تجاوز إلى المحتوى

من «نضرة الإغريض في نصرة القريض» للمظفر العلوي (ت ٦٥٦هـ)

باب الإشارة

والإشارة من محاسن البديع، ومعناه اشتمالُ اللفظِ القليل على المعاني الكثيرة وإنْ كان بأدْنى لمْحٍ يُستدلّ على ما أُضمِرَ من طويل الشرحِ كقولِ امرئ القيس:

على هيكلٍ يُعطيكَ قبلَ سؤالهِأفانينَ جرْيٍ غير كزٍّ ولا وانِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»

تأمّل ما تحت لفظة أفانين، وما اقترنَ بها من جميع أصناف الجوْدة، ثم نفى عنه الكزازة والوَنى وهُما أكبر معايب الخيْلِ.

وقال زهير:

فلو أني لقيتُك واتّجَهْنالكانَ لكلِّ منكرةٍ كفيلُ

فهذا لفظٌ قليلٌ يدلّ على معنى كثير. وكما قال بعض الأعراب:

جعلْتُ يدَيَّ وِشاحاً لهُوبعضُ الفوارِسِ لا يعْتَنِقْ

قولهُ: جعلتُ يديَّ وِشاحاً له، إشارة بديعةٌ الى المعانقةِ بغير لفظِها وهي دالّة عليها.

وقال الأعشى:

تسْمَعُ للحَلْيِ وسْواساً إذا انصَرَفَتْكما استعانَ بريحٍ عِشْرِقٌ زَجِلُ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

أشار بذلك الى دقة الخصرِ والرّشاقةِ والهَيَف لأن حركة الوُشْحِ تدلّ على ذلك. فأما الخلاخلُ والأسْورةُ والبُرى، فإنها توصفُ بالصمتِ والخرَس. وفي البيت إشارة أخرى الى شدّة الحركة وهي قولُه، كما استعانَ بريحٍ عِشْرِقٌ زجِلُ، وذلك أن العِشرِقَ وهو شجرٌ شديدُ الحركة في ضعْفِ النسيم، فكيفَ إذا استعانَ بريحٍ.

وقالت الخنساء:

يذكّرُني طُلوعُ الشّمسِ صخْراًوأذكرُهُ لكلِّ غُروبِ شمسِ
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يؤرقني التذكر حين أمسي»

إشارة حسنة الى وقت الغارة، ووقت الميْسِرِ وإطعامِ الضيف.

وقال القُحَيْف:

أتاني بالعقيقِ دعاءُ كعبٍفحنَّ النّبْعُ والأسَلُ النِّهالُ

إشارة حسنة الى إغاثته بالجيش. وقال آخر:

وزَيدٌ ميِّتٌ كمَدَ الحُبارَىلأن ظَعَنتْ سُكَيْنَةُ والرَّباب

إشارة حسنة الى شدّة الهمِّ وذلك أن الطير تجتمعُ في مواضع بعيدةٍ من الأناسيّ فتطرحُ ريشها هناك وفيها الحُبارى، ثم ترتعي الى أن ينبُتَ ريشُها، فإذا نبتَ ريشُ تلك الطيرِ كلِّها تخلّف الحُبارى عنها لأن ريشَها بطيءُ الطلوع فينهضُ جميع الطير وتبقى الحُبارى فيموتُ أكثرُها كَمَداً.

وأنشد ابن الأعرابي:

مَشيْنا فسوّيْنا القُبورَ بعاقلٍفقد حسُنَتْ بعْدَ القُبوحِ قُبورها

أي قتَلْنا بقتلانا فاستوى عددُ قتلانا وقتلاهم. وهذه إشارة عجيبة لطيفةٌ الى أخذ الثأر. وفي هذا الباب سَعة وجهدُنا أن نختصِرَ.

وقريبٌ من معنى الإشارة وإن تغايَرَت العبارة:

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الأول في وصف الشعر وأحكامه وبيان أحواله وأقسامه

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.