من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)
مع ما يدل عليه سائر البيت
وهو الذي سماه من بعد قدامة التمكين، وهو أن يمهد الناثر لسجعة فقرته، أو الناظم لقافية بيته، تمهيداً تأتي القافية به متمكنة في مكانها، مستقرة في قرارها، مطمئنة في موضعها، غير نافرة ولا قلقة، متعلقاً معناها بمعنى البيت كله تعلقاً تاماً، بحيث لو طرحت من البيت اختل معناه واضطرب مفهومه، ولا يكون تمكنها بحيث يقدم لفظها بعينه في أول صدر البيت، أو معنى يدل عليها في أول الصدر، أو في أثناء الصدر، ولا أن يفيد معنى زائداً بعد تمام معنى البيت، فإن الأول يسمى تصديراً والثاني توشيحاً، والثالث إيغالاً، ولا يقال لشيء من ذلك تمكين ألبتة، وقد جاء من ذلك في فواصل الكتاب العزيز كل عجيبة باهرة، ومنه قوله تعالى: " قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن تترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد " فإن هذه الآية الكريمة لما تقدم فيها ذكر العبادة والتصرف في الأموال كان ذلك تمهيداً تاماً لذكر الحلم والرشد، لأن الحلم: العقل الذي يصح به التكليف، والرشد حسن التصرف في الأموال، وكقوله تعالى: " سبحان الذي خلق الأزواج
كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون " وكقوله سبحانه: " قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون، وما علينا إلا البلاغ المبين " وكقوله تعالى: " قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون " وكل فواصل الكتاب العزيز بين تمكين، وتوشيح، وإيغال وتصدير.
ومن أمثلة هذا الباب الشعرية قول أبي تمام وافر:
ومن يأذن إلى الواشين تسلقمسامعه بألسنة حداد
وقوله أيضاً في غزل هذه القصيدة:
مذاكي حلبة وشروب دجنوسامر قينة وقدور صاد
وأعين ربرب كحلت بسحروأجساد تضمخ بالجساد
وقوله طويل:
محاسن ما زالت مساو من النوىتغطى عليها أو مساو من الصد
وقوله أيضاً طويل:
أموسى بن إبراهيم دعوة خامسبه ظمأ التثريب لا ظمأ الورد
أتاني مع الركبان ظن ظننتهلففت له رأسي حياء من المجد
أأتبع هجر القول من لو هجوتهإذاً لهجاني عنه معروفه عندي
نسيت إذاً كم من يد لك شاكلتيد القرب أعدت مستهاماً على البعد
ومن زمن ألبستنيه كأنهإذا ذكرت أيامه زمن الورد
وأنك أحكمت الذي بين فكرتيوبين القوافي من ذمام ومن عقد
وأصلت شعري فاعتلى رونق الضحىولولاك لم يظهر زماناً من الغمد
وكقول البحتري طويل:
فلم أر ضرغامين أصدق منهماعراكاً إذا الهيابة النكس أكذبا
حملت عليه السيف لا عزمك انثنىولا يدك ارتدت ولا حده نبا
وكنت متى تجمع يمينك تهتك الضريبة أولا تبق للسيف مضربا
ألنت لي الأيام من بعد قسوةوعاتبت لي دهري المسيء فأعتبا
وألبستني النعمى التي غيرت أخيعلي فأمسى نازح الود أجنبا
فلا فزت من مر الليالي براحةإذا أنا لم أصبح بشكرك متعبا
وكقول المتنبي بسيط
يا من يعز علينا أن نفارقهموجداننا كل شيء بعدكم عدم
إن كان سركم ما قال حاسدنافما لجرح إذا أرضاكم ألم
ومنها:
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفةإن المعارف في أهل النهى ذمم
لئن تركن ضميراً عن ميامنناليحدثن لمن فارقتهم ندم
إذا ترحلت عن قوم وقد قدرواألا تفارقهم فالراحلون هم
ولم نسمع لمقدم شعراً أشد تمكين قواف من قول النابغة الذبياني كامل:
كالأقحوان غداة غب سمائهجفت أعاليه وأسفله ندى
زعم الهمام ولم أذقه بأنهيروي بريقته من العطش الصدى
النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع