من «الآمل والمأمول» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب ما جاء في المقادير
إلتجأ اختلاف المخلوقين في المتضادات إلى أصلين. يتفرع منهما فصول شتى. فأحد الصلين ما يجب في حجة العقل الانقياد له والتسليم لما جاء عن الله ﷿ فيه فإنه يقول: (ما يفتح الله للناس من رحمةٍ فلا ممسك لها). وقال ﷿: (وما تشاؤن إلا أن يشاء الله). وقال: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات). مع أيٍ كثيرةٍ تقوم الحجة عند المصغي إلى الحس المنقاد إلى البرهان. ولم يمنعنا من ذكرها إلا إحاطة علم أكثر الناظرين في هذا الكتاب بها.
سئل بعض الحكماء: ما الذي يحمل الموقن بالقضاء والقدر على الدووب والسعي؟ قال: يحمله عليهما القضاء والقدر.
وقيل: استعمال الجد من دلالة التوفيق.
قرأت في كتاب كليلة ودمنة: إن السبب المانع رزق العاقل هو الذي يسوق رزق الجاهل. قال الشاعر:
الجد أنهض بالفتى من عقلهفانهض بجد في الحوادث أو ذر
ما أقرب الأشياء حين يسوقهاقدر وأبعدها إذا لم يقدر
فاذا تعسرت الأمور فارجهاوعليك بالأمر الذي لم يعسر
قال بزرجمهر: العاقل لا يجزع من جفاء السلطان وتقديمه الجاهل دونه لمعرفته بأن الأقسام لم توضع على قدر الأخطار وعلى سبيل الاستحقاق.
ولمنصور بن باذان:
يا ذا الذي ذمٍ دهرهمن أجل أن حط قدره
لا تأسفن لشيءففي المغيرة عبره
لو نيل رزق بعقللم يعطه الله بعره
فأخذ بعض المحدثين هذا فقال:
قد كنت للآعتزال منتحلاًأزعم أن الحظوظ بالسبب
فالآن قد صرت لا أقول بهولست أوصي بالعلم والطلب
فالعلم كالجهل والمطالبللرزق كوانٍ والجد كاللعب
وروي عن جعفر بن محمد أنه قال: إن الله وكل الحرمان بالعقل، والرزق بالجهل ليعلم العاقل أنه ليس إليه من الأمر شيء.
وقيل: لا يزال الله يرزق الجهال حتى يعتبر بهم العقلاء.
وكان يقال: غباوة تنفع خير من عقل يضر.
وقيل: الحظ يغلب العقل.
وأنشد الشاعر:
إذا كان الزمان زمان حمقٍفان العقل حرمان وشوم
فكن حمقاً مع الحمقى فإنيأرى الدنيا بحظهم تدوم
آخر:
لا تأتين الأمر من وجههفانه يعسر من كل باب
وشاور النوكى ولا تعصهمتلاق ما تهوى بعين الصواب
وجالس الأنذال تسعد بهمفان هذا الدهر دهر الكلاب
الواسطي:
سبحان من أنزل الأيام منزلهاوصير الناس مرفوضاً ومرموقا
فعاقل فطن أعيت مذاهبهوجاهل كان في الأقوامخ مرزوقا
هذا الذي جعل الألباب حائرةوصير العاقل النحرير زنديقا
آخر:
خاب امرؤ راح يرجو أن ينال غنىبالعقل ما عاش في دهر المجانين
يا رب فاجعل لنا عقلاً نعيش بهيا مستجيب دعاء المرء ذي النون
آخر:
ثنتان من سيرة الزمان تحيرتبهما عقول ذوي التفلسف والنهى
مثر من الأموال منقوص الحجىوموفر الآداب منقوص الغنى
آخر:
لما رأيت الدهر دهر الجاهلولم أر المغبون غير العاقل
شربت خمراً من خمور بابلفصرت من عقلي على مراحل
آخر:
قد يعدم الحازم المحمود نيتهنيل الثراء ويثري العاجز الحمق
فلا تخافي علينا الدهر وانتظريفضل الذي بالغنى من عنده نثق
إن يفن ما عندنا فالله يرزقنامن حيث شاء ولسنا نحن نرتزق
وكان يقال: الاجتهاد في الطلب من دليل القضاء والقدر.
وقال بزرجمهر: كيأ يذبذن توشأي وتر. يقول: إذا لم يساعد القدر كانت الآفات من جهة الاجتهاد والطلب.
وكان يقال: إذا كان القدر حقاً فالحرص باطل.
قال الشاعر:
هي المقادير فلمني أو فذرإن كنت أخطأت فما أخطأ القدر
ومن قول الواسطة بين من يقول بالحتم في هذه المعاني وبين من يقول بالإهمال ومحض الاستطاعة قول بعض الحكماء: إن اليقين بالقدر لا يمنع العاقل من التوقي. ولكن التوقي فرض والطلب واجب والقدر غالب. وما أقرب ما قال من قول النبي ﷺ: إعلموا فكل ميسر لما خلق له. ومن قول من يقول بمحض الاستطاعة والاعتزال وأبرأ إلى الله من ذلك، غير أني أحببت ذكره للناظر في كتابي ليتبين له فساد الأصل. قال بعضهم:
فسدد وقارب في أمورك واجتهدفهل لك في ترك المحجة عاذر
ولا تلزم المقدار ذنبك كلهفأنت ولي الذنب ليس المقادر
فلو كان للمقدار في الذنب شركةلكان له حظ من الإثم وافر
آخر:
وعاجز الرأي مضياع لفرصتهحتى إذا فات أمر عاتب القدرا
آخر:
إذا أعطاك قتر حين يعطيوإن لم يعط قال: أبى القضاء
فبخل ربه سفهاً وظلماًليعذر نفسه فيما يشاء
آخر:
اصفع المجبر الذي بقضاء السوء قد رضيفاذا قال: لم فعلت؟ فقل هكذا قضي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع