تجاوز إلى المحتوى

من «جيش التوشيح» للسان الدين ابن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

الوزير الكاتب أبو عبد الله ابن الوزير الحكيم ذي المعارف أبي الفضل ابن شرف ﵀

أي حبر متفلسف. مهتد في طرق الدبيع غير متعسف، له حكم خوالد، وأمثال شوارد، بارع الشعر مفلق. طالع في أفق الإجادة متألق، وله فيه، مقدمة من أبيه، جرى على سنته وأستن سنته، وقد فضل على أبيه طبعا، قصد بشعره المتقدمين من الملوك، وقلد أجيادهم ماراق من تلك السلوك، فرفع راية الشعر وعلمه، واهتدى فيه إلى سواء أممه فجاء فيهم بما خلد على البعد، وأجاد فيه السبق واستولى على الأمد، وله في الطب امتدد باع، وفي التهدي إلى دقائقه كرم الطباع، وهو في التوشيح مقل، وعلى قدم الإحسان فيه مستقل، وهاك من توشيحه ما يشهد له بالإجادة، ويقلده صارم الطبع ونجاده فمن ذلك قوله:

هاجني طيف طروق في الدياجي يطرقمخبري عن منزلي هند محقق
مذ ربعشوقي بالربع وفرق
إذ لمعبرق من الأجرع والأبرق
فأجتمعوتر إلى شفع من حرق
فؤادي للبرق إذ حداها الأنيقبجناح هز الورد فيخفق
ما أخذبموثق العهد من ضيعا
إذ نبذودائع الود فذيعا
ليت إذجرى إلى الصد فأسرعا
ورمى قلبي المشوق بسهام ترشقفأصابت غرض الكبد لو يرفق
الوجيبهجرانه أجد في أضلعه
هل يجيببالحجة عن مصرعه
فالكئيبيعوم في لجة من أدمعه
خائضا بحرا فروق والمراد الأوفقلودنا من عصمة الرد لا يغرق
عذّليلو بدا العذر في قابل
مقوليالجمه السحر من بابل
كيف ليصبر وهل أصبر يا عاذل
أن بدا غصن وريق ومصباح مشرقوظلام وسنا خد ورونق
نظمامن درر اللفظ سلك الثغور
ورمىبأسهم اللحظ طي الصدور
وحمىبقلبه الفظ روضا نضير
فترى سلكا أنيق نظمه متسقغير أن اللفظ للعقد يتوق
لا ملامقد لبس الزين من خده
السقاموالبرء والحين من جنده
كم حسامأزرت به الحين من غمده
فالحسام لا يريق وهو عضب طلقوله جلو على العهد تألق
ما أقالمن جار في الحكم بحسه
حين قالوزائر الغرام من نفسه
والغزالقد مر كالسهم من قوسه
الغزال شق الحريق والسلاق ترهقما ضرني إلا حق... لم تلحق
قضت خمر الثغوربسكر الصائمينا وصحو المفطرينا
إلا بأبي شرابتطوف به كؤوس
ثناياه الحبابلماه الخندريس
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «قضت خمر الثغور»
وقد عبث الشباببإعطاف تميس
يعتقها الفتورفيشفق أن يكونا يقطعن لين
لقد نشط الخليعإلى تلك الهنات
وقد بسط الربيعدرانكا من نبات
وطرت الربوعفجاءت مذهبات
رياض في غديرقد انفجرت عيونا تسر الناظرينا
فباكرها خموراتدين بها ادلنان
ولكن الأميراله في المجد شان
فقلدها أمورايضيق بها الزمان
ففي تلك الأمورهلاك المشركينا وأمن المؤمنينا
إليها يا عليفأنت لها زعيم
فليس لها وليسواك ولا حميم
فأنت...وذو الملك العظيم
فكم دلىّ الغرورإليها آخرينا فجاءوا آخرينا
تقر لك الإمارهلأنك من ذويها
وأنجاب الإدارهتكون كمجتليها
كان الملك دارهوأنت البدر فيها
بأعواد السريرطربن فينثنينا كما كانت غصونا
أمرت على البرايافكن كأبيك آمر
وصرفت المناياكتصريف القادر
فنادتك السراياوغنتك العساكر
بالحرمة الأميروالحرمه عطينا وتم الله علينا
عقارب الأصداغ في سوسن غضتسبي تقي ممن لاذ بالفقه والوعظ
من قبل أن تعدو عيناك لم أحسبأن تخضع الأسد لشادن ربرب
ظني له خذ مفضض مذهبواغيد ورد في صدغه عقرب
رقة زهر الباغ في جسمه البضوقسوة الفولاذ في قلبه الفظ
قد كنت في أمن حتى سبى دينيبدر على غصن في كثب يبرين
له الرضا مني وليس يرضينييا معرضا عني أسرفت في هوني
حتى متى يا باغ ترضى ولا ترضييا قاسيا لواذ عهدك من حفظ
مهفهف بدع أصبحت مغرى بهقلبي له ربع قد دنت في حبه
أصابني صدع مذ لجّ في عتبهالسهد والدمع أعطيت من قربه
فالعين لا ينساغ لهاجر الغمضوالقلب ذو أغذاذ إذ ذاك من خض
محمد جد لي بالبارد العذبتطفي لظى خبلي أصليته قلبي
وترضي قتلي من غير ما ذنبتروغ عن وصلي منافرا قربي
يا نافرا رواغ مذ كنت ما تفضيما ضرك الإنفاذ وصلت في لفظ
ألفته كيما ألحظ عينيهيفترّ عن ألمي يزهو بسمطيه
واللحظ قد أدمى سوسن خديهفقلت إذ أصمى قلبي بسهميه
محمد الصباغ يا قمر الأرضجسمك مثل الآذي يوسي من اللحظ
شمت بالزوراء برقا فهفا برق أدكاروأسال المزن ودقا فأستقل ادلمع جار
آه من قلب يراعبلوامع البروق
وجفون لا تراعلسوى البرق الخفوق
من دمي لها انتجاعفهي خمر كالعقيق
عجبا للجسم يبقى بين ماء وأوارمقل بالدمع غرقى وفؤاد فوق نار
هكذا تطوى الضلوعفوق جمر بالبعاد
وكذا تذرى الدموعهاطلات كالعهاد
فصدود وخشوعوالهوى للموت حاد
ركب الوعر الأشقا عاشق نائي الديارحمل القلب الأرقا متلف الأسد الضوار
ذو سفور عن لجينوإبتسام عن أقاح
تحسب الدهر الادقا بعض يوم من نهاروترى الأشهر طلقا غررا دون سرار
لم أذق من بعد رشفريقها ريا مثيرا
لا ولا أبصر طرفيبعدها غصنا نضيرا
مائسا من فوق حقفحاملا بدرا منيرا
كم سرت ليلي طرقا والدجى مرخي الإزارتخرق الظلما خرقا في لدات كالدرار
كلّ ظلم يتناهىغير ظلم الرقباء
خبروا الأمّ تراهاحجبتها عن لقائي
فشدت مما دهاهابين ذل وعناء
هكذا يا أم نشقى والحبيب ساكن جواريإن أمت يا قوم عشقا فخذوا بثاري
نم يا رذاذهذى الربا والرياض من هواك أيقاظ
طاب الصبوحفي حدائق الزهر
وهبّت ريحعنبرية النشر
يا من يبوحقل لكاتم السر
ما إلا لتذاذوفي النفوس انقباض واللسان لظلاظ
بي ريم رامافتنة محبيه
ذر الملامايا مؤنبي فيه
عز تسامىوالجمال يحميه
زار لمامافشدوت أغنيه
هل لي عياذوالجفون مراض والسهام ألحاظ
أما عليّفعلي الوالي
ندب أبّيمستحق إجلال
بدر سنّيفي سمائه عالي
خلّ صفّيثابت على حال
لنا ملاذ والزمان درع فضفاضللعلوم حفاظ
يا ابن الأكارمالعلي الأسنى
ثغرك الباسمالجنى لو يجنى
لشفا هايمبالوصال قد جنّا
قدك الناعممذبل المضني
فهو جذاذوعذب شوقي فياض والزفير قياظ
أقبل منادْفوق مثنى عطفه
نادى المنادْإذ يقول لألفه
رام البعادْمذ نأى إلى عطفه
غصن ميادْيستقل في حقفه
مه يا أستاذلا يريك هذا الإعراض فالحبيب مغتاط
بي كحيل لكن دون تكحيليندى بخديه وردا
يبتهج زهوا من فتونة فالمهجتشكو من جفونه ذو سبج من فوق جبينه
الصقيل من النور إكليللو بدا في الليل لأهدى
أنني شُغِفْتُ بإلف ينثنييعطف بعطف ليتني ألقاه وأشفي
منه الغليل بضم وتقبيلفالصدى القلب تصدى
لو قسم فؤادي ظالم وأبتسمعن لؤلؤ ناظم بدرتم في شهب عائم
لا مثيل يحكيه بتمثيلمفردا نظم الحسن عقدا
إن أكن ميت الحب عنوه فالشجنقد قضى منه عروه وهو من لي فيه أسوه
وجميل مذ مات كما قيلالردى به والحب أودى
حبذا غزال مليح من شذىرياه يفوح فلذا أشدو إذ يلوح
تستميل قلبي يا من يميلمذ بدا مرآك المفدى
يا ربة العقد متى تقلدبالأنجم الزهر ذاك المقلد
من أطلع البدراعلى جبينك
وأودع السحرابين جفونك
وروّع السمرابفرط لينك
يا لك من قد مهما تأوّدأهدى إلى الزهر خدا مورّد
قم فاقتدح زندامن العقار
قد قلدت عقدامن الدرار
وألبست بردامن النضار
وأشرب على ود عليا محمدناهيك من سرّ وطيب مورد
النصر يلتاحعلى علاه
والزهر يرتاحإلى نداه
ما الصبح وضاحلولا سناه
فألبس من المجد بردا معضّدوأنظم من الفخر درّا منضّد
لله ما أعلىفي كل حال
ملك قد استولىعلى الكمال
مقلد نصلامن الجلال
يهتز للحمد نصلا مهنّديهبّ بالنصر في كل مشهد
أنعم من الحسنىبكل حسن
في الشرف الأسنىوظل أمن
يا صدق من غنىوأنت يعني
ما كوكب المجد إلا محمدفراية الأمر عليه تعقد
قدك ما ينثني الوشاح أم غصن بانعله الصبا براح حتى سقاني
أفديك من ظبي مروعنضر الجمال
أحللته بين الضلوعفبات سالي
يا ما نعي عند الهجوعطيف الخيال
طلت على هجري مباح خلو الجنانكالمهى يعشق المراح تحت العنان
لا أنس لا رشف المدامفصل الربيع
في روضة شقت كمامزهر مريع
والنور في ظل الغمامغض الفروع
قد كسيت منه البطاح بخسروانوالنهر يخرق الأقاح كالأفعوان
ولا لذكر القاسمكاس تدار
أين من الكارممجد أنار
ملك لسان ناظمفيه يحار
ذو غرة مثل الصباح ملء العيانوهمة تأتي السماح مثل السنان
لح يا أبا الفضل إنمالك الأباء
حزت من العلوم مامنه الثناء
كان الزمان مظلمافهو ضياء
فنور ما علمت لاح إلى الزمانوعنبر الثناء فاح على اللسان
لما كساني الصباثوب التصابي
وراقني من الظبارود الشباب
قلت ونفحة الصباترثي لما بي
من يعجبو حب الملاح يحيى في شانييعجبني يا قوم افتتاح ورد المرواني
مغنى الهوى حمام المجتاحفدعه يباح
لا مثل ما أكابد من وجدشمرت فيه للبعد والصد
فاليوم هو آخر ما عنديفيا سقام جاوزت بي حدى
ويا غرام هذه الأرواحأثخنت الجراح
لله أي بد تماميّينهل من سماح غماميّ
أفاض ودقه غدق الريّفقابلت عطاش الأماني
تلقي دلاها ثم تمتاحمن ذاك السماح
ألفيت بالوزير أبي بكرأن الزمان أقدرني قدري
وأي مستجار من الدهرخلافه في السر والجهر
كالروض في أصائل تفاحوالماء القراح
يا من خلاله سور تتلىإهنا بذاك المنظر الأعلى
وأبشر فمذ خلقت ما أولىذكراك قط ولا وصفت إلاّ
فاضت من المسرة أقداحوفازت قداح
تطلع الأنام إلى العيدوغالطوا عيانا بتعميد
فقمت منشدا ثاني الجيدوتلك عادة من أناشيدي
عيدي الذي أنا فيه أرتاحوجه من أمتاح

النص من طبعة مطبعة المنار بتونس، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «جيش التوشيح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.