تجاوز إلى المحتوى

من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من ملح أبي دلامة

وقال روح بن حاتم لأبي دلامة: اخرج معي وهذه عشرة آلاف درهم. فقال:

إني أعوذ بروحٍ أن يقرّبنيإلى الحمام فتشقى بي بنو أسد
إنّ المهلّب حبّ الموت أورثكموما ورثت اختيار الموت من أحد
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إني أعوذ بروح أن يقدمني»

وكان أبو دلامة شاعراً فصيحاً، وماجناً مليحاً، واسمه زند بن الجون الأزدي.

ودخل على أبي جعفر المنصور فأنشده وذكر زوجته:

فاخرنطمت ثم قالت وهي مغضبةٌأأنت تتلو كتاب الله يالكع؟!
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانتجعوا»
قم كي تبيع لنا نخلاً ومزدرعاًكما لجارتنا نخلٌ ومزدرع
خادع خليفتنا عنها بمسألةٍإنّ الخليفة للسؤّال ينخدع

قال: قد أمرنا لك بمائة جريب عامر، ومائة جريب غامر. فقال: وما الغامر يا أمير المؤمنين؟ قال: الذي لا ينبت، قال: فإني أقطعك عشرة آلاف جريب من فيافي بني أسد. فضحك وأمر له بالجميع عامراً، فقال: إئذن لي في تقبيل يدك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أما هذه فدعها، فقال: ما منعت عيالي شيئاً أسهل عليهم من هذه.

ودخل أبو دلامة يوماً على أبي جعفر المنصور فأنشده:

إنّي رأيتك في المنام وأنت تعطيني خياره
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «إني رأيتك في المنام»
مملوءةً بدراهموعليك تأويل العباره

فقال له المنصور: امض فأتني بخيارة أملؤها لك دراهم. فمضى فأتى بأعظم دباءة توجد. ما هذا؟ قال: يلزمني الطلاق إن كنت رأيت إلا دباءة، ولكني نسيت، فلما رأيت الدباءة في السوق ذكرتها.

وهذا إنما أخذه من ابن عبدل الأسدي، وقد دخل على بعض بني مروان، فقال: تأذن لي أصلحك الله أن أقص عليك رؤيا رأيتها؟ فقال: هات؛ فأنشد:

أغفيت قبل الصبح نوم مسهّدٍفي ليلةٍ ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنّك رعتني بوليدةٍفتذانةٍ حسن عليّ قيامها
وببدرةٍ حملت إليّ وبغلةٍدهماء ناجيةٍ يصلّ لجامها
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
فدعوت ربي أن يثيبك جنّةًعوضاً يصيبك بردها وسلامها

فقال: عندي كل شيء إلا البغلة فإنها عندنا شهباء. فقال: امرأتي طالق إن كنت رأيتها إلا شهباء، ولكني غلطت.

ولابن عدل ظريفة مع بشر بن مروان: وذلك أنه كان متصلاً به، منقطعاً إليه، فأغفله، فغاب عنه أياماً ثم أتاه فقال: أين غبت، فقد طلبتك فلم أقدر عليك؟ قال: خرجت أيها الأمير إلى البادية أطلب التزوج بابنة عم لي أيم فقالت: لي أموال متفرقة على الناس، وأنا امرأة لا قيم لي، فاقتضها لي وأنا أتزوجك؛ فاقتضيت لها جميع أموالها، فلما فرغت كتبت إلي:

سيخطئك الذي أمّلت منّيبقطع حبال وصلك من حبالي
كما أخطاك معروف ابن بشروكنت تعدّ ذلك رأس مال

فضحك وقال: ما أحسن ما تلطفت.

ودخل أبو دلامة يوماً على المنصور وبين أصبعيه خرقة، فقال له: ما هذا يا أبا دلامة؟ فقال: ولدت لي الباحة صبية وقد قلت فيها:

فما ولدتك مريم أُمّ عسىولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد ولدت لأمّ سوءٍيقوم بأمرها بعلٌ لئيم
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «بللت علي لا حييت ثوبي»

فضحك المنصور وقال: ما تريد؟ قال: ملء هذه الخرقة أستعين بها على تربيتها. فقال المنصور: أملأوها دراهم، ففتحوها فإذا هي رداء رقيق كبير، فملأوه؛ فأخذ عشرة آلاف درهم.

وكان المنصور بخيلاً، وإنما كان أبو دلامة يستنزله بالملح لشدة بخله، فقد كان يتجاوز الغاية في ذلك.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من من الحكم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.