من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
الأمين يحبس أبا نواس
وكان أبو نواس حبس في أيام الأمين مرتين؛ إحداهما أنه بلغ الأمين قوله:
ومستعبد إخوانه بثرائهلبست له كبراً أبرّ على الكبر
إذا ضمّني يوماً وإياه مجلسٌرأى جانبي وعراً يزيد على الوعر
أُخالفه في شكله وأجرّهعلى المنطق المنزور والنّظر الشّزر
فوالله لا ألوي لساني بحاجةٍإلى أحدٍ حتى أُوسّد في قبري
وقد زادني تيهاً على الناس أننيأراني أغناهم وإن كنت ذا فقر
فلو لم أنل فخراً لكانت صيانتيفمي عن جميع الناس حسبي من فخر
فلا يطمعنّ في ذاك منّي طامعٌولا صاحب التاج المحجّب في القصر
فقال: وبلغ بك الأمر إلى أن تعرض بي في شعرك يابن اللخناء! فقال سليمان بن أبي جعفر: هو والله يا أمير المؤمنين زنديق، وقد شهد عندي جماعة أنه شرب ماء مطر مع خمر، فقيل له: لم فعلت ذلك؟ قال: لأشرب الملائكة فإنه كان مع كل قطرة ملك، فأمر بحبسه فقال:
يا ربّ إنّ القوم قد ظلمونيوبلا اقتراف خطيئةٍ حبسوني
وإلى الجحود بما عليه طوّيتيبالزور والبهتان قد نسبوني
أما الأمين فلست أرجو دفعهعنّي فمن لي اليوم بالمأمون
فقال المأمون لما بلغه ذلك: والله لئن أدركته لأحسنن إليه، فمات قبل دخول المأمون بغداد.
ولما دخل بها سنة أربع ومائتين وأتاه الشعراء يمدحونه قال: ما فعل أبو علي الحسن بن هانىء؟ قالوا: توفي، فلم يسمع منهم شعراً وتوجع وقال: لقد ذهب ظرف الزمان بموته، وانحطت رتبة الشعر بذهابه.
وكان أبو نواس في آخر أيام الأمين مستخفياً فلم يظهر حتى قتل؛ لأنه كان أملح الناس وجهاً، وكان أبو نواس إذا نظر إليه بقي باهتاً فقال فيه:
عذّب قلبي ولا أقول بمنأخاف من لا يخاف من أحد
إذا تفكّرت في هواي لهمسست رأسي هل طار عن جسدي
إني على ما ذكرت من فرقيلآمل أن أناله بيدي
وقال:
يا قاتل الرجل البريّوسالباً عزّ المليك
كيف السبيل للثم سالفتيك أو تقبيل فيك
الله يعلم أننيأهوى هواك وأشتهيك
وأصدّ عنك حذار أنتقع الظنون عليّ فيك
فظهر الشعر، فلم يزل أبو نواس مستخفياً.
وحبسه الأمين قبل ذلك: وذلك لأن المأمون لما خلعه بخراسان ووجه طاهر بن الحسين إليه ليحاربه، كان يعمل بعيوب الأمين كتباً لتقرأ على المنابر بخراسان، وكان مما عابه به أنه قال: احتبس شاعراً ماجناً كافراً يقال له الحسن بن هانىء، واستخلصه معه لشرب الخمر وارتكاب المآثم وانتهاك المحارم، وهو القائل:
ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمرولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهر
وبح باسم من أهوى ودعني من الكنىفلا خير في اللذّات من دونها ستر
قال أبو علي محمد بن المظفر الحاتمي: هذا معنى ظريف، يقول: إن الملاذ بالحواس الخمس وهي: النظر والسماع والشم والذوق واللمس؛ فقد استمتعت حاسة البصر بالنظر إليها، وحاسة الشم بتضوعها وطيب نكهتها، وحاسة الذوق بطعمها، وحاسة اللمس بلين اللمس، وبقي حاسة السمع معطلة. فقال: وقل لي هي الخمر؛ لتلتذ حاسة السماع فيكمل الاستمتاع.
ثم يذكر الأمين في خطبة العراق، فيقول: أهل فسق وخمور وفجور وماخور، ويقوم رجل بين يديه فينشد أعابيس أبي نواس كقوله:
يا أحمد المرتجى في كل نائبةٍقم سيدي نعص جبّار السموات
فقام والليل يجلوه النهار كمايجلي التبسّم عن غرّ الثنيّات
ومن هنا أخذ ابن الرومي، فجاء بأبدع عبارة، وأنصع استعارة، وأصح تشبيه، وأملح تنبيه. فقال يصف سوداء:
يفترّ ذاك السواد عن يققٍمن ثغرها كاللآلىء اليقق
كأنّها والمزاح يضحكهاليلٌ تعرّى دجاه عن فلق
فاتصل بالأمين خبر المأمون، فأغراه الفضل بن الربيع بأبي نواس فحبسه، فكتب أبو نواس إلى الفضل من الحبس:
أنت يابن الربيع علّمتني الخير وعوّدتنيه والخير عاده
فارعوى باطلي وعاودني حلمي وأحدثت رغبةً وزهاده
لو تراني شبهتني الحسن البصريّ في حال نسكه أو قتاده
المسابيح في ذراعي والمصحف في لبّي مكان القلاده
فإذا شئت أن ترى طرفةً تعجب منها مليحةً مستفاده
فادع بي لا عدمت تقويم مثليفتأمّل بعينك السّجّاده
ترى أثراً من الصلاة بوجهيتوقن النفس أنّها من عباده
لو رآها بعض الرائين يوماًلاشتراها يعدّها للشهاده
ولقد طالما شقيت ولكنأدركتني على يديك السعاده
فلما بلغ الشعر الفضل ضحك، وقال: من علم أن السجادة تصلح للشهادة بعد؛ وكلم فيه الأمين فتركه بعد أن أخذ عليه ألا يشرب الخمر فقال:
ما من يدٍ في الناس واجدةٍكيدي أبي العباس مولاها
نام الثقات على مضاجعهموسرى إلى نفسي فأحياها
قد كنت خفتك ثم أمّننيمن أن أخافك خوفك الله
فعفوت عنّي عفو مقتدرٍوجبت له نقمٌ فألفاها
ومن قوله في ترك الشرب:
أيّها الرائحان باللوم لومالا أذوق المدام إلاّ شميما
نالني بالملام فيها إمامٌما أرى لي خلافه مستقيما
فاصرفاها إلى سواي فإنّيلست إلاّ على الحديث نديما
فكأني وما أزيّن منهاقعديٌّ يزيّن التّحكيما
كلّ عن حمله السّلاح إلى الحرب فأوصى المطيق ألاّ يقيما
والقعد: فرقة من الخوارج يأمرون الناس بالخروج وهم لا يخرجون. وزعم المبرد أنه لم يسبق إلى هذا المعنى. وقال في ذلك أيضاً:
غنّنا بالطّلول كيف بليناواسقنا نعطك الثناء الثمينا
من سلافٍ كأنها كلّ شيءٍيتمنّى مخيّر أن تكونا
أكل الدهر ما تجسّم منهاوتبقّى لبابها المكنونا
فإذا ما اجتليتها فهباءٌيمنع الكفّ ما تبيح العيونا
ثم شجّت فاستضحكت عن لآلٍلو تجمّعن في يدٍ لاقتنينا
في كئوسٍ كأنهنّ نجومٌدائراتٌ بروجها أيدينا
طالعاتٌ مع السقاة علينافإذا ما غربن يغربن فينا
لو ترى الشّرب حولها من بعيدقلت قومٌ من قرّةٍ يصطلونا
وغزال يديرها ببنانٍناعماتٍ يزيدها المزج لينا
كلما شئت علّني برضابٍيترك القلب للسرور قرينا
ذاك عيشٌ لو دام لي غير أنيعفته مكرهاً وخفت الأمينا
وقال أيضاً:
أعاذل أعتبت الإمام وأعتباوأعربت عمّا في الضمير وأعربا
وقلت لساقيها أجزها فلم يكنليأبى أمير المؤمنين وأشربا
فجوّزها عني سلافاً ترى لهاإلى الأفق الأعلى شعاعاً مطنّبا
إذا عبّ منها شارب القوم خلتهيقبّل في داجٍ من الليل كوكبا
ترى حيثما كانت من البيت مشرقاًوما لم تكن فيه من البيت مغربا
يدور بها رطب البنان ترى لهعلى مستدار الخدّ صدغاً معقربا
سقاهم ومنّاني بعينيه منيةًفكانت إلى قلبي ألذّ وأطيبا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع