من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من ملح الجماز
وقال رجل للجماز: أشتهي أن أرى الشيطان. فقال له: انظر في المرآة فإنك تراه.
وقال له رجل: أنا وجع من دمل فيّ. قال له: وأين هي؟ قال: في أخس موضع مني. قال: كذبت؛ لأني لا أرى في وجهك شيئاً.
وقال له رجل: يا أبا عبد الله؛ أنا رجل جامد العين، لو مات أبي ما بكيت، ولكن إذا سمعت الصوت الفريح من الوجه المليح، بكيت حتى أغمي علي. فعلام يدل هذا؟ قال: على أنك لا تلفح أبداً.
وقال له رجل: أردت أن أحمل أمي إلى بغداد، فخفت إن حملتها في البحر أن تعطب، وإن حملتها في البر أن تتعب. قال: فخذها في سفتجة.
قال بعض جلساء المتوكل: كنا نكثر عنده ذكر الجماز حتى اشتاقه، فكتب في حمله من البصرة. فلما دخل عليه أفحم. فقال له المتوكل: تكلم فإني أحب أن أستبرئك. فقال: بحيضة أم بحيضتين يا أمير المؤمنين؟ فضحك المتوكل. ثم قال له الفتح: قد ولاك أمير المؤمنين على الكلاب والقردة. قال: فاسمع لي وأطع، فأنت من رعيتي. فقال له: إذا وهب لك أمير المؤمنين جارية، فما تصنع بها؟ فقال: أنا أعرف من نفسي ما تحتاج والله جارية إلا أن أقود عليها. فضحك المتوكل، وأمر له بعشرة آلاف درهم، فمات فرحاً ولم يصل إلى البصرة.
وكان الجماز لا يدخل بيته أكثر من ثلاثة لضيقه، فدعا ثلاثةً من إخوانه فأتاه ستة، ووقف كل واحد على رجل وقرعوا الباب، فنظر من كوة أسفل الباب وكذلك كان يعمل فعد ستة أرجل، فلما فتح الباب دخلوا؛ فقال: اخرجوا عني فإني دعوت أناساً ولم أدع كراكي.
والجماز هو أبو عبد الله محمد بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر، وكانوا يزعمون أنهم من حمير صليبة نالهم سباء في خلافة أبي بكر وهم مواليه، وسلم الخاسر عمه. وكان الجماز صاحباً لأبي نواس حتى ماتا. ووصف أبا نواس، فقال: كان أظرف الناس منطقاً، وأغزرهم أدباً، وأقدرهم على الكلام، وأسرعهم جواباً، وأكثرهم حياءً؛ وكان أبيض اللون، جميل الوجه، مليح النغمة والشارة، ملتف الأعضاء، بين الطويل والقصير، مسنون الوجه، قائم الأنف، حسن العينين والمضحك حلو الصورة، لطيف الكف والأطراف، وكان فصيح اللسان، جيد البيان، كثير النوادر؛ وكان راويةً للأشعار، وعلامة بالأخبار، وكان كلامه شعراً غير موزون.
وأقبل أبو شراعة والجماز في حديثه وكانت يد أبي شراعة كأنها كربة نخل وكان أقبح الناس وجهاً، فقال الجماز: فلو كانت أطرافه على أبي شراعة لتم حسنه.
فغضب أبو شراعة، فبصق الناس في وجهه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع