تجاوز إلى المحتوى

من «جيش التوشيح» للسان الدين ابن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

أبو بكر محمد ابن الأبيض رحمه الله تعالى

أي سحر ظهر مبهر، بحث عن المعنى الرائق واستقصى، وملك الحسن الأحمر ورمى الغرض الأقصى، صقل ألفاظه وجلا، وهو في التوشيح ابن جلا، فقلد الزمان حليه، وأمطر بروض الإحسان وسميه ووليه، فأخترع وولد، وأشتمل بالسحر وتقلد، ونظم شعره وتوشيحه في قالب الإعجاز، متصرفا فيه بالحقيقة والمجاز، وله في هزل الكلام العامي نظم حسن أقسامه، وتقلد فيه من الغريب حسامه، وهاك من رائق توشيحه ما يكسبك ارتياحا، ويدير عليك من القبول راحا، فمن ذلك قوله:

مهجتي عند أعز ...... الموت أيام

خالعا في الحب قيديما ألذ العيش لو دام
جنة المشتاق هل ليغير أن أشقى وتنعم
قلما يرتاب مثليأن يرى شيئا فيحرم
أيها المغري بقتليميتتي بالسيف أكرم
وجراح الحب وخزوجراح الحب آلام
أهلكت حزمي وأيديفبنات الحب أيتام
كيف لا تحسن دنياسن فيها العدل سير
ملك طلق المحياكله بشر ونور
قد أقرت كل علياأنه العلق الخطير
فإذا ما الحرب تنزوبالقنا بأسا وأقدام
عف عن طعن الوريدومشى بالرمح قدام
لك بالعلياء وسمعندما يحمي الوطيس
وشراب القوم سمأترعت فيه الكؤوس
بأبي يوم أحمبذلت فيه النفوس
وكلام الحرب رمزأفهمت من بعد أعجام
قابلت كدا بكدفقرعت إلهام بالهام
أيها الملك السعيدبأبي يوم الرهان
فأقتنص فيها تصيدشاعرا حلو المعاني
يقتني السهم السديدبملمات الزمان
أنا للأيام كنزلا يخاف الدهر أعوام
فأغتنم بالجاه صيديأن للأحرار أسهام
لم يخب عن السدادمن أبو يحيى وزيره
أي رأي في الجهادوأناسا تستشيره
مع ولي اله نغزوغزوة بمصر والشام
نهزم الجيش العبيديونرد الشيعة إسلام
في مقلة الغزالالأحور دمع كاذب
كأن ماء قلبييعصر عنها ذائب
للشوق في ضلوعي نارمن الولوع شرارها دموعي
فبات في جفونييسهر وقد ثاقب
أرد الظلام حتىأسفر منه الجانب
حنت إلى المزاح نوريةالسراج تلتاح في الزجاج
كأنما العقيقالحمر فيها ذائب
عليه من نفيس الجوهرسمط لاعب
يا جامع العنانشرف ولو مكاني حملا على الزمان
فوجهك الأنيقالمنظر حسب الطالب
وذكرك الرفيع الأعطرزاد الراكب
أيها الهمام أزورلاسن الكاعب
ولا بدا الطراز الأخضرفوق الشارب
يا نازحا يزارلو كان لي خيار ما غنت الديار
بالله يا نسيم الأعطربلغ الغائب
تحية الوزير الجعفرأبن الحاسب
وجنة الورد المحلىتغتدي السحر المبينا
صبغت شفاه أحوىبدموع العاشقينا
نزلوا إلى التلاقيمنزلا رحب الجناب
ومشوا إلى العناقفي الدجى مشي الحباب
وبكى خوف الفراقرشأ غض الشباب
ملأ اللثام كحلابعد كتم الدهر حينا
والهوى ينشر شكوىينظم الدر الثمينا
يا أبا حفص أشارهمرة من اهتبالك
بأبي أخفى عبارهصرّحت عن بيت مالك
وأللذ يقول الوزارههو في استعجال ذلك
خلق الرماح أعلىعزّة إلاتلينا
يا سماء كل جدوىأقطر المجد المعينا
أسد قد لان لماأدرك الشبلان بأسه
كلما بهم نظماشربا في الحب كأسه
أي يوم قد أهمانكّس الجبان رأسه
نهلا والبيض نصلابأكف الضاربينا
هزج السيوف أقوىمن رؤوس الضاربينا
ربّ عظيمصعبت بالانقباض
ضمها ضم الغريمعنوة إلى التقاض
أيما حبل كريمعلقت عند المخاض
عجبا من صبر حبلىتحمل الراد جنينا
ومضت في الدهر تروىمثلا للسائرينا
هجمت على افتتاحظبية قيد العقول
مزحت راحا براحمن لمى كالسلسبيل
وسطت على اللواحيباحتيالها النبيل
لم نَبُس حِبّي وإلاّيفتري الناس علينا
إنما قبلت عضوامن أمير المؤمنينا
روضة وسيمة الأقحوانتجتنى بالأماني
لست أنسى ذكر طيب الصبوحإذ من جنى الخمر راحا بروح وتغني فوق

غصن صدوح

أعجمي الصوت لكن شجانيعربي اللسان
كيف لا أكرع في كل وردوأبو خالدها أي زند قرع الأيام حدا بحد
فأذل الدهر حتى سقانيمن خطوب الزمان
أسد في الحرب ماضي السلاحأي يوم للعوالي وقاح هلكت فيه صدوح الرماح
فمضى يطلب ثار السنانبالحسام اليماني
طرت للمجد فيما جئت آخروتباري معشرا في مآثر وتعاطي الجود عين

المخاطر

ثم كان السبق يوم الرهانللوزير ابن هاني
علقت منه نفوس المعاليوتحلى حليها غير حالي فغدت تنشد لا تبالي
قلبي أنس مخلق في بانوتموت أنت في شان
لله من أخفيه والشوق واري الزنادشق الأرمحية عطفا قليل السناد
أحللته في ضلوعيلو أن شيئا يرضيه
لا مرحبا بالدموعأن أقلعت أو ترويه
فليس لي بالهجوععهدا ولا أرتجيه
يا ظالما أتقيه بين الحشا والفؤادتفديك عين أبيه أذللتها بالسهاد
بين القنا والأقلامتنازع في العلاء
يعري نفوس الكرامعجبا بحكم الآباء
حكمت يوم الخصامعليهما بالجلاء
قضيت بالحكم فيه على الوشيج المنآدمن أين السمهريه أسنة من مداد
للمشرف الحضرميّفي العز بيت قديم
أين السها من نديّلا ترتقيه النجوم
لمّت بالمشرفيّلله رهط قديم
أسد المقام الكريه تلتذ حر الجلادقد صمدوا للمنيّه تحت السيوف الحداد
هل كان يكفيك مشهدوالدهر ذل رجاه
أنا الحسام المهندمعطل من حلاه
فأضرب بها يا محمدلعله وعساه
ما ضر لو تنتضيه سيفا رهيب الجهادتبكي له المشرفيه توجعا في الأغماد
الله يرعى ابتهاليبحفظ هذي الوزراه
فاجرر ذيول التعاليعجبا بدار الاماره
حتى تغني اللياليلفظا بها أو إشاره
يا دولة العز تيهي فحسبك اليوم نادبالدولة الحضرمية على جميع البلاد
ما أنا من نخوه جر الجلابيبنازعته الأسماط تندى من الطيب
لله مذعورليلة إيناسه
عشاه مهجورفي طيب أنفاسه
والقرط مأسورفي قيد أخراسه
فأن يكن هفوه للحلي تعذيبأدبت الأقراط أحسن تأديب
كم لي من نيليوم الندى المشهود
بفارس الخيلوحضرمي الجود
اجر من ذيلفي ظله الممدود
ففاز بالخطوة منه وتقريبأوى إلى فسطاط في العز مضروب
يا كاتب الدنياومشرف الدهر
أقلامك العلياتنفث في السحر
وغاطس يحيامن نطف الحبر
حالم بلا كسوه كالرمح مسلوبناط العلا ما ناط في كل أنبوب
لي ساعد عبلبقومك الشم
أسد إذا حلوافي موطن الحزم
والموت ينهلعن عارض جهم
غضبان ذو سطوه كالنار مشبوبشدوا على الأوساط بكل أشبوب
وذات أشواقوجدي بها برح
تسح آماقيودمعها سحّ
غنّت لمشتاقموعده الصبح
أن جفيتني غدوه وصح مرغوبنعمل سلا ما ساط معك يا محبوب
من سقى عينيك كأس المداميا منى المستهام
رشأ أسهرني وهو نائمرق لي والموت بين الحيازم عجبا مند معه وهو باسم
خنث يمزح تحت اللثامعبرة بابتسام
قلب دنياي تسقى رويدتحت إحسان الوزير ابن زيد فأنا أربع في خبر قيد
بين برّ وعطايا جسامأخوات الغمام
بائن الغور بعيد المسافةقد كفى قرطبة كل آفة كم يد أوليت دار الخلافة
بك يا مشرف صحّ اليقينأنت صبح المشكاة المبين أي نصل سله ما
ملك شرفه في الأنامحمل ذاك الحمام
شرف الملك به حين حاطهفشدت وجدا به غرناطة إذ توخى بسواها ارتباطه
كل يوم أقريك يا حبيب سلامونسيت أنت ذمام
صل يا متيم من راحمقصوص الجناح
صاغ الجمال من كل لألاءخد أديمه من صهباء ذو جنة أرق من الماء
كأنها شقيقة تفاحلم تلمس براح
أعيا على المكارم والمجدما في الزمان من قدم العهد ملك حوى السيادة في

المهد

ليث عليه بردة امتداحمن نسج الرماح
يا كوكب الزمان إذ لاحنادى الزمان باسمك فصاح فأهتز بيت مالك وأرتاح
علمت هطفيه كيف يرتاحلصوت السماح
لله وقفة لك بالأمسوالحرب في غلائل كالورس عمياء لا ترى قرص الشمس
جلوتها ووجهك وضاحعند الكفاح
لما صدرت من موقف الزحفغازلت شادنا حائر الطرف وقلت تابعا سنة

الظرف

بحقك يا رشا من سقى الراحعينيك الملاح
آه من ضنين في الفؤاد مكنونكيف بالخلاص وهو بين أنفاس
بأبي نفورلا ينال بالختل
بارع غريريستريب من وصل
بات يستشيررأيه على قتل
سيئ الظنون مطرق إلى حينصاده اقتناص بحبائل الكاس
أين من غرامينازع إلى البحر
مائس القوامكالعلامة البكر
عف في المداموارتوى من الخمر
نقلت جفون عزتي إلى الهونما أنا بعاص حزني ووسواس
يا أبا الحسينهب دمي الأنصار
أنا بعد عينحافز على نار
ليس كل دينمثل ديني أوثار
يرتضي منون لا يخاف من دونحكمة القصاص أنصفت من النّاس
كيف لا يهابشادنا هو الليث
كفه السحابونواله الغيث
بطل يصابحيث لابها حيث
أسد العرين بات غير مأمونلابس الدلاص حذرا من الناس
حفلت هواهافيه كل حسناء
خضبت يداهابخضاب حنّاء
ولقد تناهىفيه قول عذراء
ليلة تحييني وأنا بتحيينهذيك النواص والظفير من راس
كاد غيرة بالخيلان وفي المنى تسيلفوق مرشف المرجان عنبر قليل
ظبية يقطع أشواقيليل هجرها
فجرت دموعي لإشفاقفوق نحرها
وترقرق الأثمد الباقيبين شعرها
أيقنت بحكم الهجران أنني قتيلفمحت بدمع الأجفان طرفها الكحيل
كيف لا يحل من الجاهموضع النجاد
من أميره عبد اللهبدر كل ناد
وهو يوم غصة الأفواهضيغم الجلاد
قد أعد قبل الميدان رأيه الأصيلوانتضى لطعن الفرسان رأيه الصقيل
أنت يا مناط الآمالخدن كل روع
هيبة سرت بالآجالوالقنا هجوع
مزقت قلوب الأبطالداخل الضلوع
وأشتد بصدر حران كله غليللم تجد نفوس الشجعان للبقا سبيل
سما في رقاب الأعداءسيفك المطاع
واقتدحت نار العلياءحرة الشعاع
ربّ ليلة من ظلماءكلها قناع
فأنارها للضيفان مجدك الأثيلولنا بوجه الإحسان منظر جميل
ساءني وعز عن المجدشادن وصول
برجع يعاتب من وجدألفه الملول
هل سمعت مولاتي بعدالتي تقول
قد غدر حبيبي وخلاني ليس نطع خليليا خليلي أين الإيمان الوفا قليل

النص من طبعة مطبعة المنار بتونس، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «جيش التوشيح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.