونُه حُلْبوب
بِيَدي الشِّمال وللشِّمال لطافَةًليستْ لأْخرى والأدِيب أريب
فَتَقاعَس المَلْعونُ عنه وإنّنيلأكادُ من فَرْط الحَياء أذُوب
وأبَي كعَيْر السَّوْء إلاّ وَقْفةًأخْزَي بها والوِرْدُ منه قَرِيب
فكأنّه ممّا تَشنَّج جِلْدُهكِيرٌ تَقادم عَهْدُه مَثْقوب
هذا شعر حسن في الهزل جزل في معانيه، دون فحش فيه. والبهانة: الطيبة الريح؛ وقد قيل: هي الرخيمة المنطق؛ وقيل فيها: الضحوك المداعبة. وكل هذا مما يليق بوصفها في تلك الحالة. وقوله لونه حلبوب. يقال للأخضر إذا اشتدت خضرته فضرب إلى السواد: حلبوب.
وقد أتينا من ذكر الغزال بفنون، والحديث ذو شجون.
ومن الحق أن نختم ذكره بما قال في الزهد؛ فإنه - عفا الله عنا وعنه - عمر حتى قارب مائة عام، أربى عليها، وهو القائل:
ألستَ تَرى أنّ الزمانَ طَوانيوبَدَّل خَلْقي كُلَّه وبَرَانِي
تَحيَّفَنى عُضْواً فَعثضْواً فلم يَدعْسِوى اسمي صَحيحاً وحدَه ولِساني
ولو كانت الأسماءُ يَدْخلها البِلَىلقد بلَىِ اسمي لامتدادِ زَماني
وما لِيَ لا أبلَى لِتسعين حِجّةًوسَبِعٍ أتتْ مِن بعدها سَنَتان
إذا عنَّ لي شخصٌ تخيَّلَ دونهشَبيه ضَبابٍ أو شَبيهُ دُخان
فيا راغباً في العَيش إن كنتَ عاقلاًفلا وَعْظ إلاّ دُون لَحْظِ عِيان
ومن قول الغزال في الزهد:
النَّاس خَلقٌ واحدٌ مُتشابهلكنَّما تَتخالف الأعمالُ
ويقالُ حقٌّ في الرجال وباطلٌأيُّ امرئ إلاّ وفيه مَقَال
ولكل إنسانٍ بما في نَفسهمِن عَيبهِ عن غيره أشغال
يستثقل الَّلَمَم الخفيفَ لِغيرهوعليه من أمثال ذاك جِبال
ويَنام عن دُنياه نومةَ قَانعبنَعيمِ دُنياه وذاك خَيال
ورأيتُ ألْسنة الرِّجال أفاعياًطَوْراً تَثُور وتارة تَغتال
فإذا سلمتَ من المقَالة غير ماتَجنى فأنت الأسعدُ المفضال
ومن مفاخر الأندلس وشعرائها، وعلمائها المتقنين وكبرائها:
النص من طبعة دار العلم للجميع (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع