تجاوز إلى المحتوى

من «المطرب من أشعار أهل المغرب» لابن دحية الكلبي (ت ٦٣٣هـ)

أبو عمر ابن عبد ربه أحمد بن محمد بن عبد ربه

صاحب كتاب العقد الذي انجد وغار، وملأ بذكره الآفاق والأقطار. وذكر العالم المؤرخ الثقة أبو بكر الحسن بن محمد بن مفرج المعافري القرطبي - يعرف بالقبشي - لسكناه بها، في كتابه الذي سماه بكتاب الاحتفال في تاريخ أعلام الرجال، الذي

حدثنا به المحدث العدل أبو القاسم بن بشكوال، عن الحافظ الثقة أبي محمد بن يربوع عن الثقة أبي محمد بن خزرج عنه، قصة جرت لابن عبد ربه، مع الكاتب أبي حفص عمر بن قلهيل في التسمع على جاريته مصابيح. واتفق أن اجتاز أحمد بن محمد بن عبد ربه بدار أبي حفص عشية فقرع سمعه من طيب الغناء ما استوقفه، وأراد الدنو من الباب. وقيل، إنه صب عليه من العلية ماء بل ثيابه، فلم يردعه ذلك عن طلب الازدياد في السماع. فعدل إلى مسجد بقرب الدار، وسأل المعلم فيه أن يأتيه بدواة وبياض يكتب فيه، فجاءه بهما فكتب، إلى قلهيل رقعة فيها:

بسم الله الرّحمن الّرحيم. طاولتَك النِّعم وطالت بك. إنا لَمسنا سماءَ لَهوك، (فَوَجَدْنَهَا مُلِئَت حَرَساً شَديداً وشُهُباً. وأنَّا كُنَّا نَقعُدُ منهَا مَقَعِدَ للَّسمع، فَمَن يَستَمعِ الآنَ)... إلى آخر الآية. وفي ذلك أقول:

يا مَن يضَنّ بصوت الطائر الغَرِدما كنتُ أحسَبُ هذا الضَّنّ في أحَدِ
لو أنّ أسماعَ أهلِ الأرض قاطبةًأصغتْ إلى الصّوت لم ينقُص ولم يَزد
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «يا من يضن بصوت الطائر الغرد»
لولا اتقائي شِهاباً منك يُحْرقنيبنَاره لاستَرقتُ السّمع من بُعُد
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «يا من يضن بصوت الطائر الغرد»
لو كان زريابُ حياًّ ثم أسمَعهلماتَ من حَسد أو ذَاب من كَمَد
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «يا من يضن بصوت الطائر الغرد»
فلا تَضَنَّ على أذنْي تُقَرِّطهاصوتًا يَجُول مجالَ الرُّوح في الجَسَدِ
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «يا من يضن بصوت الطائر الغرد»
أمّا الشّراب فإني لست أقرَبهولستُ آتيك إلا كِسْرتي بيدي
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «يا من يضن بصوت الطائر الغرد»

وسأل البواب فأوصل الرقعة إليه، فلما قرأها وعرف موضعه جاء حافياً إليه، وسأله الحضور ففعل. ثم قال ممازحاً: هات الكسرة التي زعمت أنك ترفع عنا مئونتها. فقال: أنصرف فآتيك بها. فأقام أحمد عنده أياماً. وقد ذكر هذه الحكاية الحميدي في جذوة المقتبس له مبتورة مصحفة.

وزرياب عندهم كان يجري مجرى الموصلي في الغناء، وله طرائق أخذت عنه، وأصوات أستفيدت منه. وقدمناه ذكره عند ذكر الغزال، وسقنا خبره.

ومن شعر ابن عبد ربه:

الجسمُ في بلد والرّوحُ في بلدِيا وَحْشةَ الرُّوح بل يا غُرْبة الجَسَدِ
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «الجسم في بلد والروح في بلد»
إن تَبْك عيناكَ لي مَن كَلفْتُ بهمِن رحمةٍ فهُما سَهمَاك في كَبِدي
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «الجسم في بلد والروح في بلد»

قال الحميدي: ومما أنشدنيه من شعره أبو محمد علي بن أحمد، واخبرني أن بعض من كان يألفه أزمع على الرحيل في غداة ذكرها، فأتت السماء في تلك الغداة بمطر جود حال بينه وبين الرحيل، فكتب إليه أبو عمر:

هلاّ ادَّكرت لبَيْن أنت مبتكُرهيهات يأبَى عليك اللهُ والقدرُ
ما زلتُ أبكي حِذَار البَيْن مُرْتَهناحتى رثَى لَي فيك الريحُ والمطرُ
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر»
يا بَردةً من حَياَ مُزْنٍ على كَبدٍنيرانُها بِغَليل الشَّوق تَسْتعر
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر»
آليتُ ألاّ أرى شمساً ولا قَمراًحتى أراك فأنت الشمس والقمرُ
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «هلا ابتكرت لبين أنت مبتكر»

ولأبي عمر بن عبد ربه هذا مدائح كثيرة ومجموعات كبيرة في مدح مواليه بني أمية. آخرها ما جمع للمستنصر بالله الحكم بن عبد الرحمن الناصر لدين الله، ثم كفر عن جميع ما قال واحسن المقال وسماها بالممحصات، والله يقبل التوبة ويعفو

عن السيئات. فمن ذلك قطعة محص بها القطعة المذكورة آنفا:

يا عاجزاً ليس يعفُو حيث يَقتدرُولا يُقَضَّي له من عَيشه وطَرُ
عَاين بقلبك إنّ العين غَافلةٌعن الحقيقة واعلم أنها سَقَر
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «سبيل الحب أوله اغترار»
سوداءُ تَزْفِرُ عن غيظٍ إذا سُعرتللظَّالمين فلا تُبقى ولا تَذَر
إنّ الذين اشْتروا دُنيا بآخرةوشِقْوةً بنعيمٍ ساَء ما تَجَروا
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «سبيل الحب أوله اغترار»
يا من تلهَّى وشيبُ الرأس يندُبهماذا الذي بعد شيبِ الرّأسِ تنتظر
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «سبيل الحب أوله اغترار»
لو لم يكن لك غيرُ الموت موعظةًلكان فيه عن اللذَّات مُزدَجَر
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «سبيل الحب أوله اغترار»
أنت المقولُ له ما قلُت مبتدئاًهلا ادكرت لبين أنت مبتكر
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «سبيل الحب أوله اغترار»

قال ذو النسبين، ﵁: وحدثنا الفقيه الأجل أبو الحسن على بن الحسين بلفظه بمدينة فاس سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وفيها مات رحمه

الله، قال: حدثنا الفقيه الحافظ أبو الحجاج يوسف بن عبد العزيز بن عبد الرحمن ابن عديس الأنصاري بجامع القرويين بمدينة فاس سنة خمس وخمسمائة، وفيها مات. قال: سمعت الإمام أبا عمر بن عبد البر يقول: سمعت الإمام الحافظ أبا الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي، المعروف بابن الفرضي يقول: أنشدنا الإمام أبو زكريا يحيى بن مالك بن عائذ، قال: أنشدني أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه شاعر الأندلس لنفسه:

ألاّ إنّما الدُّنيا غضَارةُ أيكةٍإذا أخضرَّ منها جانبٌ جفَّ جانبُ
للشاعر الصعلوكي، من قصيدة «ألا إنما الدنيا غضارة أيكة»
هي الدَّار ما الآمال إلا فجائعٌعليَها ولا اللذَّاتُ إلاّ مَصائب
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «ألا إنما الدنيا نضارة أيكة»
وكم سَخِنَت بالأمس عَينٌ قَريرةٌوقرَّت عُيونٌ دمعُها اليوم ساكب
فلا تَكتحل عيناك فيها بَعْبرٍةعلى ذاهب منها فإنك ذاهب
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «ألا إنما الدنيا نضارة أيكة»

وآخر شعر قاله قبل موته بأحد عشر يوما:

كِلاَنِى لمَا بي عاذلّي كفَانيطويتُ زَماني بُرهةً وطَوانِي
للشاعر ابن عبد ربه، اقرأ القصيدة
بَلِيتُ وأبلَتْني اللّيالِي وكَرُّهاوصَرْفان للأّيام مُعَتوِران
للشاعر ابن عبد ربه، اقرأ القصيدة
وما لَيِ لا أبْلى لِسَبعين حِجّةًوعَشْرٍ أتتْ من بعدها سَنَتان
للشاعر ابن عبد ربه، اقرأ القصيدة
فلا تسألانِي عن تَباريح عِلَّتيودونكُما منِّي الذي تَريان
للشاعر ابن عبد ربه، اقرأ القصيدة
وأنى بِحمد الله راج لِفَضلهولي من ضَمان الله خيرُ ضَمانِ
للشاعر ابن عبد ربه، اقرأ القصيدة
ولستُ أبالي عن تَباريح عِلَّتيإذا كان عَقْلي باقياً ولِساني
للشاعر ابن عبد ربه، اقرأ القصيدة
هُما ما هُما في كُل حالٍ تُلمّ بيفذا صارمي فيها وذاك سنانيِ
للشاعر ابن عبد ربه، اقرأ القصيدة

والوزير الكاتب، كاتب الملك المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر:

النص من طبعة دار العلم للجميع (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المطرب من أشعار أهل المغرب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.