من «الآمل والمأمول» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب ما جاء في القناعة
كان يقال أروح الروح القناعة، وهي أقصى رتبة الفقير كما أن أقصى رتبة الغني الشكر. وقال الحسن بن سهل: ما رأيت رجلاً قط مقصراً في مطالبة الظفر بالفضل إلا وسعت عليه العذر وإن كان عظيم التفريط، إذا كانت الأنفس مطبوعةً على حب السعي في حواية الفضل. وذلك دليل على أن اقتصار هذا على ما قل منه دون ما كثر لما وقف عليه من القسم وميلاً إلى راحة القناعة. أنشدني بعضهم للعطوي:
الحر يد نس بين الحرص والطلبفاخلع لباسهم بالعلم والأدب
أقبح بوجه يسارٍ كان قائدهوجهاً رعت كنفيه ذلة الطلب
ما كان قائده ذلا وسائقهمنا فأكرم منه لوعة السغب
قرأت في كتاب كليلة ودمنة: إن من صفة الناسك السكينة لغلبة التواضع وإتيان القناعة ورفض الشهوات ليتخلى من الأحزان وترك إخافة الناس لئلا يخافهم. وفيه إن الرجل ذا المروءة يكرم من غير مالٍ كالأسد الذي يخاف وإن كان رابضاً. والغني الذي لا مروءة له يهان وإن كثر ماله كالكلب وإن كان جوالاً. وأنشدت لمحمد بن حازم الباهلي.
ما كان مال يفوت دون غدٍفليس بي حاجة إلى أحد
إن غنى النفس رأس كل غنىفما افتقار إلا إلى الصمد
رب عديمٍ أعز من أسدٍورب مثرٍ أقل من نقد
الناس صنفان في زمانك ذا،لو تبتغي غير ذين لم تجد
هذا بخيل وعنده سعةوذا جواد بغير ذات يد
وقال علي بن عبيدة: القناعة نعمة جسيمة، ورزق واسع، وحصن حصين، وألفة دائمة، وراحة عظيمة، وعيش صاف، ودعة للبدن، وعزة للنفس، وصيانة للعرض، وحياة طيبة، وسلامة وعافية فان وفق صاحبها للصواب في التمييز، واختيار ما يستحق به الاصطفاء صفا من الشكوك وعصمة الله (والله لا يحب كل مختال فخور). وأنشدت:
قل للزمان أصب من شئت بالعدموللمنية من أحببت فاصطلم
فحسبي الله رباً قد رضيت بهالبر بالعود والعواد بالنعم
أعد خمسين حولاً ما علي يدلأجنبي ولا فضل لذي رحم
الحمد لله شكراً قد غنيت فلاأشكو لئيماً ولا أطري أخاكرم
يا نفسلا تعلقي بالأمل في إنصاف من صبحت من المترفين فإنهم في نخوة التجبر وعقوق التكبر والاستخفاف بمن لجأ إليهم.
ولا تغتري بالحرمة بهم والتقدم بالاستطالة، وإيثار عاجل اللذة على الحقوق الواجبة، وإغفال محمود العاقبة وترك الأناة عند الغضب والعجلة بالعقوبة، فتنكبي أفنيتهم المعيبة وآمالهم الكاذبة، ولا تكوني تواقة إلى ما لا يجدي عليك، ومعرضةً عما فيه الحط لك. وارضي بقليل الحظ من الدنيا، وتبلغي بما أمكن منها، وخذي عفو ما كان مخبأ لك، ولا تستصغري ما أنت فيه من الكفاف مع الحروج وما أتيت من الاثم الفاحش. للعرزمي:
رضيت ببلغة وحططت رحليوإني للمطالب مستطيع
وأدركت الغنى وملكت أمريإذا اشتملت على اليأس الضلوع
وأحسن بالفتى من لؤم عارٍينال به الغني كرم وجوع
وسوى اليأس بين الناس عنديفلن يشقى بي الرجل الوضيع
وقالوا: قد دهيت. فقلت: كلاولكني أعز بي القنوع
فمن أبدي لنا بشراً جزيناومن ولى فما فقد الربيع
علي بن عبيدة: يا نفس لا تسلكي سبل الاستكثار من المال فإن جمعه حسرة ووبال، واعتزي بالقناعة فإنها أشرف قدراً وأرفع ذكرا وخطراً، وأقرب إلى منزلة السعداء وأكسب للشكر وأزلف عند الخالق من الاستكثار من الفتنة الذميمة واحتمال أوزار المكاسب ولهب الحرمان وثبات حجة المقت ولزوم سمت البخل.
قال الشاعر:
لطي ثلاث واصطبار على أذىمن الدهر خير من نوال لئيم
وأحسن عندي من تعرض ذي غنىتجمل مجهودٍ وصبر كريم
وألزمت نفسي اليأس حتى كأننيعدو لمن أثرى صديق عديم
وإن من استغنى وإن كان معسراًعلى ثقة بالله غير ملوم
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
جر ما بدا لك أيها الدهرلك أن تجور وعندي الصبر
لا زلت أستعفيك من خطلحتى يردك من له الأمر
لعلي بن عبيدة الريحاني: لقد سلك الأكياس سبيل الحظ في العاجل، وعظمت مراتب أقدارهم عند الناس، ورغبوا بأرض الدعة وعمروا أفنية السلامة، وأصابوا من الدنيا بلغة وكفاية قنعوا بها، وصرفوا ما لهم بما لا احتكام للافات عليه، ولا تنظر عيون الدول في الزوال إليه من رضوانه ونعيم جنانه.
أنشدني أحمد بن عبد الله:
لا تقنعن ومذهب لك ممكنفاذا تضايقت المطامع فاقنع
ومن المروءة قانع ذوهمةيسمو لها فاذا نبت لم يهلع
ما كنت إمعةً ولكن همةتأبى الهوان وفسحة في المنجع
وهذا ضد المعاني المتقدمة، لأنه أمر بالطلب فإذا أعيت الحيلة فبالقناعة. وهذه قناعة اضطرار لا قناعة اختيار.
وسئل ابن حازم: ما مالك؟ فقال:
للناس مال ولي مالان مالهماإذا تحادس أهل المال حراس
مالي الرضا بالذي أصبحت أملكهومالي اليأس مما يملك الناس
وقال أيضاً: الثقة بالناس من اليأس.
وقال خالد بن صفوان: نظرت في أمري فوجدت الذي منعنيه القدر لا سائق له، ووجدت الذي أعطانيه لا حابس له، فعلام أعني نفسي.
قال بزر جمهر: إذا كان قاسم رزقي هو الله وما قد قسمه فليس يغيره أحد فلم أتحمل منة الخلائق؟ وللحسين بن علي رضى الله عنهما:
فان تكن الدنيا تعد نفيسةفدار ثواب الله أعلا وأنبل
ولأبي خراش الهذلي في القناعة والإيثار على النفس:
أرد شجاع البطن قد تعلمينهوأوثر غيري من عيالك بالطعم
وأغتبق الماء القراح تعففاإذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
لعنترة بن شداد في الصبر مع القناعة:
ولقد أبيت على الطوى وأظلهحتى أنال به كريم المأكل
عبيد الله: القناعة عز صاحبها، وميسرة فقره، ومسلاة عدوه، وتبجيل له في أعين العقلاء، وتجمل في الخاصة والعامة، وذهاب بالنفس عن مسألة البخيل، والتعريض لمعروف من جعل فقره في قلبه وغناءه في كسبه، وصيانة العرض، وإحياء السنة، والرضا باليسير، والتقليل للكثير، والرغبة عما في أيدي الناس. فان الناس أتباع بالحق ونظارون بعين الدنيا موكلون باجتناب المؤمن إذا اختل وتعظيم المنافق إذا استغنى إلا قليلاً منهم في جملتهم كالشامة في مسك البعير والقلامة في النهر الغزير، ففي الاعتزال عنهم سلامة وفي الاختلاط بهم الضر، والبلاء الذي ليس بمنقض إلا ما دفع الله.
ولذلك أقول:
رضيت للعز بالقنوعفلست أنقاد للمنوع
لبائع حظه هلوعلازم دنياه ذي خضوع
كان الخليل بن أحمدقنعا ضففا، فكتب إليه سليمان بن المهلب وقد ولي السند يستزيره ليوليه أموره. فكتب إليه:
أبلغ سليمان أني عنه في دعةوفي غنى غير أني لست ذا مال
شح بنفسي أني لا أرى أحداًيموت هزلا ولا يبقى على حال
والرزق عن قدر لا العجز منقصهولا يزيدن فيه حول محتال
وكان يقال: احتج إلى من شئت فأنت دونه، واستغن عن من شئت فأنت مثله، وافضل على من شئت فإنك فوقه.
ولأبي دلف.
ليس الغنى في المال بلنفس الكريم هي الغنية
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع