من «المطرب من أشعار أهل المغرب» لابن دحية الكلبي (ت ٦٣٣هـ)
ذو الوزارتين ابن الحاج أبو الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج
عين مدينة لورقة وإنسانها، ومدرهها ولسانها؛ وكان أكرم من غمام، وأرسى حلماً من شمام؛ وله شعر أعذب من الجريال في صحن الخد، وأطيب من الوصال بعد الصد.
أنشدني الوزير الفقيه المحدث الكاتب، أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، قراءة مني عليه سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، ﵀، قال:
أنشدنا ذو الوزارتين أبو محمد قال: أنشدني أبي ذو الوزارتين أبو الحسن المذكور:
أزورَك مُشتاقاً وأرجع مُغرماًوأفتح باباً للصَّبابَة مُبْهَما
أمدَّعِيَ السُّقم الذي آد حَمْلُهعَزيزٌ علينا أن نَصحّ وتَسْقما
مَنَعْت مُحِباً منك أيسرَ لَحظةتَبْلُّ غَليلَ الشَّوق أو تَنقُع الظَّما
وما رَدَّ ذاك السِّجفُ حين رميتَهمن القَلب سَهماً من هواك مُصمِّما
هَوًى لم تُمِنْ عينٌ عليه بنَظرةٍولم يكُ إلا سَمْعةً وتَوهُّما
ومُلتقطَاتٍ من حديث كأنمانَثرتَ به سِلْكَ الجُمان المنظَّما
دعوتُ إليك القلب بعد نُزوعهفأسرع لمَّا لم يجد متَلوَّما
وله:
وبيضاَء ينَبو الحَّظُ عند التقائهاوهل تَستطيع العينُ تنظرُ في الشّمسِ
وَهَبْتُ لها نفساً علىَّ كريمةٌوقد عَلِمتْ أنَّ الضَّنَانة بالنَّفس
أعالجُ منها السُّخطَ في حالةِ الرّضىولا أعدَم الإيحاش في ساعة الأنس
وله وقد أهدى تفاحا
بعثتُ بها ولا آلُوك حَمْداًهديةَ ذِي اصطناع واعْتِلاَقِ
خدودَ أحبْة وافَيْنَ صَبًّاوعُدْنَ على ارتماضٍ واحتراقِ
فحمَّر بعضَها خَجَلُ التَّلاقِيوصَفَّر بعضَها وَجَلُ الفِرَاق
وله في زرزور:
يا رُبَّ أعجَم صامتٍ لَقَّنْتُهطَرَفَ الحديثِ فصَار أفصحَ نَاطِقِ
جَوْنِ الإهابِ أعِيرَ فُوه صُفْرةًكاللَّيل طَرَّزه وَميضُ البارق
حِكَمٌ من التَّدبير أعجزَتِ الوَرىورَأى يها المَخلوقُ لُطْفَ الخالق
وكان الوزير ذو الوزارتين أبو الحسن المذكور ذا بضائع من العلوم والآداب كلها جواهر، وجميعها إذا أدجت الأيام زواهر؛ وكان ذكر بني عباد بالكرم بالمغرب. وقد طار وطبق الأقطار، فقصدهم بتلك البضائع التي لا يروج إلا لديهم نفاقها، ولا تقام إلا عندهم أسواقها؛ فأخفق لاشتغالهم عنه - لا لتقلص ظلال كرمهم - مسعاه، وتكدر مورده وصوح مرعاه؛ فأم غير مورد نداهم موردا، وارتحل عنهم منشدا:
تَعزَّ عن الدُّنيا ومَعروِف أهلهاإذا عُدمٍ المَعروفُ في آلِ عبْادِ
أقمتُ بهم ضَيْفاً ثلاثَةَ أشهرٍبغَيرْ قرِي ثم انصرفتُ بلا زاد
فندموا على تفريطهم فيه وما فرط من إهمالهم، وقد ألبسهم من العار ما عراهم من حلل الأيادي السابقة من نوالهم.
وله إلى الفقيه العالم الأديب الأحسب، قاضي القضاة بشرق الأندلس ونخبة الأملاك من كلب، أبي أمية إبراهيم بن عصام الكلبي:
لي صاحبُ عَمِيَتْ علىّ شُئُونُهحركاتُه مَجْهولةٌ وسُكُونُه
يرتابُ بالأمر الجَلِّيِ تَوهُّماًوإذا تَيقَّن نَازَعَتْهُ ظُنُونه
ما زلتُ أحفظه على شَرَقِي بهفالشَّيبُ تكرَهُه وأنتَ تَصُونه
والوزير أبو بكر محمد بن عيسى الداني المعروف:
النص من طبعة دار العلم للجميع (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع