تجاوز إلى المحتوى

من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

أبو دلامة والمنصور

وكان المنصور قد أخذ الناس بلباس قلانس طوال، وأن يكتبوا في ظهور ثيابهم: " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم "، وأن يطيلوا حمائل سيوفهم. فدخل أبو دلامة عليه في ذلك الزي، فقال: كيف حالك يا أبا دلامة؟ فقال: ما حال من صار وجهه في وسطه، وسيفه في استه، وقد نبذ كتاب الله وراء ظهره!! فأمر المنصور بتغيير ذلك الزي.

ودخل أبو دلامة على أم سلمة بنت يعقوب بن مسلمة المخزومية زوجة أبي العباس السفاح يعزيها عنه فبكى وأنشد قصيدةً منها:

أمسيت بالأنبار يابن محمّدٍلا تستطيع من البلاد حويلا
ويلي عليك وويل أهلي كلّهمويلاً وهولاً في الحياة طويلا
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمسيت بالأنبار يا ابن محمد»
فلتبكينّ لك النساء بعبرةٍوليبكينّ لك الرجال عويلا
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمسيت بالأنبار يا ابن محمد»
مات النّدى إذ متّ يابن محمدفجعلته لك في التراب عديلا
إن أجملوا في الصبر عنك فلم يكنصبري ولا جلدي عليك جميلا
يجدون منك خلائفاً وأنا امرؤٌلو عشت دهري ما وجدت بديلا
إني سألت النّاس بعدك كلّهمفوجدت أسمح من وجدت بخيلا
ألشقوتي أُخّرت بعدك للذييدع العزيز من الرجال ذليلا
ألشقوتي أُخّرت بعدك للذييدع السمين من العيال هزيلا
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمسيت بالأنبار يا ابن محمد»

فقالت له أم سلمة: يا زند، ما أصيب أحد بأمير المؤمنين غيري وغيرك؟ قال: ولا سواي، أنت لك ولد منه تتسلين به، وأنا لا ولد لي مه. فضحكت أم سلمة ولم تكن ضحكت منذ مات أبو العباس، وقالت: يا زند، ما تدع أحداً إلا أضحكته!.

وأنشد أبو دلامة المنصور هذه القصيدة فأبكى الناس جميعاً، وغضب المنصور غضباً شديداً. وقال: لئن سمعتك بعد اليوم تنشدها لأقطعن لسانك، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن أبا العباس كان لي مكرماً وهو الذي جاء بي من البدو كما جاء يوسف ﵇ بإخوته، فقل كما قال الله ﷿ " لا تثريبَ عليكم اليوم يغفرُ الله لكم وهو أرحمُ الراحمين ".

فسري عن المنصور وضحك، وقال: قد أقلناك فسل حاجتك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن أبا العباس قد كان أمر لي بعشرة آلاف درهم وهو مريض ولم أقبضها. فقال المنصور: ومن يعلم ذلك؟ قال: هؤلاء كلهم، وأشار إلى جماعة ممن حضر. فوثب سليمان بن مجاهد وأبو الجهم، فقالا: نحن نعلم ذلك. فقال المنصور لأبي أيوب المورياني: ادفعها إليه وسيره إلى هذا الطاغية يعني عبد الله بن علي، وكان قد خرج وأظهر الخلاف عليه بناحية الشام، وجمع جمعاً كثيراً من بقايا بني أمية وقوادهم، وأهل البأس والنجدة.

فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين؛ إني أعيذك بالله أن أخرج معهم، فإني والله مشؤوم. فقال المنصور: إن يمني يغلب شؤمك، فاخرج مع الجيش. فقال: والله ما أحب يا أمير المؤمنين، ولا أرى أن تجرب؛ فإني لا أدري على أي المنزلتين تكون. فقال: دعني فلا بد من مسيرك. فقال: يا أمير المؤمنين؛ والله لأصدقنك، إني حضرت تسعة عساكر هزمتها كلها، وإن شئت بينتها لك؛ فاستفرغ المنصور ضحكاً، وأمره بالتخلف مع عيسى بن موسى بالكوفة.

وأراد موسى بن داود الخروج إلى الحج، فقال لأبي دلامة: تأهب حتى تخرج معي في هذا الوجه، وأعطاه عشرة آلاف درهم، وقال له: خلف لعيالك ما يكفيهم واخرج؛ وإنما أراد أن يأنس به في طريقه بحديثه وأشعاره ونوادره.

فلما حضر خروج موسى هرب أبو دلامة إلى سواد الكوفة، فجعل يشرب من خمرها ويتمتع في نزهها، فسأل عنه فأخبروها باستتاره، فطلبه فلم يقدر عليه، وخاف أن يفوته الحج؛ فلما يئس منه قال: دعوه إلى النار وحر سقر وأليم عذابه. فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة قد خرج من قرية يريد أخرى، فبصر به. فقال: ائتوني بعدو الله الكذاب، فر من الحق إلى الباطل، ومن الحج إلى حانات الخمارين، قيدوه وألقوه في بعض المحامل. ففعل ذلك به، فلما ولت الإبل، صاح أبو دلامة بأعلى صوته:

يأيها الناس قولوا أجمعين معيصلّى الإله على موسى بن داود
كأنّ ديباجتي خدّيه من ذهبٍإذا تشرّف في أثوابه السود
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «يا أيها الناس قولوا أجمعين معا»
أما أبوك فعين الجود نعرفهوأنت أشبه خلق الله بالجود
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «يا أيها الناس قولوا أجمعين معا»
نبّئت أنّ طريق الحجّ معطشةٌمن الطلاء وما شربي بتصريد
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «يا أيها الناس قولوا أجمعين معا»
والله ما فيّ من خيرٍ فتطلبهفي المسلمين وما ديني بمحمود
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «يا أيها الناس قولوا أجمعين معا»
إني أعوذ بداودٍ وتربتهمن أن أحجّ بكرهٍ يابن داود
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «يا أيها الناس قولوا أجمعين معا»

فقال موسى: ألقوه عن المحمل، فعليه لعنة الله، ودعوه يذهب إلى سقر وحر نارها، فألقوه.

ومضى موسى لوجهه، فما زال أبو دلامة يتمتع بالنزه، ويشرب الخمر حتى أتلف العشرة آلاف رهم، وانصرف موسى من حجه، فدخل أبو دلامة يهنئه، فلما رآه قال: أتدري ما فاتك من الخير؟ فقال: والله ما فاتني خير ليلاً ولا نهاراً يريد الشرب والقصف فضحك ووصله.

ودخل أبو دلامة على المهدي وعنده عيسى بن موسى، والعباس بن محمد، وناس من بني هاشم، فقال المهدي: يا أبا دلامة. قال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: اهج من شئت ممن ضمه هذا المجلس ولك الجائزة؛ فنظر في القوم فلم ير إلا شريفاً قريباً من المهدي، فقال: أنا أحد من في المجلس ثم أنشده:

ألا أبلغ إليك أبا دلامهفليس من الكرام ولا كرامه
إذا لبس العمامة قلت قردٌوخنزيرٌ إذا نزع العمامه
فإن تك قد أصبت نعيم دنيافلا تفرح فقد دنت القيامه
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «ألا أبلغ لديك أبا دلامه»

قال: فضحك المهدي، وسر القوم، إذ لم يسود بأحد منهم، فقال له المهدي: تمن. فقال: يا أمير المؤمنين؛ تأمر لي بكلب صيد، فقال: يابن الفاعلة؛ وما تصنع به؟ فقال: إن كانت الحاجة لي فليس لك أن تعرض فيها. فقال: صدقت أعطوه كلباً، فأعطي. فقال: يا أمير المؤمنين: لا بد لهذا الكلب من كلاب. فأمر له بغلام مملوك، فقال: يا أمير المؤمنين، أو يتهيأ لي أن أصيد راجلاً؟ فقال: أعطوه دابةً، فقال: ومن يسوس الدابة؟ فقال: أعطوه غلاماً سائساً. فقال: ومن ينحر الصيد ويصلحه؟ فقال: أعطوه طباخاً. فقال: ومن يأويهم؟ فقال: أعطوه داراً، فبكى أبو دلامة وقال: ومن يمون هؤلاء كلهم؟ فقال: يكتب له إلى البصرة بمائة جريب عامرة، ومائتي جريب غامرة. فقال: وما الغامرة؟ قال: التي لا نبات فيها. قال: فأنا أعطيك مائتي ألف جريب من فيافي بني أسد، فضحك وقال: ما تريد؟ قال: بيت المال. قال: على أن أخرج المال منه. قال: فإذاً يصير غامراً، فاستفرغ ضاحكاً وقال: اذهب فقد جعلناها لك كلها عامرة. فقال: يا أمير المؤمنين؛ ائذن لي أن أقبل يدك، قال: أما هذه فدعا. فقال: والله ما تمنع عيالي شيئاً أهون عليهم من هذا، فناوله يده فقبلها. وقد تقدم له بعض هذا حكاية مع المنصور، والرواة يختلفون، وهو أدب لا يخطب أبكاره بالنسب.

وخرج أبو دلامة مع المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد، فعن لهم ظبي؛ فرماه المهدي فأصابه، ورمى علي بن سليمان فأصاب كلب الصيد، فضحك المهدي وقال لأبي دلامة: قل في هذا شيئاً فأنشد:

قد رمى المهديّ ظبياًشكّ بالسهم فؤاده
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «قد رمى المهدي ظبيا»
وعليّ بن سليمان رمى كلباً فصاده
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «قد رمى المهدي ظبيا»
فهنيئاً لهما كلّ امرىءٍ يأكل زاده
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «قد رمى المهدي ظبيا»

فاستفرغ المهدي ضحكاً وأمر له بجائزة.

وكان أبو العباس السفاح مولعاً بأبي دلامة، لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً لكثرة نوادره وجودةً شعره، ومعرفته بأيام الناس وأخبارهم؛ وكان أبو دلامة يهرب منه جهده، ويأتي حانات الخمارين فيشرب مع إخوانه من الشعراء، وكان يحب مجالستهم وتهرب من مؤانستنا؟ فقال: والله يا أمر المؤمنين؛ إن الفضل والشرف والعز والخير كله في الوقوف ببابك ولزوم خدمتك، ولكن نكره كما ذكرت، ولا مللتك قط، وإنك لتعلم ذلك، ولكنك قد اعتدت حانات الخمارين، ومجالسة أهل المجون. ثم أمره بلزوم قصره، ووكل به من يمنعه الخروج، وأمره بملازمة المسجد الذي يصلي فيه السفاح، حتى أضر به فقال:

ألم تعلموا أنّ الخليفة لزّنيبمسجده والقصر، ما لي وللقصر!
أُصلّي به الأولى مع العصر آيساًفويلي من الأولى وويلي من العصر
ويحبسني عن مجلسٍ أستلذّهأعلّل فيه بالسماع وبالخمر
ووالله ما لي نيّةٌ في صلاتهولا البرّ والإحسان والخير من أمري
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «ألم تريا أن الخليفة لزني»
وما ضرّه، والله يصلح أمرهلو أنّ ذنوب العالمين على ظهري

فلما بلغت الأبيات السفاح قال: دعوه وشأنه، فوالله ما أفلح قط.

وشرب أبو دلامة مع حماد عجرد، فأتى المهدي بأبي دلامة فقال: استنكهوه؛ ففعلوا فوجدوا رائحة الخمر، فأحب أن يعبث به؛ فأمر الربيع أن يحبسه في بيت الدجاج ويطين عليه الباب، ففعل؛ ثم أمر بعد يومين فأخرج ملبباً بطيلسانه، فأقيم بين يديه، فقال: يا عدو الله؛ أتشرب الخمر؟ أما إني لأقيمن عليك الحد، ولا تأخذني فيك لومة لائم، فأنشأ أبو دلامة:

أمير المؤمنين، فدتك نفسيعلام حبستني وخرقت ساجي
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»
أُقاد إلى السجون بغير جرمٍكأني بعض عمّال الخراج
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»
ولو معهم حبست لكان خيراًولكني حبست مع الدّجاج
أمن صهباء! ريح المسك فيهاترقرق في الإناء لدى المزاج
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»
عقار مثل عين الديك صرفٌكأنّ شعاعها لهب السّراج
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»
وقد طبخت بنار الله حتىلقد صارت من النّطف النّضاج
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»
وقد كانت تحدّثني ذنوبيبأنّي من عقابك غير ناجي
على أني وإن لاقيت شرّاًلخيرك، بعد ذاك الشر، راجي
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»

فأمر به فأقيم عليه الحد، ثم أمر له بأربعة آلاف درهم، فلما ولى قال الربيع: يا أمير المؤمنين، أما سمعت قوله:

وقد طبخت بنار الله حتىلقد صارت من النّطف النّضاج
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»

قال: بلى، فما يعني بذلك؟ قال: يعني به الشمس. قال: ردوه نسأله عن ذلك. فلما حضر قال له المهدي: ما تعني بنار الله؟ أتعني بها الشمس؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ولكن: نار الله الموقدة، التي تطلع على فؤاد الربيع مؤصدة، وعلى من أخبرك أني عنيت بها الشمس مطبقة؛ فضح المهدي وجلساؤه وعفا عنه، فذهب.

وخرج الربيع إلى أصحاب المنصور وهم بالباب، وقد هرب منه سلم غلامه، فقال لهم: أمير المؤمنين يقرئكم السلام، ويقول لكم: إن غلامي سلماً قد هرب، ومحال أن يهرب أحد من غلماني إلا وقد أسند أمره إلى واحد منكم.

فقام أبو دلامة فقال: بلغ عنا أمير المؤمنين كما بلغتنا عنه. قال: نعم! قال: أما سلم فلا نعرف خبره ولا قصته، ولكن هذا بديع يريد الهروب، فرأي أمير المؤمنين في أخذه، وكان بينه وبين بديع تباعد، فبلغ ذاك المنصور فهرب.

وماتت حمادة بنت علي بن عبد الله بن عباس، فصار المنصور إلى شفير قبرها ينتظر الجنازة، وكان أبو دلامة حاضراً فقال: ما أعددت لهذه الحفرة يا أبا دلامة؟ فقال: عمة أمير المؤمنين يؤتى بها الساعة.

أخذت امرأة في زنا وطيف بها على جمل، فمرت ببعض المجان فقال لها: كيف خلفت الحاج؟ قالت: بخير، وقد كانت أمك معنا، فخرجت في النفر الأول.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من من الحكم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.