من «جيش التوشيح» للسان الدين ابن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
الشيخ الأديب الأستاذ أبو بكر يحيى ابن محمد ابن بقي ﵀
رب الصنعة ومالكها، وناهج الطريقة المثلى وسالكها، جاء على قدر، وأخذ نفسه بورد البدائع وصدر، فنظم درها أسلاكا وأدار نحو الإحسان أفلاكا، اكثر فأجاد. وتقلد ذلك الصارم المحلي والنجاد، بما اخترع فيه من الشعر وابتدع فما نكل عن عجز ولا ارتدع وكثرة توشيحه وإحسانه في تنميق الكلام وتوشيحه، دل على اتساع ذرعه في المحاسن وركوب جادته، وجودة تصوره للمعاني ووفور مادته وله شعر أجاد فيه التشبيه والتعريف والتنبيه، وهاك من توشيحه ما يطلع زهرا وينفح بروض الإحسان زهرا. فمن ذلك قوله:
حيتك أربع هن العمرظل وماء والمدام والوتر
أجل جفونك في لألاءسنا الزجاجة بالصهباء
ضدان من أعجب الأشياءلهيب نار في كأس ماء
من الحباب عليها شررلها جلاء في النفوس معتبر
بمهجتي شادن تياهمن نور شمس الضحى مراءه
من ذكره تعذب الأفواهقد جردت للورى عيناه
سيفا كأن ضباه القدرأو القضاء لا يبقي ولا يذر
يروق منه بصحن الخدخال يخال بنقط الند
والمسك فوق احمرار الورديفتر عن مبسم كالعقد
فللأقاحي لماه العطرهو الشفاء أن ألم بي ضرر
ما زال سحر العيون العينيزري بأهل التقي والدين
فويل للعاشق المسكينمن أهيف ساحر الجفون
للريم منه الطلا والحوروالانثناء للقضيب والزهر
لما تطلع للأبصاركالبدر في فلك الأزرار
قد ملك الحسن في مضمارشدوت والقلب في أوار
كن كيف شئت فأنت القمرلك اللواء في الملاح يا عمر
نبا مسمعي عن قال وقيل وذا الهوى
كوى أضلعي من نار الغليل بما كوى
يا نفس أقنعي بذكر الخليل على النوى
ويا عاذلي ما ذكري له غي
فغيان في الحي قلبي تلذذ بتذكاري
فوزي مقلتي بهذا السهاد وضعفه
فأنت التي أدنيت الفؤاد لحتفه
برء علتي لو علل صاد برشفه
فويه حلي يثني ميت حي
فأي مني أي لو كان يأخذ حي بيدي
قلبي الثابت يرثي من وجيبي ويشفق
بني ثابت غزا لكم بي يرمق
دما خافت فعما قريب سيملق
لي منكم رشي يقطعني حي
فأعنو له كي يرضي فينفذ ما شاء علي
يا قاطعتا ذاك التجني تعطفي
هواك أتى ضيفي فهو خدني ومألفي
أتدري متى طواني مضني هواك في
ثوب السقم طي فصبري
حتى عدت لا شي فقال لي قد نظرت إلي
دعوت علي من أهوى وقلبي يقول لا
فقلت إلي كم أبلى بحبي لمن سلا
أنا المبتلى أدعوك يا ربي يا ذا العلا
أن تثني لدي سريعا بلا لي
مناما لعيني من سهده شذا إلى ناظري
إذا الليل جن أكاد لحزني به أجن
وأثني الشجن والكربة عني ببنت دن
وأسأل من عندي أن يغني على اللسن
وجالس كرى من مرت لطرى عارف كل منى أتشدد بالله كفري
بأبي ظبي حمى تكنفه أسد غيل
مذهبي رشف لمى قرقفه السلسبيل
يستبي قلبي بما يعطفه إذ يميل
ذو اعتدال يعزي إلي ذي نعمة ثابت
في ظلال تحت حلي قطر الدنى بائت
بدرتم شمس ضحى غصن نقا مسك شم
ما أتم ما أوضحا ما أورقا ما أنم
لا جرم من لمحا قد عشقا قد حرم
فالخيال ما قد خلا من زمن فائت
والوصال ما قد علا من نفس خافت
ذو فتور ذو غنج ذو مرشف ألعس
العبير في أرج والحسن في ملبس
كم يثير وجد شج ذي دنف مكتس
ذو اعتلال لو عللا أنطق عن صامت
وغزال لو مقلا الحظ عن باهت
كوثر برء الصدى أن يردوا ورده
نير حد الهدى أن يجدوا وجده
انظروا محمدا واتئدوا عنده
فهلال أن يتجلى عز عن الناعت
وزلال لو بذلا يرتقي القانت
قاتلي أهن دما من قد غدا ملحدا
وأصلي كنت فما عما بدا قد عدا
سائلي مستفهما جيش الردا لم عدا
لا سؤال عن مبتلى ينحت في صامت
لن ينال ما أملا والأمن الشامت
كم يتيه وكم وكم يأبى الجوى أن يحول
أرتضيه وأن حكم حكم الهوى في العقول
قلت فيه والحسن لم يرض سوى ما أقول
الجمال وقف على ظبي بني ثابت
لزوال في الحب لا عن عهده الثابت
ما لدي صبر يعين غير النجيب
فسلوا عن اصطباري بدر الجيوب
كيف لا يغدو لباسي ثوب السقام
وطلا ظبي الكناس سر الغرام
ما على مثلي من باس أن يستهام
غير غي حب يزين ثوب الشحوب
يحمل عن الأحرار من غير حوب
عذلوا بدر منير خلي وهل
يجهل للبدر نور إذا كمل
فاعدلوا فيه اوجوروا غير عدل
لو إلي أمر يكون كان الذي بي
ينقل لمن يماري على حبيب
يا ضنين كم ذا أداري فيك السياق
وتدين بنائي داري لا بالتلاق
فليكون برء الأوار منك العناق
أو خلي رشف يعين حر الوجيب
سلسلوا من العقار منه بطيب
بالمنى منها بقائي بدر اللوا
ما دنا بالتنائي قلبي كوى
فأنا رب اللواء في ذا الهوى
بي رشي يثنيه لين مثل القضيب
يرسل ثنى الأزرار عن كثيب
بالكثيب والغصن اللدن قل يا ملول
هل ينيب جميل ظني أني أقول
والرقيب يغار مني ولا يزول
كظمي فليلول لين بدل كدل شيم طار شر الرقيب
شردا عن جفن أرمد طعم الهجود
أغيد رقيق الخصر ريا النهود
الأرق لمستهام جثمانه
لم يطق هزم السقام فرسانه
تندفق مثل الغمام أجفانه
قد غدا صبا مكمد أثر الصدود
توقد منه في الصدر نار الوقود
علني رشف الظلما من فيه عل
وسنى وجد الما ويضمحل
سامني بالهجر ظلما ولم يزل
سرمدا أبكي وأنشد شدو عميد
أحمد أطلت هجري والقلب مودي
أحمد بدر أناره رب البشر
يحسد بني عماره فيه القمر
أسد يحمي ذماره إذا زأر
في العدا يوما بمشهد وكم شهيد
يوجد بعيد الشر في كل بيد
يا سكن قلبي المعنى قد أسكنا
وحسن قلبي لينا إذا انثنى
أن تكن يوسف حسنا فها أنا
في مدى نظمي أوحد وكم شهد
يشهد أني في الشعر فوق لبيد
حبذا لو التثني مهما يميل
أنفذا لأهل الحسن ضنك الخمول
فلذا ظلت أغني كل جميل
قد بدا حبي أحمد بدر السعود
فأسجدوا ملاح العصر فوق الصعيد
دعني أباكرراحا كمسفوح النجيع
والروض زاهرنجومه ذات طلوع
واي زاهرأجمل من زهر الربيع
هلال وسلسال عذب زلالوالروض حال ناهيك حال
والغزال فينا جمالمازال ذا جمال
مهلا يا صدفقد تجاوزت المقدار
ومن أودملكته قلبي فجار
ولاح الخدمنه فأخجل الأقمار
ونال بالآمال قاف ودالله اعتدال وبي اعتلال
فهل يدال يا قوم والقتال في اغتلال
تجري الكرامعلى مدى أبي إسحاق
وهو مرامصعب على السباق
فز يا غلاممن الكهول باللحاق
إقبال واقتبال يثني الليالوهي لآل فلو ينال
ذاك الهلال حد الكمالإذا نال ثم اختال
تبريز مجدكيا من علي قد أثنى
وأهل حمدكأن أقيموا فنحن منا
في يمن سعدكنال الجميع ما تمنى
لا زال في اتصال حتى يقالفات الرجال حسبي خلال
حلو حلال ليث النزالصوال بالأبطال
الحب سرلم تدره إلا العقول
لا يستسرإلا ويبديه النحول
ترى تسرعواذلي بما أقول
عذال يا عذال قلتم محالرمتم ضلال لست بسال
عن ذا الغزال من شاء قالفالبال ذو بلبال
قلبي شجي ليس يخلو حزناطرفي مسهد ليس يألف الوسنا
يا قوم كماذا جناه بصرييجازي بطول السهر
فالذنب والله غير النظرأظنه ليس بالمغتفر
فليس ينظر للصبح سناوالليل سرمد والنهار قد شجنا
حال الغريب كما قد حكياذل فكيف إذا ما هويا
يا ويلتاه أن هذين بياأنا الذي بهما قد بليا
أين الحبيب وأين الوطناكلاهما أبعد فلا سكنا
يا ساهيا عن حرقيما الحظ لي منك غير الأرق
أباطل ما ترى من شفقفسد عني باب الفلق
فأن ودك لي قد أسنافكيف أجحد قد بدا الذي بطنا
يا قوم ليس عجيب أمرينحرت صبري بعيد النحر
أما دموع جفوني تجريكأنهن عباب البحر
فألبس الله هذا الزمناقبحا وأبعد عيده فما حسنا
أفي المروءة أن تنتزحاعمن يحبك حتى افتضحا
أشدو وقد حشر الناس ضحىوالكل في عيده وقد فرحا
للناس عيد وما عيدي أناإلا محمد فهو جل كل منى
ساعدونا مصبحينا نرتشفها قد ضميناكنضار في لجين نعم أجر العاملينا
قم بنا نجلو الكؤوساتحت أظلال السحاب
قهوة تعطي النفوساعز أيام الشباب
تغصب الليث العريناويرى كسرى قرينا
حين يسقى باليدينجامها حينا فحينا
يومنا يوم أنيقيوم شرب والتذاذ
طرزت فيه البروقلابسا أثواب لاذ
وسقى الغيم الرقيقماء ورد برذاذ
أظهر السحر المبيناحين رش الياسمينا
وبكى من دون عينفضحكنا فاكهينا
أيها الساقي المحيابرياحين التمني
سحر عينيك الحميافأصرف الصهباء عني
لا تسلطها عليافالهوى قد نال مني
قد نفثت السحر فينافرضينا الحب دينا
فمنائي دون مينأن نرى ذاك الجبينا
لي حبيب يوسفيوصله في الحب منه
وجهه صبح وضيقد تبدي في الدجنه
دلني منه الأبيفأعاد النار جنه
بذل الورد المصونابعد ما كان ضنينا
فكأني ذو رعينأو أمير المؤمنينا
ساءنا لما اتصلناكل مغتاب حسود
وكذلك الوجه قلنالا لتدنيس البرود
لم نرد فيما امتثلناغير إقلاق الحسود
قد بلينا وابتليناواش يقول الناس فينا
قم بنا يا نور عينينجعل الشك يقينا
ما التعب احتياطا عنديولا صاحب العتب مني
أيا عاذلي جهلا دعنيفما يقبل العذل ذهني
دمعي زاده وبلا حزنيوصبري قد ولى عني
بقلبي أحاط وجديفأجراه في سحب جفني
سباني بالتيه ظالمغصن في تثنيه ناعم
يبدي الدر فيه باسمتتعب فيه يدا ناظم
والدر ساقط يهديوعن لفظه العذب أكني
أودي الزمان الخافت وجداحتى أشفق الشامت ودا
يا ظبي بني ثابت صداأوصل فأنا الثابت عهدا
حسبي بارتباط عهديشهيدا وهل حسبي يغني
بدا فبدا الغصن يجنيورد ماء الحسن جفني
فناديت يا عدن صلنيفقال كذا تدن مني
أن جزت صراط صديتمتعت من قرب عدني
محمد هل يأن حقاأن تبدل هجراني رفقا
قد أضنيت جثماني عشقاما ألقى من أشجاني ألقى
حللت نياط كبديفداؤك يا حب يضني
فيا مسبيا حلمي يسألعن هجري وعن ظلمي فأعدل
ويا مسقما جسمي تجهلإذا مت من سقمي فأجعل
في سم الخياط لحديفيعرب في التراب دفني
لما أعان معشوقي صدوزاد تشويقي بعد
خرجت على السوق أعدفظلت لرفيقي أشد
نشق السماط وحديونرى حبيب قلبي بيني
النص من طبعة مطبعة المنار بتونس، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع