من «رسائل البلغاء» لمحمد كرد علي (ت ١٣٧٢هـ)
ملقى السبيل
سانحة للناشر والمعري وشبنهاور
من عهد بعيد بَحَث كُتَّاب الشرق والغرب عن حياة الشاعر الحكيم أبي العلاء المعري، وتأليفه، وعرفوه بما يستحقه من الإجلال والتعظيم، فلا حاجة لإيراد ترجمته هنا، إلا أنا لم نر أحدًا أشار إلى المشابهة الغريبة الموجودة بين فلسفة المعري، ومذهب شُبنْهاوَرَ الحكيم الجرماني.
وُلِدَ أرْثُور شبنْهاور بمدينة دنتسِيغْ بألمانيا (سنة ١٧٨٨م)، فاعتنت أمُّه بتثقيفه. وكانت من مشاهير قصَّاصِي ذَلكَ القَرْن فأحسنت تربيته، وبعْدَ أن تَلَقَّى العلومَ بجامعة برلين وحصل على أعلى شهاداتها، أخذ يُدَوِّنُ آراءَه الفَلْسَفِيَّة، فألَّفَ عِدَّةَ كُتُبٍ أهمُّها: «الإرادة في الطبيعة» و«أساسُ الحِكْمَة»، وأشهرها: «فصول في الحكمة في الحياة»، وفيه جمع شبنهاور حِكَمَه في أقوالٍ موجزة وفُصُول قصار، وصف فيها أتعاب الحياة وآلام البشر على صورة تُؤْلِمُ القَارِئ لانْطباقها — في الغالب — على الواقع، ومذهب شبنهاور أن جميع مشاقِّ الإنسان، وأتعابه الدنياوية الأصل فيها ما يسميه: «إرادة البشر»، يعني: شَهَوات طبيعتنا وحبنا التَّمتع والتلذذ بالحياة، أَوَليس هذا رأي المعري عندما يقول: «إنك إلى الدنيا مصغ، وحبها للبشر مُطْغ، لو أنك لشَأْنِها مُلْغ، أبَغْاكَ ما تأمله مبغ.» ولولا خوف الإطالة لَأَوْرَدْنَا شيئًا كثيرًا من تشابُه أقوال الحكيمين. توفي أرثور شبنهاور بفرنكفورت (عام ١٨٦٠م).
ومَن اطلع على طريقة هذا الفيلسوف الألماني تَيَقَّنَ أن معتقده، ويأسه من الحياة وتشاؤمَه المستمر يُطابق كثيرًا مذهب المعري، خُصُوصًا في فحصه عن أتعاب البشر وآلامهم وجَسِّه أسقام الإنسان كالباحث الماهر، والطبيب العارف من غير حنان ولا شفقة على هذا النَّوع الإنساني، وبدون أن يُبَيِّن وَصْفَ الأدْوِيَةِ التي ينبغي اتخاذُها واستعمالُها للاتقاء وتَسْلِيَة تلك المواجع، وهناك علاقةٌ وتشابهٌ آخرُ بين أبي العلاء وشبنهاور، وهو كونهما لم يَتَزَوَّجَا، وعاشا في عزوبة مستمرة وعزلة وانقطاع، مما أثر في طبعيهما وجعلهما يتشاءمان وينتقدان الهيئة الاجتماعية، ويتناولان أهل الدين وأرباب الشعائر والنساء والاعتقاد، ويُسيئان الظن بالدنيا وساكنيها.
والفرق بين العالِمين هو كون شبنهاور استقلَّ في علم الفلسفة ودراستها والتدوين فيها، بخلاف المعري الذي لم يشتغل بالفلسفة من حيث هي علم، وإنما كان يبحث عن أسباب الأشياء وتعليلِ وُجُودها، فتَخْطُرُ له خطراتٌ حكميةٌ تستحوذُ على مخيلته وذهنه الحادِّ، فتسكبها قريحتُه الشعريةُ في تلك القوالب العجيبة، التي تَظهر من قصائده.
بَقِيَ علينا أن نتكلم عَلَى رِسَالَة «مَلْقَى السبيل»، التي نقدمها اليوم إلى مُحِبِّي الآثار العربية والمولَعِين بنثر شاعر الفلاسفة، وفيلسوف الشعراء ونَظْمِهِ، فالظاهرُ من هيئة هاته الرِّسالة وإنشائها أن المعري أَلَّفَها في الدور الأخير من حياته، زمن عزلته وانقطاعه (حوالي سنة ٣٣٤ه)، وقد زَهِدَ في الدنيا لكِبَرِهِ واقتراب أجله، فكأنه أراد الرجوعَ للمبادئ الدينية وسَلَكَ طَرِيقَةَ الوعْظِ والنُّسك وتَمَسَّكَ بالاعتقاد، وأين قوله زَمَنَ صغره لَمَّا كان في غزارة قُواه وعُنفوانِ شبابه:
ضَحِكْنَا وَكان الضَّحِكُ منَّا سَفَاهَةًوَحُقَّ لِسُكَّانِ الْبَسِيطَةِ أَنْ يَبْكُوا
تُحَطِّمُنَا الْأَيَّامُ حَتَّى كَأَنَّنَازُجَاجٌ وَلَكِنْ لَا يُعَادُ لَنَا سَبْكُ
من اعترافه بالبعث والمعاد في هاته الرِّسالة كقوله: «وفي الآخرة يكون المَجْمَع.» وقوله: «وعند الباري تكون الزُّلَف.» وهلم جرًّا.
أمَّا أُسْلُوبُ هَذِهِ الرِّسَالَة — في مُجْمَله — فهو يُشابِه كثيرًا لهجةَ الخُطب البليغة ذات الفصول القِصار التي كان يُلقيها خُطباء العَرَب: كسَحْبَانِ وائلٍ الباهليِّ، وقُسِّ بن ساعدةَ، وعامر بن الطُّفيل، وأمثالهم بأسواق الجاهلية، وإليك نموذجًا من كلام قُس بن ساعدة خطيب بني إياد الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : «رأيته بسوق عكاظ على جملٍ أَحْمَرَ يقول: أيُّها الناس، اجتمِعُوا فاسمعوا وَعُوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكُلُّ ما هو آتٍ آت، في هذه آياتٌ محكمات: مطرٌ ونباتٌ، وآباء وأمهاتٌ، وذاهبٌ وآت، ونجومٌ تمور، وبُحُورٌ لا تغور، وسقفٌ مرفوع، ومهاد موضوعٌ، وليلٌ داجٍ، وسماء ذات أبراج، ما لي أرى النَّاس يموتون ولا يرجعون، أَرَضُوا فأقاموا، أم حُبِسوا فناموا؟! يا معشر إياد، أين ثمودُ وعاد؟ وأين الآباء والأجداد؟ أين المعروف الذي يشكر، والظلم الذي لم ينكر؟»
فِي الذَّاهِبِينَ الْأَوَّلِينَمن الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ
لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِدًالِلْمَوْتِ لَيْسَ لَها مَصَادِرْ
وَرَأَيْتُ قَوْمِي نَحْوَهاتَمْضِي الْأَكَابِرُ وَالْأَصَاغِرْ
لَا يَرْجِعُ الْمَاضِي وَلَايَبْقَى من الْبَاقِينَ غَابِرْ
أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَالَةَ حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرْ
وسوف يرى القارئ ما بينَ الكلام المتقَدِّم، وحَلَّ المعري وعقده في «مَلْقَى السَّبيل» من مطابقة المعنى، ومشابهة اللهجة.
أمَّا النُّسخة التي اعتمدنا عليها في النَّقل، فهي مَحْفُوظة بمكتبة الأسكوريال من بلاد الأندلس تحت نمرة (٧٦٤)، وهي بخَطِّ الرَّاوي لها، القاضي الإمام الشريف أبي محمد عبد الله بن القاضي أبي الفضل عبد الرحمن بن يحيى الديباجي العثماني رسمها بالإسكندرية أوائل القرن السَّادِس، وقد اعْتَنَى برَسْمِها وضبط جُمَلَها بطريقةٍ ثابتةٍ مدققة، وهي فيما أعْتَقِدُه أقْدَمُ نُسْخَةٍ لِمَلْقَى السَّبِيل، ولا يبعُدُ أن تكون هي التي عول عليها أُدَبَاءُ الأنْدَلُس في مُعَارَضَاتِهِم لها؛ فَقَد جَاءَ في نَفْح الطِّيب أن الحافظ أبا الربيع الكَلَاعِيَّ الأنْدَلُسِيَّ المتوفى بالجِهادِ (سنة ٦٣٤ه)، عَارَضَ هذه الرِّسَالَةَ بتأليف سماه: «مُفَاوضَةُ القَلْب العَليل ومُنابَذَةُ الأمَل الطَّويل بطريقة المعري في ملقى السبيل».
كما تحتوي مكتبَةُ الأسْكوريال نفسها على كتاب نمرة (٥١٩)، من وَضْع الكاتب الشهير أبي عبد الله محمد بن أبي الخصَّالِ، وزير يُوسف بن تاشفين سُلطان المرابطين عارض به «مَلْقَى السَّبيل» أيضًا، ومن جهَةٍ أُخْرَى يُوجَدُ بمقَدِّمَة النُّسخَة التي لدينا، وهي — كما قدَّمْنَا — صُورَةٌ فُوتوغرافيةٌ من الأصلِ الأنْدَلُسي كثيرٌ من الإجازات تُنْبِئُ بقراءة هَذِهِ الرِّسَالة على أسَاتِذَةٍ مُتَضَلِّعين تلتَحِقُ رواياتُهم بالرَّاسِمِ الأوَّل، نعني عبد الله الديباجي، وأقدمُ توقيعٍ من هَذَا النَّمط مُؤَرَّخٌ (سَنَة ٥٦٢ه)، وهو مما يُستدل به أيضًا على اهتمام الأندلسيين بتأليف المعري.
وعَسَى أن نَنْشُر فيما بعد رسائلَ أُخرى من وَضْع هذا الفيلَسُوف الشاعر — والله ولي التوفيق.
تونس، ١٠ ربيع الأول سنة ١٣٢٩ه، ح. ح. عبد الوهاب
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع