من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
شجاعة وحسن بلاء
وقال سعد بن ناشب الغنوي:
عليكم بداري فاهدموها فإنّهاتراث كريم لا يخاف العواقبا
إذا همّ ألقى بين عينيه همّهونكّب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في رأيه غير نفسهولم يرض إلاّ قائم السيف صاحبا
وقد قال معاوية ﵁: هممت مرات كثيرةً بصفين أن أخيس فلم يردني إلا أبيات ابن الإطنابة:
أبت لي عفّتي وأبى بلائيوأخذي المجد بالثمن الربيح
وقولي كلّما جشأت وجاشتمكانك تحمدي أو تستريحي
وإقدامي على المكروه نفسيوضربي هامة البطل المشيح
لأدفع من مآثر صالحاتٍوأمنع بعد عن نسبٍ صريح
وابن الإطنابة هو عمرو بن عامر بن زيد مناة بن مالك بن الأغر الخزرجي، وهو فارس مشهور معروف، والإطنابة أمه.
وقد أحسن قطري بن الفجاءة في هذا المعنى حيث قال:
وقولي كلّما جاشت لنفسيمن الأعداء ويحك لا تراعي
فإنك لو سألت مزيد يومٍأبى الأجل المقدّر أن تطاعي
وقال بعض الغزاة: فتحنا حصناً من بلاد الروم، فرأينا فيه صورة أسد من حجر عليه مكتوب: الحيلة خير من الشدة، والتأني أفضل من العجلة، والجهل في الحرب أحزم من العقل، والتفكر في العاقبة من أمارة الجزع.
ووجه ملك الروم إلى الرشيد بثلاثة أسياف مع هدايا كثيرة، على سيف منها مكتوب: أيها المقاتل؛ احمل تغنم، ولا تفكر في العاقبة تهزم. وعلى الثاني: التأني فيما لا تخاف عليه الفوت، أفضل من العجلة إلى إدراك الأمل. وعلى الآخر: إن لم تصل ضربة سيفك، فصلها بإلقاء خوفك.
وهذا كقول كعب بن مالك الأنصاري:
نصل السيوف إذا قصرن بخطوناقدماً ونحلقها إذا لم تلحق
وكقول نهشل بن حري:
إذا الكماة تأبّوا أن ينالهمحدّ السيوف وصلناها بأيدينا
وأعطى بعض الأمراء سيفاً لرجل فقال له: صله بخطواتك. فقال له: الصبر أقرب من تلك الخطوة.
وأعطى آخر لرجل سيفاً فسأله بدله، وقال: هو غير ماض. قال: خذه، فالسيوف مأمورة، قال: فهذا أمر ألا يقطع.
وانهزم رجل، فدخل على أميره فشتمه وقال: أعطيت بيدك وهربت، ولم توغل ولا صبرت! فقال: لئن تشتمني أصلحك الله وأنا حي خير من أن تترحم علي وأنا ميت.
وقيل لأعرابي: اخرج إلى الغزو! فقال: أنا والله أكره الموت على فراشي، فكيف أمشي إليه ركضاً؟!.
أخذ هذا المعنى أحمد بن أبي فنن فقال مستطرداً يمدح أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي والاستطراد أن يريك الفارس أنه ولى، وإنما ولى لتتبعه فيكر عليك كذلك الشاعر يريك أنه يصف شيئاً، ثم يعن له معنىً فيأتي به، وكأنه ليس من قصده ولم يقصد غيره:
ما لي وما لك قد كلّفتني شططاًحمل السلاح وقول الدارعين قف
أمن رجال المنايا خلتني رجلاًأُمسي وأُصبح مشتاقاً إلى التلف
أرى المنايا على غيري فأكرههافكيف أمشي إليها بارز الكتف؟
أخلت أنّ سواد الليل غيّرنيأو أنّ قلبي في جنبي أبي دلف؟
لأنه كان شديد السواد.
ولما دخل على المعتز قال: هذا الشاعر الأسود؟ قال: لا يضره سواده، أعزكم الله تعالى؛ فإن بيض أباديكم عنده.
وقال المنصور لبعض الخوارج وقد أتي به أسيرا: أخبرني أي أصحابي كان أشد إقداماً في مبارزتكم؟ فقال: ما أعرف وجوههم مقبلين، وإنما أعرف أقفاءهم؛ فمرهم أن يدبروا لأعرفك أشدهم إدباراً.
أخذه ابن الرومي فقال في سليمان بن عبد الله بن طاهر وكان قد خرج في بعض الوجوه فهزم:
قرن سليمان قد أضرّ بهشوقٌ إلى وجهه سيدنفه
أعرض عن قرنه وفرّ فماأصبح شيءٌ عليه يعطفه
كم يعد القرن باللقاء وكميكذب في وعده ويخلفه
لا يعرف القرن وجهه ويرىقفاه من فرسخٍ فيعرفه
وله في هذا المعنى أهاج كثيرة فمن ظريفها:
سليمان ميمون النقيبة حازمولكنّه حتمٌ عليه الهزائم
ألا عوّذوه من توالي فتوحهعسى أن تردّ العين عنه التمائم
وقال:
جاء سليمان بني طاهرفاجتاح معتزّ بني المعتصم
كأنّ بغداد لدن أبصرتطلعته نائحةٌ تلتدم
مستقبل منه ومستدبروجه بخيلٌ وقفاً منهزم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع