تجاوز إلى المحتوى

من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)

باب التهكم

يقال: تهكمت البئر إذا تهدمت، وتهكم عليه: اشتد غضبه. والمتهكم المتكبر وقال أبو زيد: تهكمت: تعتبت، وهكمت، عيرته تهكيماً عبته، وعلى هذا يكون التهكم إما لشدة الغضب قد أوعد بلفظ البشارة أو لشدة الكبر وتهاونه بالمخاطب قد فعل ذلك أو ذكر بفعله عند العقوبة على سبب المعيرة له، فهذا أصله.

وهو في الاستعمال عبارة عن الإتيان بلفظ البشارة في موضع الإنذار، والوعد في مكان الوعيد، والمدح في معرض الاستهزاء، فشاهد البشارة من الكتاب العزيز قوله تعالى: " بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً " وقد مر في الباب الذي قبله قوله تعالى: " ذق إنك أنت العزيز الكريم " وهو شاهد الاستهزاء بلفظ المدح.

ومن التهكم قول الزمخشري في تأويل قوله تعالى: " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " قال: هم الحرس من حول

السلطان يحفظونه على زعمه من أمر الله على سبيل التهكم به، فإنهم لا يحفظونه من أمر الله في الحقيقة إذا جاء، والله أعلم.

ومنه أيضاً قوله تعالى: " قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين " فقوله سبحانه " إيمانكم " تهكم، والله أعلم.

ومن السنة قول الرسول ﷺ " بشر مال البخيل بحادث أو وارث ".

وشاهد المدح في موضع الاستهزاء قول ابن الذروى في ابن أبي حصينة من أبيات خفيف:

لا تظنن حدبة الظهر عيباًفهي في الحسن من صفات الهلال

؟ وكذاك القسي محدودبات وهي أنكى من الظبا والعوالي

وإذا ما علا السنام ففيهلقروم الجمال أي جمال
وذنابى القطاة وهي كما تعلم كانت موصوفة بالجلال
وأرى الانحناء في منسر البازي لم يعد مخلب الرئبال
كون الله حدبة فيك إن شئت من الفضل أو من الإفضال
فأتت ربوة على طود حلمٍطال أو موجةً ببحر نوال
ما رأتها النساء إلا تمنتلو غدت حليةً لكل الرجال

ثم ختمها بقوله:

وإذا لم يكن من الهجر بدٌفعسى أن تزورني في الخيال

وكقول ابن الرومي سريع:

فيا له من عمل صالحيرفعه الله إلى أسفل

وأحسب أن أول من نطق بالتهكم في شعره امرؤ القيس، حيث يقول: متقارب:

فأنشب أظفاره في النسافقلت هبلت ألا تبصر
للشاعر امرؤ القيس، اقرأ القصيدة

فإن قوله للثور هبلت ألا تبصر من التهكم اللطيف. وأطرف ما سمعت في التهكم قول حماد عجرد مجزوء الكامل:

فيا ابن نوح يا أخا ال؟حلس ويا بن القتب
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
ومن نشا والدهبين الربا والكثب
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة
يا عربي يا عربييا عربي يا عربي
للشاعر حماد عجرد، اقرأ القصيدة

والفرق بين التهكم والهزل الذي يراد به الجد أن التهكم ظاهره جد وباطنه هزل، وهو ضد الأول، لأن الهزل الذي يراد به الجد يكون ظاهره هزلاً وباطنه جداً.

؟

النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحرير التحبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.