من «الآمل والمأمول» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب مدح اليأس واستدعائه وما يعرض للطالب من الذلة والحيرة
قال أبو محمد عبد الله بن جعفر بن محمد: موطنان لا أعتذر للعيي فيهما: عند طلب الحاجة وعند مخاطبة الجاهل. وقال عمر ابن الخطاب ﵁: طالب الحاجة أبله، فأرشدوا أخاكم وسددوه. وعن ابن عباس: عند كل دخيل دهشة فأرشدوا أخاكم وابدأوا ذوي الحواتج بالجح قبل المطالب. ويقال: ذل الطالب بقدر حاجته.
وكلم أعرابي خالد بن عبد الله في حاجة فلجلج في كلامه. فلما عرف ذلك من نفسه قال: لا تلمني على الاختلاط فان معي ذل الحاجة ومعك عز الغنى عني.
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. احتج إلى من شئت فأنت أسيره، واستغن عمن شئت فأنت نظيره، وافضل على من شئت فأنت أميره.
وقال رجل لخالد بن عبد الله: أكلمك بهيبة الأمل أم بجرأة اليأس؟ قال: بل انبسط فتكلم فلك ما أملت. قال النبي صلى الله عليه: المسئلة من وجه غني كدوحٍ أو خموش في وجه صاحبها. قال: أتى رجل محمد بن مطرف بن عبد الله بن الشيخير فقال له: يا ابن أخي اكتب حاجتك في كتاب فاني أضن بوجهك عن ذل المسألة. وكان خالد بن عبد الله يقول: ارفعوا إلي حوائجكم في رقاع فاني أكره أن أرى ذل السؤال في وجوهكم. وكان يتمثل بهذه الأبيات:
لا تحسبن الموت موت البلىفانما الموت سؤال الرجال
كلاهما موت ولكن ذاأشد من ذاك لذل السؤال
ولبعض الكتاب.
الكتاب وقاية للمسؤل، وصيانة للسائل، ومبلغ ما الحياء مانع منه. وقال لقمان لابنه: أوصيك بتقوى الله فإنها رأس كل شيء، واحفظ عني ما أقول: اعلم أنه لا يطأ بساطك في فنائك إلا راهباً منك أو راغباً إليك، فابدأ بالنوال قبل السؤال فإنك متى لألجأته إلى مسألة أخذت من عرضه، وحر وجهه أكثر مما تعطيه من مالك.
العتبي قال: قال سعيد بن العاص: ما في الأرض أحد سألني حاجة وكلفته أن ينتصب فيها انتصاب العود فرأيت شيئاً مما أعطيته عوضاً مما كلفته. أبو سعيد قال: أخبرني رجل قال: قال القسري لرجل: ما يمنعك أن تسألني؟ قال: إذا سألتك أخذت مني ثمن ما أعطتني.
دخل عبد الله بن عباس على معاوية رحمهما الله، فقال معاوية: والله يا ابن عباس إن بابي لكم لمفتوح، وإن خيري لممنوح، ولا يغلق بابي عنكم قلة ولا يمنع خيري عنكم علة. ولقد نظرت أمري وأمركم فرأيت أموراً مختلفة: ترون أنكم أحق بما في يدي مني وأنا أحق به منكم. وأعطيكم العطية فتأخدونها متكارهين عليها.
تقولون أخذنا دون حقنا وقصر بنا عن واجبنا، فبئس المنزلة نزلت بها منكم، أعطيكم فلا أشكر وأمنع فلا أعذر، ونعم المنزلة نزلت مني أنصف قائلكم وأعطى سائلكم؟ فحسر ابن عباس عن ذراعيه فقال: يا معاوية فتحت لنا بابك حين قرعناه، ومنحتنا حين سألناه، ولئن أغلقت عنا بابك لنكفن أنفسنا عنك. وهذا المال فليس لك فيه إلا ما لرجل من المسلمين فعلى أي جهة أعطيتناه. ولولا حقنا فيه ما أتلك آت منا بجمله خف ولا حافر. كفاك يا معاوية أم أزيدك؟ قال: لا. بل كفاني.
مر أبو الأسود الدؤلي بالأحنف بن قيس وعليه ثياب رثة.
فقال: يا أبا الأسود لو استبدلت بمكانه؟ فقال: رب مملولٍ لا يستطاع فراقه. فبعث اليه بتخوت فيها من ألوان الثياب. فأنشأ أبو الأسود يقول:
كساني ولم أستكسه فحمدتهأخ لك يعطيك الجزيل وناصر
أليس أحق الناس إن كنت شاكراًلشكرك من أعطاك والوجه وافر
أنشدني عاصم بن محمد الكاتب لأبي الأسود الدولي:
سأشكر عمرا إن تراخت منيتيأيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقهولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلة من حيث يخفى مكانهافكانت قذى عينيه حتى تجلت
آخر:
لسانك بالموعود باب مفتحوكفك بالمعروف أضيق من قفل
تمني الذي يأتيك حتى إذا انتهىإلى أمدٍ ناولته طرف الحبل
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع